د. أحمد فرحات
يعرف همفري تيار الوعي بقوله: “نوع من القصص يركز فيه أساسا على ارتياد مستويات ما قبل الكلام من الوعي بهدف الكشف عن الكيان النفسي للشخصيات” ويشير د. محمود الربيعي إلى أن تيار الوعي يمثل ثورة حقيقية في تاريخ التطور الروائي في القرن العشرين[1]، ويؤكد د. صلاح فضل أن القصة التقليدية قد استعملت تيار الوعي عن طريق الرواي كلي العلم، وبضمير الغائب[2]. وقد أختلف مع الدكتور فضل في الرؤية النقدية لأن الرواية الكلاسيكية أقرت الوعي ولم تستعمل تيار الوعي.
عبر الراوي العليم الذي يستعين بتقنية تيار الوعي نتحسس قدرة المؤلف على خلق منظومة روائية متكاملة يحدد من خلالها معاناة شخصيات ذاكر وهبة وأمل كشخصيات رئيسة في رواية “أحلام ذاكر”، ونتابع معه بشغف قوي غرس فكرتي الترقب والوصف ينخرط فيها ذاكر بأحلام تأتيه عند أذان الفجر غالبا، عن طريق رجل سبعيني شبه وهمي، يزوره في الأحلام ويطلعه عما يجب عليه فعله تجاه بعض الشخصيات. حتى يمر ذاكر نفسه ببعض المواقف التي تضطره ينتظر تعليمات الرجل السبعيني الذي يزوره في الأحلام، ولكنه لا يستطيع مساعدته مع والده، أو أحد أصدقائه المقربين.
يلتقي ذاكر بالشخصية المراد له رفع الألم عنها، عن طريق تشابك الأيدي وانحناء الأصابع فوق اليد الآخرى لتخرج منه طاقة مهوله ترفع الألم والوجع عن الشخص المراد. ففي الفصل الأول يغرس المؤلف هذه الفكرة لدى القارئ.”التف ذاكر ناحية الرجل، ومد يده اليمنى، فأمسك الرجل كفه وشبك أصابع كفه اليمنى بكف ذاكر في هدوء منقطع النظير، وقال له الآن-يا ذاكر- تستطيع أن تزور أحلام الناس أصحاب الحاجات، وأن تحققها لهم. أنت الآن سفير تفتح له كل الأبواب. هيا بقدرة الله –سبحانه وتعالى- حلق غب ليالي المرتجين المتأملين لبعض شذرات السعادة[3].
وفي هذا المشهد الروائي الحركي الذي تتجلى فيه محاولة المؤلف تأمين الفكرة ميتافيزيقيًا حتى لا تصطدم بعقل القارئ، ولا معتقده؛ فيؤسس لقدرة خارقة، يشرعنها دينيًا، يكسوها بطقس رمزي، ويزرع فكرة المخلّص الفرد.
وعبر طقس رمزي تتكرر هذه المحاولة لتخليص من يشعر بالمعاناة من ألمه ووجعه، ولعلنا نلحظ زمان الحلم الذي يوافق أذان الفجر، وما له من رمزية دينية مقدسة، في سكون الليل تختبي الأحلام، يعبر من خلال نسق المفاجأة غير المتوقعة يزور امرأة مسنة ليكشتف أنها أمل التي سوف يحبها ويتزوجها، وينجب منها عماد.
والغرض من توظيف تقنية تيار الوعي في الرواية الجديدة-كما يرى ديفيد لودج- أنه أسلوب جديد قدمه الروائيون، بهدف خلق بطل من نمط جديد، منغمس بذاته، يختلف عن البطل المتأثر بما حوله، وهو يرى أن تيار الوعي موجود فينا جميعا كحقيقة وجود المجتمع نفسه، فقام الروائيون باكتشافه وتجديد أهميته[4].
يركز الروائي على عادات المجتمع وتقاليده، وتحليل النفس البشرية، وعلى المراقبة والوصف اللذين يشكلان عنصرين أساسيين في مفهوم الرواية[5]. فيقول على لسان الراوي العليم: اشترى بعض الترمس من بائع متجول، وجلس مواجها للنيل، وانشغل بمتابعة مراكب الصيادين الصغيرة، إنه أمر لافت للنظر، أن الصياد وزوجته وابنه يخرجون معا، المرأة تطهو الطعام، بينما زوجها يصطاد. الطفل يلهو في هذه المساحة الضيقة المتاحة على السطح الفسيح للنيل. ما هذا الذي حدث لي اليوم ؟ لم أعد قادرا على البوح لمن أبوح بسري المزعج؟ ..
لعلنا نلاحظ تردد الضمير بين الغائب والمتكلم، في محاولة منه لإرباك المشهد برمته، وأن المؤلف يريد أن يعتمد على راو متردد بين ضميرين، وسندرك فيما بعد أن الراوي الفعلي غائب عن عمد لإيغال الغموض، وتشظية الزمن الروائي، ومن ناحية أخرى للاعتماد على راو غير موثوق يروي الأحداث. وعدم الوثوق بالراوي لا يعني الكذب بل ربما يعني إسقاط الرغبات على الواقع.أو تفسيرالواقع تفسيرا رغائبيا، وقد تكون عدم الموثوقية مقصودة فنيًا، لتؤدي وظيفة يريد المؤلف أن تصل إلى القارئ فيجعله في حالة تردد دائم. ويريد أن يشرك القارئ في اختبار الإيمان أو الشك وعدم الاطمئنان، وهنا تتحول الرواية إلى اختبار:هل نحتاج فعلًا إلى مُخلِّص؟ أم أن الألم لا يُرفع إلا من داخل الذات؟
وتمتاز المراقبة بدقتها المتناهية لطبائع الناس المختلفة، إذ يقوم الروائي بتحقيقات واسعة عن البيئة، متوخيا الصدق من خلال المراقبة الذكية لكل انفعال، وكل شيء، فتكون المراقبة حدسية تصدر عن الخيال لإحياء الواقع الخارجي، وهذه المراقبة الخارجية تبث فيها الحياة[6]. وهنا نجد أن الراوي درس أماكن محددة، وأفاض في وصفها كالمدرسة، والمستشفى، والبنك، والشارع،والمقهى، ومن حوله من شخصيات ثانوية: فاضل بركات، راشد المهدي، محمد المغربي، عفاف، عبد المنعم، مدير البنك، عماد صغيرا وكبيرا.
وهذا ما يسمى بالمكان في الرواية، وهو ينقسم في أحلام ذاكر قسمين: مكان مغلق، وآخر مفتوح. المكان المغلق هو فضاء محدود مقيد بجدران وحواز كالغرفة، والمدرسة، والبيت وغيره وهو يعكس الحالة النفسية مرتبطة بالأشخاص،قد يوحي بالعزلة أو القهر وقد يشعر القارئ بأن الشخصيات محصورة داخل هذا الفضاء مما يرمز إلى القيود الاجتماعية أو النفسية التي تكبلها، وهنا قد يعكس الانطواء والعزلة والغربة ، وهو من ناحية أخرى يمثل الحنين والأمان والطمأنينة والسكينة .
“تراءى الرجل السبعيني مرة أخرى كطيف سابح في فراغ غرفة ذاكر، كلمحة خاطفة حتى إنه لا يكاد يتعرَ ف عليه إلا بعد أن يختفي في سرعة البرق. على الرغم من كل ما يشعر به من توتر، إلا أنه لا يستطيع أن ينكر ارتياحه بعض الشيء للابتسامة التي تفيض من وجهه”[7].
هذا المشهد يمثل ذروة التوتر من خلال ذكر كلمة فراغ غرفة ذاكر، فراغ الغرفة ليس مجرد مكان، هو حالة نفسية تعكس التوتر والخوف والترقب داخل فضاء داخلي، ويلاحظ غياب أي شاهد خارجي ليعزز أن الحدث يقع بالكامل داخل وعيه.
أما المكان المفتوح فهو ليس مجرد خلفية للأحداث، بل هو فضاء يحدد حركة الشخصية ويحمل دلالات رمزية واجتماعية ونفسية مرتبطة بموضوع الشخصية وهو يمنح الشخصيات شعورا بالحرية والانطلاق، وقد يعكس فقدان الأمان والبحث المستمر عن الذات. وقد تنوع المكان في الرواية بين القاهرة والإسكندرية والقرى المصرية التي صار فيها محمد المغربي قطبا صوفيا..
الوصف الشامل للبيئة والشخصيات والمرئيات والأحداث يشكل ضرورة فنية لتقديم المعنى، ويمتاز الوصف بدقته، وله أهمية كبرى فهو يقدم الموجودات الموصوفة بطريقة متزامنة في المكان المحدد وهو مهم أيضا لإدخاله العنصر الدراماتيكي في الرواية، ومن ثم إظهار النماذج البشرية والاجتماعية[8]. تأمل معي عباراته المراوغة التي تزيد من فاعلية التفاعل مع غرس شعور عام لدى القارئ بأن البطل “ذاكر” مشوش فكريا بسبب دراسته للفلسفة فيقول: لم يكن ينقصه سوى هذا الموضوع الذي غاص معه في تحليل “بيكون” لما يسمى بـ”أوهام أهل الكهف” حيث لكل منا كهف يعيش فيه ، وينعزل فيه عن المجتمع، ربما عليه أن يقاوم الدخول في كهف هذا التفكير الهزلي، والدخول في أحلام الآخرين، هذا كهف لن يخرج منه أبدا[9]. ثم إن الراوي يلقي الضوء على فكرة التشويش لدى ذاكر، فيقول: كان ذاكر مشوشا بعض الشيء، فشعر أنه يعرف هبة أو أنه سبق أن رآها أو تحدث إليها[10]..
التشويش هنا ليس وصفا عابرا بل هو تداخل بين الحلم والواقع، فالراوي هنا يفضح وعي الشخصية، ويباغت القارئ بعدم الوثوق في الشخصية فهو يظن أنه سبق أن رأى هبة الحلواني، وهو لم يرها من قبل. نحن إزاء وصف كاشف للراوي غير الموثوق فيه، وللشخصية المشوشة.
ويقول أيضا: بدّل ذاكر ملابسه، ونزل من المنزل متجها ناحية كوبري الجامعة، وكانت هناك حركة جيدة على كورنيش المنيل؛ طلاب المدرسة الإعدادية التي تقع في محطة الباشا يلاحقون بعضهم البعض جريا، يتشابكون حينا، ويضحكون حينا، لقد تذكر عندما كان في هذه المدرسة ذات الفناء الفسيح وبها قصر صغير، كان لإحدى الشخصيات المهمة في تاريخ مصر، حتى صادرته الدولة، وحُول إلى مدرسة؛ فتهالكت مرافقه، ثم لم يعد يكفي للطلاب.فأقيم بناء حديث في الفناء، وأصبح القصر لمكاتب الإدارة، يا لها من أيام جميلة! خاصة عندما يخرج الطلاب؛ كي يلعبوا الكرة في شوارع المنيل الجانبية، ومناكفتهم مع السكان، لقد لعب الكرة أحيانا لكنه كان يبتعد عن العمارة التي يسكن فيها حتى لا يراه أحد السكان، ويشكوه إلى أبيه.[11]
التركيز هنا على أماكن محددة: كوبري الجامعة، مدرسة الباشا، كورنيش المنيل، القصر المصادَر .. هو انتقال إلى ذاكرة طفولية مشحونة بالحنين؛ فالمكان نفسه صار استعارة للوعي، كما أن وعي ذاكر نفسه بني فوق أنقاض قديمة.
الحنين هنا ليس مجرد استرجاع جميل يستلذ تذكره بقدر ما هو قلق، ومراقبة، وترقب، ورغبة أكيدة في الاختباء فالرجل قد يهرب من سلطة الأب في الصغر، ويهرب إلى كهف الأحلام في كبره أو زوايا الحُجًب. كما تمنى الشاعر الأندلسي قديما لسان الدين بن الخطيب:
يا خليل الروح هلا زرتنا في شروق الشمس أو في المغرب
أو فزرني في منامي علنا نلتقي لو في زوايا الحجب
ونحن نتناول رواية تيار الوعي”أحلام ذاكر” فإننا لا نغفل أنها خرجت من عباءة الرواية الواقعية التي اعتمدت بدورها على القدرية كرابط بين أجزائها، فالقدرية –كما يقول د. غنيمي هلال- قوة خفية تسير أعمال الشخصية وتصرفاتها، وتقودها إلى المصير المحتوم، فالشخصية وجدت لتنفذ قدرها الذي يشعر بها بغموض الحياة، وتقلبها المستمر، مما يستدعي تغيير ذاتها بما ينسجم مع تطور الأحداث، وعلى نحو تصبح معه فيما بعد غريبة عن نفسها، أي أنها أصبحت شخصية أخرى[12].
وزيادة على القدرية الغيبية هناك قدرية البيئة التي تفرض على الشخصية واقعا محددا يحد من طموحاتها وأحلامها؛ فالشخصية محكومة بالقدرية الغيبية والبيئية فتشعر بعجزها الذي يسهل وصولها إلى نهايتها المحتومة[13].
ومن هنا فقد اعتمدت قصص تيار الوعي على جلاء حالات نفسية خاصة، والإفضاء بآراء ذاتية تمس أعماق النفس التي يصعب على اللغة الإحاطة بها، فهذه الآراء تخص حقائق كثيرة تقوم على حدود ما بين الوعي واللاشعورواليقظة والنوم والعقل والجنون .. وما إلى ذلك من المشاعر العجيبة التي لا توصف إلا عن طريق الإيحاء بها وذلك بإثارة صور خيالية تثير المشاعر وتوحي بالحالات الغامضة الخبيئة في أعماق النفس[14].
تعتمد رواية أحلام ذاكر على عناصر الغموض والمراوغة والإثارة والتشويق لخلق حالة من الترقب والقلق المحمود لدى القارئ. كما أن المؤلف يستخدم تقنية التعمية أو تضليل القارئ أو تشتيت ذهنه لإحداث مفاجأة النهاية وكشف السر.فكان يسرب معلومات من شأنها المراوغة والمخاتلة، أو يخفي بعض الحقائق التي لا يعرفها أحد إلا هو، ولذا وظف عدة عناصر.
وأبرز هذه العناصر تتمثل في الحبكة المتصاعدة: تأمل نهاية كل فصل في الرواية ستجد أنه يستثير في القارئ فضول المعرفة لكشف الغموض، ففي نهاية كل فصل إشارة غامضة تضطرك إلى مواصلة القراءة والمتابعة، تأمل قوله في نهاية الفصل الثاني:
وخرجت شقيقة هبة، وما إن رآها ذاكر حتى كاد ي غشى عليه، وقال في نفسه: “هي، أقسم بالله هي، المرأة العجوز بعد أن أصبحت شابة[15]!”. كما يمكنك تأمل قوله في نهاية الفصل الرابع:
هبة، لديَ شعور جارف منذ الأمس أنني أعرف شقيقتك.
فغرت هبة فاها، وقالت:
– حقا؟ أمل أيضا، لديها الشعور نفسه.
أطرق ذاكر إلى الأرض، ولم ينتبه إلا لصوت هبة وهي تقول له:
– ما هذا؟ هل أصابك دوَار أستاذ ذاكر؟![16]
وهكذا يلتمس القارئ الحبكة المتصاعدة، والمفاجآت غير المتوقعة في نهاية كل فصل، بشكل يضمن تطور الصراع، وزيادة حدته؛ مما يشد القارئ لمعرفة الحل والتواصل والاستمرار في المتابعة بنهم وشغف مثيرين.
الصراع في الرواية يسير في خطين متوازيين أحيانا، متقاطعين أحيانا أخرى، أو قل هو صراع الداخل/الذات وصراع الخارج . وهذا الصراع المزدوج هو الذي يحافظ على التوتر، ويزيد ارتباط القارئ بالعمل الروائي برمته. فكلما انغمست الذات في الباطن كشفت عن وعي الشخصية، وإذا غاب الرجل السبعيني أو رجل القطار كما يحلو للراوي أن يسميه، اشتاق ذاكر بشدة إليه وتمنى رؤيته ليعالج بطاقته الكبيرة أصدقاءه المقربين، فيقول الرواي:
“لأول مرة، يشعر ذاكر أنه يريد أن يلتقي برجل القطار. لأول مرة يشعر أن هبته قيمة جدا. لأول مرة يسير متفحصا كل ما حوله علَه يراه، ربما يشعربه ويشفق عليه، وعلى محمد، يا رجل القطار الطيب أين أنت؟![17]”
تكرار عبارة لأول مرة ثلاث مرات في مسافة سردية صغيرة مؤشر على لحظة ولادة وعي جديد، واعتراف من الراوي على لسان ذاكر بأنه اعتراف بشدة الحاجة إلى الهبة التي يود ذاكر أن تحضر لمعالجة صديقه محمد. كما أن هذه الهبة تتشكل بحسب حاجته النفسية، فمرة يتمناها لصديقه وأخرى لوالده، وهكذا.
من المفترض أن ذاكر هو من يشفق على الآخرين ويرفع ألمهم.
لكن هنا هو من ينتظر الشفقة. هذا انعكاس عكسي لدوره. وهذا النوع من الانقلاب يعزز فكرة الصراع بين الخارج والداخل، الظاهر والباطن.
ويمكننا أن نتوسع أكثر في فكرة الصراع، وأنه لم يكن يشمل كل أحداث الرواية، بل هناك عدة أنواع أخرى تمثل صراعا خفيا، يظهر أحيانا بقوة على السطح. كالصراع الناشئ بين العاطفة والجسد، فهناك أختان: هبة وأمل الحلواني، كلتاهما تحب ذاكرا، اعترفت هبة بذلك، وأمل كانت أكثر جرأة من أختها، فقامت بمداعبة ذاكر، وتجرأت عليه وطلبت مقابلته وحدها، وجلسا معا في المقهى، وأحبها ذاكر حبا شديدا، وأصبح لا يرى غيرها من النساء، لكنها تموت بعد أن تنجب له عماد، ثم يتزوج ذاكر من أختها هبة، وتعيش معه باقي عمرها حتى النهاية.
ونجد مثل هذا الصراع بين العاطفة والواجب أيضا بين أمل ومراد بهجت زميل العمل في البنك، الذي بدت منه عبارات الغزل بهبة بعد أن تزوجت من ذاكر، فوقفت له بالمرصاد، وكفته عن فعلته، حتى فصل بينهما المدير العام، وحضر ذاكر بنفسه التحقيق، فلولا انجذاب أمل ووقوفها مع الواجب لانهار بناء البيت.
وهناك صراع من نوع آخر يتمثل في صراع الأبناء والأباء، وهو صراع ملحوظ بقوة في الرواية، ظهر منذ كان ذاكر يتذكر خروجه من المدرسة وهو صغير ويمارس اللعب ويخشى بطش الأب. واستمر هذا الصراع بين ذاكر نفسه وابنه عماد الذي مالت الأسرة إلى تدليله فانخرط في داء الإدمان، ووقف معه ذاكر حتى تخلص من الداء اللعين.
وثمة صراع آخر ملحوظ بين العلم والدين، تعرض ذاكر وهو على علاقة طيبة مع وكيل المدرسة الصوفي راشد المهدي صاحب المؤلفات العلمية في الصوفية، لكنه ثيت على يقينه ولم ينجرف للتيار الصوفي، بينما نرى صديقه الصحفي محمد المغربي ينجرف بكيانه كله وينخرط في الصوفية حتى يصبح قطبا من أقطابها.
وتتميز رواية أحلام ذاكر بافتقارها إلى البنية السرديّة التقليديّة وتركيزها على الأفكار والتجارب الداخلية للشخصية سواء كان ذاكر/ أو هبة الحلواني، فهي غالبًا ما تستخدم تقنيات مثل المونولوج الداخلي والخطاب الحر غير المباشر والسرد المجزأ لنقل وعي الشخصيّة.
ترتكز تقنية رواية أحلام ذاكر على جملة من الخصائص التي تميزها عن غيرها من التقنيات من بينها:
التركيز على الاستبطان والتأمل الذاتي؛ إذ تعد هذه الخاصية من الخصائص الرئيسية لروايات تيار الوعي، والتي يتعمق من خلالها المؤلف في التفاعلات النفسيّة لشخصياته، ويستكشف أعمق أفكارهم ورغباتهم ومخاوفهم وذكرياتهم، خذ مثلا ذاكر بشخصيته العلمية الدقيقة تحبه امرأتان من أفضل بنات المعادي، شخصية منضبطة في العمل، محب لوالديه، لا ينجرف لأي تيار يحاول أن يستقطبه. وهو بطل رئيس في الرواية التي كشفت عن وعيه الداخلي والخارجي وظهر ذلك في سلوكه القويم. شخصية أخرى كأمل تميزت بجرأتها وإعلان عاطفتها لذاكر، وظهر في سلوكها أنها امرأة تحب زوجها وبيتها، وفية ومخلصة للعلاقة المقدسة. محمد المغربي صحفي يعمل في القاهرة، شخصية متزنة، منضبطة، لكنه سريع الانفعال والتأثر العاطفي، أحب هبة وطلبها من صديقه، رفضته فانهار نفسيا وجنح إلى التيار الصوفي الذي تعمق فيه حتى صار أحد أقطابه. أما هبة فهي امرأة صموت تكتم عاطفتها في نفسها، وتحب ذاكرا لكنها لم تبح له، وحافظت على علاقتها بأختها، ولم تغدر أو تخون، بل نالت ذاكرا وتزوجته بعد وفاة أختها، وقامت على تربية عماد بمحبة وفناء، وهي شخصية مختلفة تماما عن أختها أمل. كل هذه الشخصيات مرت بظروف قاهرة لكنها تماسكت حتى النهاية، ولجأت هبة إلى العلاج النفسي لتتخلص من أوهامها، وتحاول أن تجذب قلب ذاكر الذي أخلص في محبته لأمل.
غالبًا ما يكون في رواية أحلام ذاكر بنية مجزأة وترابطية، فبدلاً من اتباع تسلسل خطي وتسلسل زمني بداية ووسط ونهاية، يقفز السرد من فكرة إلى أخرى، مما يعكس الطبيعة غير الخطية لعمليات التفكير البشري، حيث يمكن للأفكار والذكريات أن تنشأ بشكل عفوي وبدون نظام واضح. وتتضمن الرواية أيضًا تحولات مفاجئة في الزمان والمكان والمنظور، مما يزيد من تعزيز الشعور بالارتباك والانغماس في وعي الشخصية.فمثلا شخصية محمد المغربي التي تحولت فجأة من رجل بسيط يعمل بالصحافة إلى قطب من أقطاب الصوفية، وكذلك شخصية أمل التي وقعت في محبة ذاكر بمجرد رؤيته لأول مرة، ثم تتزوجه وتنجب منه ثم تموت في ريعان شبابها. تطورات وتحولات مفاجئة تدرك الشخصية لتوكيد هذا التطور الملحوظ.
ومن الخصائص الأخرى استخدام الديالوج والمونولوج الداخلي.
إذ يصور الديالوج المحادثات الداخلية للشخصيّة مع نفسها، حيث تتفاعل الأفكار والأصوات المختلفة وتتناقش داخل ذهنه، ومن ناحية أخرى، يتضمن المونولوج الداخلي مخاطبة الشخصية المباشرة للقارئ، والكشف عن أفكارها وعواطفها وتأملاتها، وهذا ما يوفر لمحة عن العالم الداخلي للشخصيّة، وطبيعة صراعاتها الداخليّة وشكوكها وتحليلها الذاتي.تأمل هذا الحوار بين أمل وذاكر:
– أعتقد أننا يجب أن نفهم ما يدور حولنا، بشكل ما، نحن مرتبطان، لا تسأليني عن نوعية الرابط الذي يجمعنا، ولكنه شيء ملموس لا يمكن إنكاره.
قالت أمل:
– لا أعرف ماذا أقول لك، يا ذاكر. أنا أشعر بالضعف أمامك على
الرغم من أنني أتمتع بشخصية قوية. هناك شيء ما لا طاقة لي به
يصيبني بالضعف أمامك، لم أكن أبدا هذا الشخص الضعيف، منذ
أن رأيتك في حلمي، ومن بعدها في المدرسة، أدركت أن لديك قوة
طاغية، صدقني لقد حاولت أن أقاوم هذا الشعور، ولكنه يهزمني كل مرة.
– أمل، أعتقد أننا يجب أن نتزوج.
– نتزوج!
نلاحظ جملة “نحن مرتبطان… لا تسأليني عن نوعية الرابط… ولكنه شيء ملموس” هذه جملة خطيرة سرديًا، لأنها تقوم على:تأكيد وجود رابط، مع رفض تفسيره. هذه الصيغة اللغوية نموذجية لخطاب الإيحاء،أو السلطة النفسية، وهي تعيدنا ضمنيًا إلى فكرة “كهف الإدراك” عند بيكون: الذات ترى ما تريد أن تراه، ثم تعلنه حقيقة.
.ونلاحظ أيضا وهي ملاحظة دقيقة للغاية فكرة الراوي غير الموثوق فيه، الفقرة السابقة تعلن وتؤكد على المشاعر والأحاسيس وليس البرهان والدليل. فالرواية أحلام ذاكر برمتها تركزعلى التقاط التجارب والتصورات الحسية للشخصيَّة وليس على البرهان والدليل الحتمي، فكلها تدور في فلك الأحاسيس والمشاعر.
إذ غالبًا ما يتضمن السرد أوصافًا حية للمشاهد والأصوات والروائح والأذواق والأحاسيس اللمسية، مما يغمر القارئ في العالم الحسي للشخصية، كما تساعد هذه التفاصيل الحسية والواقعية دفع المتلقي للشعور كما لو أنه يختبر العالم بشكل مباشر من خلال حواس الشخصية، ومن ثم تسهم في خلق الإحساس القوي بالواقعية والفورية في رواية القصص.
ومن الجوانب الأساسية لرواية أحلام ذاكر الانثيالات الذاتية والداخلية. إذ تتيح هذه التقنية للمؤلف استكشاف الطبيعة الذاتية للتجربة الإنسانية، وتسليط الضوء على وجهات النظر المختلفة لكل شخصية، ومن خلال الخوض في الأفكار والعواطف الداخلية للشخصية، تستطيع أن تستدل على ذلك من خلال الفصل الأخير، حيث تعترف الشخصية وتبوح بكل التفاصيل. هذا التركيز على الذاتية يتحدى فكرة الواقع الموضوعي ويدعو القراء إلى التشكيك في تصوراتهم وفهمهم للعالم.
غالبًا ما تسعى الرواية إلى تصوير تعقيدات علم النفس البشريّ وتعقيدات العقل البشريّ من خلال الخوض في أفكار الشخصية وعواطفها وذكرياتها، وقد سبق أن نوهنا إلى أثر الفلسفة وفكرة كهف بيكون، مما يسمح للمتلقي بالتواصل مع الشخصيات على مستوى أعمق يمكنه من اكتشاف طبيعة التجارب والعواطف الإنسانية .
…………………………….
[1] روبرت همفري، تيار الوعي في الرواية الحديثة، ت: د. محمود الربيعي، ط2، القاهرة، 1975م، ص 8.
[2] صلاح فضل، نظرية البنائية في النقد الأدبي، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 1980م، ص 434.
[3] أحلام ذاكر، طارق الزيات، أوراق للنشر والتوزيع، القاهرة، 2023م، ص11.
[4] ديفيد لودج، الفن الروائي، ت: ماهر البطوطي، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2020م، ص50
[5] محبة الحاج معتوق، أثر الرواية الغربية في الرواية العربية، دار الفكر اللبناني، ط1، بيروت، 1994م، ص9.
[6] محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي الحديث، دار الثقافة، دار العودة، بيروت، لبنان، 1973م، ص 521.
[7] أحلام ذاكر، ص 41.
[8] معتوق، ص 22.
[9] أحلام ذاكر، طارق الزيات، ص 22
[10] أحلام ذاكر، ص 26.
[11] أحلام ذاكر ص 32.
[12] غنيمي هلال، ص 575.
[13] معتوق، ص 27.
[14] غنيمي هلال، ص 523.
[15] أحلام ذاكر ص 28.
[16] أحلام ذاكر ص 40.
[17] أحلام ذاكر ص 78.
















