رواية “روائي بلا نُسَخ” للكاتب بولص آدم: حين تصبح الكلمات أسيرة الورق

poles adam

 مروان ياسين الدليمي

  في “روائي بلا نُسَخ”، لا يكتب بولص آدم رواية بقدر ما يكتب تأمّلاً في فعل الكتابة نفسه، متخذاً من “النوفيلا” إطارًا سرديًا ينفتح على ذاته، ويشير إليها، ويتورّط في مساءلتها. النص، كما يظهر في نسخته الرقمية المنشورة على موقع “الكتابة”، لا يكتفي بأن يكون تمثيلاً لعالم متخيّل، بل يغدو مختبرًا لسردٍ يتداخل فيه المرجعي بالتخييلي، ويصير الروائي السارد فيه كاتبًا داخل الكتابة، يوجّه نُباله إلى مؤسسات النشر بوصفها أطرافًا مضادة في لعبة الإنتاج الأدبي. هنا، يُعاد تدوير شخصياتٍ سبق أن تنفّست في روايات سابقة، وتُستدعى وجوهٌ من الحياة الشخصية للكاتب، لا بوصفها مرجعًا واقعياً، بل بوصفها كيانات نصّية تتجاور وتتنافر، لتخدم خطابًا احتجاجيًا يتخفّى في نبرة روائية. فالرواية التي تحمل عنوانها داخل الرواية ذاتها – “روائي بلا نُسَخ” – تمارس نوعًا من الانفصام السردي المقصود، حيث يغدو المخطوط غير المنشور هو الحامل للرسالة، والناطق باسم المؤلف، والمشتكي من اغتصاب الحقوق الإبداعية.

إنها رواية داخل رواية، نصٌّ يحتج من داخل بنيته، ويعرّي شروط إنتاجه. وفي هذا الميتاسرد، يصبح النصّ شاهداً ضد نفسه، ومرافعة ضد السياق المؤسسي الذي يُحاصِر الإبداع. إنها كتابة تقف على حدود الفعل الروائي، وتهدم الحائط الرابع بين المؤلف والقارئ، مُعلنةً أن لا نسخة أصلية للرواية، بل محاولات دائمة لإعادة إنتاج الذات الكاتبة وسط عالم لا يمنحها سوى نسخٍ من الخيبة.

في حضرة خطاب مزدوج: حين تتحوّل الكلمة إلى سلعة

ما يبدو، ظاهريًا، تمجيدًا للأدب، ليس في العمق سوى خطاب يتقن فنّ التمويه. خلف الشعارات المنمّقة لدور نشر تتغنى بحب الكُتّاب، تقبع آليات استغلالية تُعيد إنتاج الكاتب في صورة عبدٍ سردي، لا كذات خالقة، بل كقيمة تبادلية في سوقٍ لا يعترف إلا بالربح. إننا، إذن، لسنا أمام علاقة تقليدية بين مؤلِّف وناشر، بل أمام تمفصل بين العَقْد والخِطاب، حيث يصبح النص الإبداعي ملحقًا تجاريًا يُعاد تعريفه وفق منطق رأسمالي لا يكتفي بسرقة المعنى، بل يُصادر الحق في الوجود المادي للكتاب.

الروائي، في هذه المعادلة المختلّة، لا يدخل إلى النشر بوصفه شريكًا، بل كذات مخدوعة بوهم الخلود عبر الورق. إنه توقيعه الأول الذي يفتتح مأساة النُسَخ الغائبة. فالرواية تُطبع، تُوزع، تُقرأ، لكنها لا تُرى، على الأقل من جهة خالقها. إنها حالة سردية فريدة من الانفصال بين المؤلِّف الضمني والأثر المادي، بين ما كُتب وما يُباع، حيث تصبح نسخة الرواية التي لم تصل إلى كاتبها رمزًا لصراع أبعد من مجرد خرق عقد: إنه الصراع بين السلطة النصّية والسلطة الاقتصادية.

في هذا التوتر، تتفجر السخرية لا بوصفها تقنية، بل بوصفها خطابًا مضادًا، مضمرًا في بنيان الرواية نفسها. السخرية، هنا، ليست وسيلة للتهكم، بل مقاومة داخلية تُمارَس على مستوى الميتانص، حيث تحوّل الرواية ذاتها إلى مساحة احتجاج ضد شروط إنتاجها. الرواية تقرأ نفسها كضحية، وتسرد احتجاجها على منطق السوق من داخل بنيتها: استدعاء الشخصيات القديمة، مزج الحقيقي بالمتخيل، تفكيك شروط التلقي—كلها استراتيجيات تندرج ضمن ما يسميه جينت العتبات النصيّة، التي لم تعد تسبق النص، بل تنمو داخله، وتفضح تضاريسه.

وحين يقرر الروائي التمرد، فإن فعله لا يُقرأ بوصفه خروجًا عن منظومة النشر فقط، بل بوصفه إعلانًا عن إعادة تموضع الكاتب كمؤسسة. فرفض الوسيط لا يعني الانقطاع عن القارئ، بل هو تفكيكٌ لموقع الوسيط نفسه بوصفه سلطةً احتكارية على توزيع المعنى. إن الكاتب حين يكتب دون ناشر، لا يتخلى عن النشر، بل يعيد تعريفه وفق شروط جديدة: حيث لا يمر المعنى عبر قنوات التوزيع التقليدي، بل يُبث عبر ما يسميه جينت بـالخطاب غير المرئي—ذاك الذي يُحمَل في النفس، في الحلم، في تفاصيل الحياة اليومية.

إنها عودة للكلمة الأولى، للكتابة كفعل وجود لا كمنتَج. فالروائي لا يكتب كي يُباع، بل ليحيا في كتابته. وفي هذا التمرد، تتحوّل الكتابة ذاتها إلى مسرح للصراع، حيث تُستعاد سلطة الكاتب من براثن السوق، وتُعاد للمعنى سلطته الأولى: أن يُكتب ليُعاش، لا ليُسوَّق.

ففي عالم تُقاس فيه الكلمات بعدد النُسَخ، يرفع هذا الروائي شعارًا وجوديًا يُنقَش في هواء الصفحات: “لن أكون نسخة من كاتب تُباع كلماته بالقطعة. سأكون كاتبا، حتى وإن لم أطبع شيئًا قط”..

وهكذا، تتبدد النسخة المفقودة، لكن يبقى الأصل في تمرده.

حين يُسْتَدرَج الكاتب باسم “الرعاية”: وظيفة القناع في اقتصاد الأدب، ليس “قناع رعاية الأدب” سوى استيهام مؤسساتي يُعاد إنتاجه بصفته خطابا دعائيًا، لا يهدف إلى حماية الكتابة، بل إلى استلابها باسم الحماية. إننا، هنا، أمام مفارقة سيميائية لا يمكن للكاتب أن يتجاهلها: فالخطاب الذي يُقدّم بوصفه حاضنًا للإبداع، ما هو في العمق إلا مؤسسة تمارس عنفًا ناعمًا، تتحصن بشعارات الطباعة والتوزيع بينما تمارس سطوتها على جسد النص، بل على جسد الكاتب نفسه.

إن “الوعود” ليست مجرد جمل؛ إنها أدوات سردية تتنكر في هيئة عقود قانونية، لكنها تؤسس، بنيويًا، لعلاقة مختلّة بين المؤلف الضمني والناشر الفعلي. فالكاتب يُساق، لا إلى النشر، بل إلى شكل من التنازل الرمزي عن سيادته التأليفية، إذ يتحوّل النص إلى كيان منزوع الإرادة، يعيش خارج مدار صانعه، في دوائر توزيع لا يتحكم بها.

وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: أن الكاتب الذي قضى أعوامًا يحرث ذاكرته، يحفر في اللغة، ويخلق شخصياته بوصفها امتدادات معرفية ووجدانية، يجد نفسه خارج المعادلة. بل وأكثر من ذلك: يُنفى من نصه. لا نسخ تصل إليه، لا أرباح، لا أثر. كأنه لم يكتب. كأن النص ليس له. وهكذا ينشأ شرخ سردي خطير: انفصال النص عن منشئه، وهو ما يجعل الكاتب، في النهاية، مخلوقًا شبه-شبح، يكتب لا لينشر، بل ليتذكّر أنه موجود.

الشخصيات: البُنى الحيّة التي تنتفض على موت المؤلِّف

في قلب هذا التشظي، تُستدعى الشخصيات بوصفها كيانات لم تعد فقط أدوات سردية، بل ذوات قائمة، فاعلة داخل النص وخارجه. لقد خرجت من كهوف الحبر، ولم تعد ترضى بالبقاء خلف ستار التخييل. وما يقترحه النص هنا، هو انتقال من وظيفة الشخصية كمكوّن سردي، إلى الشخصية كمشارك في فعل الوعي. إنها تمارس الميتاسرد، إذ تلتفت إلى المؤلف لا بوصفه خالقًا، بل بوصفه ضحية بنية أكبر منها ومنه. بهذا التمرد، تدخل الشخصيات في فضاء مقاومة مزدوج: ضد من سرق صوتها، وضد من صادر ذاكرة مؤلفها. إنها لحظة تعاقد جديدة، لا تشبه عقد النشر، بل تعاقد أخلاقي-سردي، يُعيد للمؤلف مكانته، لا كموقّع على صفحات، بل كذات تُكتب من داخل محنتها.

الميتانص كثورة: الكتابة ضد النشر

حين يقرر الكاتب التوقف عن النشر، فهو لا ينسحب من الفعل الإبداعي، بل يُخرجه من تحت عباءة السوق، ويُعيده إلى بيئته الأصلية: الحرية. هذا القرار، على المستوى البنيوي، يُقابل بتموضع جديد للنص، لم يعد يُقرأ في ضوء آلياته الإنتاجية، بل بوصفه أثَرًا حرًّا، يتحرّك في الهواء، في الحلم، في اللاوعي الجمعي للقارئ. فالنص الذي لا يُطبع، لا يُقيَّد بإحداثيات التوزيع، بل يتحول إلى كلمة طليقة، تعبر الحدود من دون جواز سفر.

وهكذا، تتحول الشخصيات إلى حرّاس هذه الحرية. ترفض أن تُختزل في رقم على غلاف، أو نسخة تُباع في معرض كتاب. إنها تصطف إلى جانب مؤلفها لا بصفته خالقها، بل باعتباره أحدها. الكلّ في حالة مقاومة، في لحظة وعي تتجاوز فصول الرواية، لتدخل مجال الزمن النصّي الموازي، حيث يتوقف السرد عن كونه خطيًا، ويصبح لولبيًا، دائريًا، نابضًا من الداخل.

الكتابة ككينونة

في النهاية، لا يعود النص مجرد “رواية قصيرة” أو “نوفيلا”؛ إنه وثيقة وجود، وشهادة احتجاج ضد التواطؤ بين النشر والسلطة. المؤلف لا يُطالب بنسخه، بل يستعيد حقه في المعنى. وشخصياته، تلك الأرواح التي تسكن النص، تعرف أنها لن تموت، لأنها وُلدت لا لتُباع، بل لتقول شيئًا يشبه الحقيقة. وفي ذلك، يكمن انتصار الكتابة: لا كمهنة، بل كحياة.

 

اقرأ أيضاً:

روائي بلا نسخ للكاتب العراقي بولص آدم

شاعر ورورائي وناقد عراقي. من أعماله: رفات القطيعة، منعطف الوقت، اكتشاف الحب ـ اوراق من مدونتي الشخصية، علامات سردية روايات…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع