إنجي همام
لا تقدم منال قابيل في مجموعتها القصصية «المقاعد الثلاثة والعشرون» حكايات بالمعنى التقليدي، بل تقدم “نظرة فلسفية متعمقة للغربة والاستعادة” تحول العادي والمهمش والمنسي إلى أيقونات سردية تنبض بالدهشة، فالمجموعة هي بنية حسّاسة ومتراكبة، تُصاغ فيها الخبرة الإنسانية عبر وحدات صغيرة تبدو مستقلة ظاهريًا، لكنها تتواشج على مستوى أعمق عبر ثيمات الذاكرة، الجسد، الفقد، والهامش الإنساني. ما يلفت منذ الوهلة الأولى أن الكاتبة لا تُراهن على الحبكة التقليدية، بل على كثافة اللحظة، وعلى تحويل التفاصيل اليومية إلى حامل جمالي ومعرفي معًا.
المكان.. من الحيز المادي إلى الملاذ الوجودي
في قصص المجموعة، يتوقف المكان عن كونه خلفية صامتة للأحداث، ليصبح بطلاً يمارس فعل الاحتواء. «البلكونة» ليست مجرد نتوء معماري، بل هي “برزخ” يقع في المنطقة العمياء بين الداخل الحميمي والخارج الصاخب. عبرها، يتسرب العالم إلينا بملامحه الخشنة (كأيدي عم عبده النجار) ونداءاته البعيدة، لتغدو البلكونة “رئة” يتنفس منها البيت تاريخه، ومختبراً تتلاشى فيه الحدود بين “الأنا” و”الآخر”.
انكسار الزمن.. حين يصبح الماضي “حاضراً مستمراً”
الزمن عند منال قابيل ليس خطاً مستقيماً يؤدي إلى النسيان، بل هو “دائري” ومراوغ. الشخصيات لا تعبر الزمن، بل يستوطنها الزمن.
في لحظة خاطفة فوق السحاب (في الطائرة)، يتحول “كوب اللبن” من مادة استهلاكية إلى “مفتاح زمني” يفتح أبواب الطفولة الموصدة. هذا الانحياز للذاكرة الحسية (رائحة، طعم، نبرة صوت) هو فعل مقاومة ضد “الاقتلاع”. إنها تستحضر الماضي لا لتبكيه، بل لترمم به ثقوب الحاضر، محولةً “الاستعادة” إلى طقس شفائي.
لغة التكثيف.. بلاغة الهمس في عالم صاخب
تمارس الكاتبة نوعاً من “التقشف الباذخ” في لغتها. جملها قصيرة، رشيقة، وخالية من الزوائد، لكنها محملة بطاقة شعورية هائلة. إنها لا تصف “الحزن”، بل تجعلك تلمسه في “اللون الأسود” الذي يلف المدينة في (حزن عام). ولا تصف “الخفة”، بل تجعلك تبصرها في حركة (عالية الفراشة). لغة قابيل تنحاز “للفعل” و”الصورة” بدلاً من “التقرير”، مما يمنح نصوصها طابعاً سينمائياً يترك للقارئ مساحة واسعة للتأويل.
جسد الذاكرة.. الندوب بوصفها خرائط إنسانية
الجسد في المجموعة هو السجل الحقيقي للأيام. أيدي العمال الخشنة هي “صكوك قرابة” إنسانية، ووجه “عالية” الذي لا يشيخ هو “قناع” تراجيدي يحاول مغالطة التاريخ. الجسد هنا ليس وعاءً للمشاعر، بل هو “المشاعر ذاتها” حين تتجسد في ارتعاشة يد أو نظرة عين تائهة في أفق انتظار المقاعد الثلاثة والعشرين.
فلسفة “المقاعد”.. عن هشاشة اللقاء وحتمية العبور
يأتي العنوان ليتوج هذه الرؤية؛ فالمقاعد ترمز للانتظار، والعدد (23) يمنح العشوائية نظاماً قسرياً. في القصة الأخيرة، يتحول “المقعد” إلى وطن مؤقت للغرباء الذين توحدهم المحنة. هنا، تلتقي الأرواح في “ألفة اضطرارية” تجعل من المرض أو الغربة أو الفقد جسراً للعبور نحو “الآخر”. إنها بلاغة “اللقاء العابر” الذي يترك أثراً لا يمحى، حيث يتحول الغرباء إلى “عائلة كبيرة” يجمعها فضاء الانتظار المشترك.
«المقاعد الثلاثة والعشرون» هي مرثية ذكية وحنونة لما نفقده في زحام الحياة، واحتفاء مدهش بما يبقى منا في ذاكرة الآخرين. منال قابيل لم تكتب قصصاً، بل نسجت من “تفاصيل صغيرة” خريطة معقدة للنفس البشرية في أقصى لحظات صدقها وانكسارها. إنها دعوة لننظر بعمق في وجوه الجالسين بجوارنا على مقاعد الحياة، قبل أن ينهضوا ويمضوا، تاركين خلفهم “لمسة نور” وصدى حكاية.















