«قلمٌ جافٌّ» لصلاح الدين زربوح: حفْر ٌ في الأثرِ وتفكيكٌ لهندسة المعنى

عثمان بن شقرون

تطرح المجموعة القصصية الصادرة حديثًا «قلم جاف» للقاص المغربي صلاح الدين زربوح (دار القلم، 2026)، والتي تضم اثنتي عشرة قصة قصيرة، إشكاليات جمالية وإبستمولوجية تتجاوز حدود السرد التقليدي، لتتموقع كأثر وجودي يتشكل في المسافة الفاصلة بين نزيف الذات وجفاف الواقع. إن القراءة التي نقترحها في هذا المقال تعتمد “منهجية الحفر”؛ وهي منهجية لا تكتفي بـ «المطرقة النيتشوية» التي استدعاها الكاتب في تصديره، بل تستعين بها كشرارة انطلاق لتشغيل «مطرقات أخرى» تارةً تفكك البنيات السلطوية، وتارةً تستنطق سيميائية الصمت، سعياً لتفكيك هندسة المعنى بعيداً عن الانطباعية العابرة، وانطلاقاً من وعي نقدي يرى في الكلمة مختبراً لاختبار الحقائق الوجودية.

عتبات الغواية: من ميثاق الفضيلة إلى مطرقة نيتشه

 يبدأ الإغواء البصري في المجموعة من الغلاف؛ حيث اليد التي تمسك قلماً يقطر حبراً، في إشارة إلى أن الكتابة هنا هي نزيف المعنى الذي يرفض الجفاف. وقبل الغوص في المتن، تستوقفنا عتبة “الإهداء” المكتوب بروح الوفاء للصديق الراحل مصطفى أقبيب، واصفاً إياه بـ «الرجل المعروف بالفضيلة»؛ وهي صفة تعيدنا إلى أفق الفضيلة بمعناها الفلسفي والإشراقي، وكأن الكاتب يفتتح عمله بميثاق أخلاقي يربط السرد بالقيم الوجودية العليا.

ولعل ما يمنح هذه القراءة شرعيتها المنهجية هو ذلك المفتاح النيتشوي الذي اختاره الكاتب ليتصدر مجموعته؛ حيث يستدعي فريدريك نيتشه من كتابه “أفول الأصنام” ليقول لنا: “يجب أن نوجه إليها أسئلتنا كما لو كنا نحمل مطرقة، لنستمع إلى صوتها: هل هي صلبة وراسخة، أم مجوفة فارغة؟”. لقد وضع صلاح الدين زربوح هذا الاقتباس كإعلان حرب على اليقين، وكدعوة صريحة لاستخدام “المطرقة” في قراءة الواقع. ومن هنا، فإننا سنحمل هذه المطرقة ذاتها لنطرق بها جدران نصوصه؛ لا لكسرها، بل لنصغي إلى رنينها الفلسفي، باحثين في ثناياها عن تلك الفراغات التي يحاول “الموجه القرائي” في الختام ردمها. إن مطرقة نيتشه هنا هي التي تبرر لنا لماذا تتحول الكلمة إلى أداة لاختبار الحقائق بعيداً عن المجاملات النصية.

اللامقدمة: حين تتنكر الفلسفة في هيئة حكاية

وبينما نحاول قراءة الفهرس وفك لغزه، نجد أنفسنا أمام عتبة غريبة سماها الكاتب «تشبه المقدمة وليست مقدمة». وفي هذه المساحة البرزخية، يعترف صلاح الدين زربوح اعترافاً يسهّل علينا مأمورية الحفر المنهجي؛ فهو يقر بأن الفلسفة “تسربت” إلى نصوصه دون استئذان، محولةً القصص من مجرد حكايات إلى “حساسية تجاه الحقيقة، وريبة نبيلة تجاه كل ادعاء مكتمل”. والمثير للدهشة في هذه اللامقدمة، هو ذلك التلاحم الوجداني بين الفلسفة والفضيلة. فالكاتب لا يقدم لنا دروساً نظرية، بل يستحضر طيف الراحل مصطفى أقبيب، ليخبرنا أن الإهداء ليس عتبة خارجية، بل هو نص يسري في ثنايا كل قصة. إن استحضار أقبيب بوصفه «الرجل المعروف بالفضيلة»— وهي العبارة المستعارة من نص لابن الهيثم في المعرفة العلمية— يحول الفضيلة من مفهوم مجرد إلى “طريقة في الحضور بين الناس”. هنا، يصبح الإهداء لغماً عاطفياً وفلسفياً في آن واحد؛ فكل حكاية في المجموعة هي “مدينة لأثر ما، لوجه ما، ليدٍ امتدت في وقتها المناسب”. ومن هنا، نفهم لماذا يصر صلاح الدين على أن ما بين أيدينا هو “سؤال مفتوح على أسئلة”، وليس أجوبة جاهزة، مما يعزز ريبتنا النقدية تجاه تلك “الخاتمة” التي ستحاول لاحقاً إغلاق ما أرادت هذه المقدمة إبقاءه مفتوحاً.

هندسة الفهرسة: أنطولوجيا المحاور الثلاثة

 تعكس الفهرسة في «قلم جاف» هندسة داخلية محكمة؛ فقراءة العناوين الاثني عشر ليست مجرد جرد للمحتويات، إنما هي استنطاق لوحدة دلالية كبرى. فما بدا للوهلة الأولى وكأنه “شتات” هو في الواقع ثلاثة محاور مفصلية تلتقي جميعها عند “الموجه القرائي” في الختام:

1.     محور الواقع الضيق (يوميات الحصار)

يبرز أولاً محور «يوميات الحصار»؛ من النص «قلم جاف» و«ماذا لو..» وصولاً إلى «حكومة» و«شقة الحرية». وهنا يمثل نص «قلم جاف» المفتاح الإبستمولوجي للمجموعة، حيث تتجسد فيه مأساة الكلمة عبر شخصية “بوشعيب”، أستاذ التاريخ المأزوم بين الوعي النظري والعجز عن “التدفق”. في هذا النص، يتحول القلم الجاف من جماد إلى كائن يئن تحت وطأة الاختناق، واضعاً إيانا أمام صراع بين حبر جاهز للفعل وواقع يمنعه من الخروج. بوشعيب، الذي يدرّس “الثورة” وإعدام لويس السادس عشر، يعيش مقصلته الشخصية أمام الورقة البيضاء؛ فالحرية لديه كلمة “لم تُكتب بعد”، مما يحول فعل الكتابة إلى عملية مخاض مؤلمة لا تكتمل إلا بقطرات دماء (حبر) تصرخ بكلمة “حرية” في مشهد يوثق لحظات الاختناق داخل الأمكنة الضيقة.

وفي امتدادٍ لهذا الحصار الذي لا يكتفي بخنق “الكلمة” بل يمتد ليحاصر “الفعل”، تأتي قصة «ماذا لو..» لتقدم تشريحاً لآليات الفساد الصامت داخل البنيات الاجتماعية المغلقة؛ حيث لا يبرز الظلم كفعلٍ فجّ، بل كـ “تواطؤ جماعي” يُشرعن تحت مسمى “قواعد اللعبة”. إن شخصية “البشير” في هذا النص ليست سوى تمثيلٍ حيّ لـ “المطرقة النيتشوية” التي اصطدمت بجدار اليقين الجمعي، لتكتشف أن الأصنام ليست دائماً أفكاراً مجردة، بل هي شبكة من الامتيازات والمصالح التي يحرسها الجميع بصمتهم. ومن هنا، تكتسب عتبة “ماذا لو” دلالتها العميقة؛ فهي ليست مجرد أداة للتمني، بل هي “مبضع” جراحي يعري هشاشة الذات أمام إغراءات “التلون” و”الاندماج”. فإذا كان بوشعيب قد عانى من جفاف الحبر أمام هول الكلمة، فإن البشير هنا يعاني من “سيولة الأخلاق” في مجتمعٍ يرى في النزاهة “شغباً” يربك توازنه الهش. وبذلك، ينجح صلاح الدين في تحويل الحكاية من سردٍ لوقائع بلدة جبلية، إلى مختبرٍ وجودي يسائلنا جميعاً: هل نملك الجرأة لنكون “غير ما كنا عليه”، أم أننا سنكتفي بالهمس خلف الأبواب الموصدة لئلا يسمعنا الجدار؟

2.     محور الهروب الرمزي (الأقنعة الأسطورية)

 ينتقل بنا الفهرس إلى محور «الأقنعة الأسطورية» عبر عناوين كـ «أتباع باخوس» و«أسطورة بنكو». وفي قصة «أتباع باخوس»، نجد أنفسنا أمام فعل ارتحالٍ حاشد تقوده شخصية «أدانيس»؛ ذلك القائد الذي يجر خطاه بوقارٍ ممسرح، محولاً باخوس من إلهٍ للمتعة إلى «فكرةٍ وظيفية» وشعارٍ مخدّر يسُوق به قطيعاً يبحث عن “خلاصٍ متوهم”. إن الحدث هنا لا يتوقف عند حدود المسير، بل يتفجر في طقوس “الليلة الكبرى”، حيث تتصاعد حركة الأجساد الراقصة لتصل إلى ذروة التلاشي، في تجسيدٍ صارخ لما نسميه بـ “السكر الأيديولوجي”؛ ذلك المخدر الذي يجعل الأتباع يظنون أنهم يمارسون حريتهم بينما هم يغرقون في استلابٍ جديد.

ومع حلول الفجر، يحدث “الكسر الصادم”؛ إذ تسقط الأقنعة وتظهر الوجوه شاحبةً وسط حطام الكؤوس المهرقة، ليعلن النص عن لحظة الاصطدام بالواقع وانكشاف زيف الوعود الجماعية. إن “باخوس” هنا لم يكن إلا “الفخ” الذي نصبه أدانيس لصناعة التبعية، مما يجعل من فعل “رحيل أريادني” في الختام هو الحدث الإبستمولوجي الأهم؛ إنه قرار الانشقاق عن القافلة والارتقاء نحو القمم وحيدةً، حيث “الوضوح الجارح” والكرامة الفردية، بعيداً عن ضجيج المنظومات الحشدية التي تبيع الأوهام في قوارير النشوة. وبذلك، تظل هذه القصة صرخةً نيتشوية ضد كل من يحاول استبدال عقل الفرد بجنون القطيع.

3 . محور القلق الوجودي (اللاهوت السردي): ثلاثية انتحار المعنى

نصل الآن إلى المحور الثالث، الأكثر جسارة وخطورة؛ حيث يرتفع سقف المساءلة من نقد «السلطة الأرضية» و«القطيع الأيديولوجي» إلى مواجهة «المطلق» في تجلياته الأكثر تعقيداً. ففي هذا المسار، لا يكتفي صلاح الدين زربوح بتقديم حكايات عابرة، بل يشيد «ثلاثية سيميوطيقية»  تشمل قصص (إله الخير المطلق، والإله المفترس، وموت الإله)؛ وهي ثلاثية تشرح دورة حياة الوهم وكيف ينتهي حتماً إلى «انتحار المعنى».

تبدأ الحركة السردية من طمأنينة “اليقين الأول” لتنتهي بـ “قلق المصير” في قصة «إله الخير المطلق». نكتشف هنا أن صناعة “المقدس” تبدأ من “لوح خشبي” مهمل لمتسول يتحول بقرار مركزي إلى دُرَّة أثرية في متحف القصر. يتربع «بنكو» على عرش “اللطف الباكي”، وهو إله يبتز المحكومين بدموعه التي تسيل في الأزقة، بينما تحمي عجزَه بيروقراطيةٌ مقدسة يمثلها «خافيو» (إله المراسلات الذي يحرس نقاط ضعف المركز) ويدٌ حديدية يمثلها «رَميدو» (إله السجن تحت الأرض). يمارس الكاتب هنا “شغبه الفلسفي” حين يجعل هذا “الخير المطلق” مشروطاً باعتراف البشر؛ فحين انسحب “رئيس فريق العمل” البشري إلى الصمت، انهار النظام “السار” وعمّ الكدر، مما يثبت أن السلطة تحتاج لتصفيق المحكومين لتستمد ألوهيتها.

إن الحركة في هذا المحور ليست خطية، بل هي حركة انحدارية صادمة؛ إذ نصطدم في قصة «الإله المفترس» بتغول هذه السلطة التي لا تكتفي بالولاء، بل تبتلع حتى أنصاف الآلهة المتمردين مثل «هينيو»، الذي تحول إلى “شيء” يهمس بالألم بعد أن تجرأ على الكلام باسم البشر أمام مجمع الآلهة. هنا يكتمل الحصار ويتحول جبل “التوّق” إلى مسرح للخيبة والغيوم السوداء، حيث لا يُسمح للمتمرد حتى بالموت الكامل، بل يُشق جسده لنصفين (نصف ميت ونصف حي) ليظل مجبراً على الصلاة لجلاده، في تجسيد تراجيدي لغياب الخلاص.

وتأتي الفاجعة الكبرى في قصة «موت الإله»، وهو موت نيتشوي بامتياز؛ ليس موتاً فيزيائياً بل هو “انتحار المعنى” وتلاشي اليقين الذي كان يسند ظهر الشخصيات. يكتشف البشر في النهاية أن “بنكو” لم يكن سوى “وعاء فارغ” صبوا فيه مخاوفهم، وأن غيابه الصامت لم يزلزل الأرض كما ادعت الحكايات القديمة، بل تركهم وجهاً لوجه أمام “صدمة المسؤولية” وقلق الحرية المرعب. البطل الذي كان يخشى “المصير الذي نخافه جميعاً” يكتشف أن المصير ليس قدراً يُراجع، بل هو نتيجة لغياب “المركز” الذي كان يمنح الوجود معناه. وبذلك، يكتمل المثلث الإبستمولوجي لصلاح الدين زربوح: فالحصار خنَق الكلمة، والأسطورة خدعت القطيع، واللاهوت ترك الإنسان وحيداً في مواجهة الصمت.

وفي ختام هذه الثلاثية، يمارس زربوح “تنصلاً استراتيجياً” عبر تدخل “ميتاسردي” ملغوم، معلناً أن آلهته ليست سوى شظايا من “خياله المريض”. هذا التدخل ليس مجرد توضيح قانوني أو اعتذار، بل هو تكتيك سيميائي بامتياز؛ فالمفارقة الساخرة هنا تكمن في وصف الخيال بـ “المريض”، وهو المرض الذي يمثل القدرة على رؤية العفن خلف أقنعة القداسة. قوله إن أي تشابه هو “من باب الصدفة” هو إحالة مباشرة نحو الواقع السوسيو-سياسي. وباستخدامه صيغة إدارية جافة (“وبه وجب الإعلام والسلام”)، يسخر الكاتب من لغة “الأوامر” ذاتها، واضعاً القارئ أمام المساءلة المريرة: إذا كانت الأصنام قد هُدمت بكلمة من “خيال مريض”، فمن الذي يدير قلقنا الوجودي في هذا الواقع؟

الموجه القرائي: الفخ التأويلي الأخير

 إن هذه الفهرسة تثبت أن المجموعة بناء دائري يبدأ بـ “أداة” (القلم) وينتهي بـ “تلاشي اليقين” (الموت)، ليعيدنا قسرياً إلى نص تحت عنوان «أخيراً…». وهنا يثور الفضول الذي يدفعنا للريبة: هل وضعُ هذا “الموجه القرائي” في ختام المجموعة هو فعلُ كرمٍ إرشادي من الكاتب تجاه قارئه، أم هو في حقيقته “فخٌ نقدي” نُصب بعناية ليصادر علينا حقنا في التأويل الحر؟ إن لجوء الكاتب إلى تفسير عمله بنفسه في صفحة “أخيراً…” قد يوحي بنوع من الخوف من “انفلات المعنى”، وكأن القلم الذي أراده “جافاً” في العنوان، قد خشي في النهاية من سيولة القراءات وتعددها، فقرر أن يضع لنا “قضبانًا” تأويلية يسجن فيها حكاياته قبل أن يطلق سراحها بين أيدينا.

لكن، ونحن نمضي في تفكيك هذه الهندسة السردية، لا بد أن نعترف بأننا نتحرك في حقل فلسفي ملغوم بامتياز. فصلاح الدين زربوح لا يكتب هنا بصفته قاصاً يطارد الحبكة، بل بصفته مشتغلاً بالفلسفة يعرف جيداً كيف يزرع صواعق المفاهيم وفخاخ التأويل تحت جلد الكلمات. إننا أمام نصوص “ابستمولوجية” بامتياز، حيث تتحول الحكاية من “حدث” إلى “مختبر” لمساءلة الوجود، والسلطة، والمقدس. هنا، يصبح “القلم الجاف” مبضعاً جراحياً، وتتحول الشخصيات إلى “تمثلات سردية” لمفاهيم نيتشوية أو فوكوية خفية. إن خطورة هذه المجموعة تكمن في أن “الألغام” التي نثرها الكاتب في ثنايا نصوصه ليست زينةً نظرية ، بل هي فخاخ نُصبت لاستفزاز يقين القارئ وهزّ قناعاته المستقرة، قبل أن تسحبنا إلى ذلك الفخ التأويلي الأخير الذي نصبه لنا في النص الذي عنونه ب “أخيراً…”.

خاتمة: صرخة القلم الجاف في وجه “السيولة”

 ختاماً، إن «قلم جاف» ليست مجرد مجموعة قصصية تُقرأ لتُزجي الوقت، بل هي «ممانعة سردية» ضد جفاف الوعي وسيولة الأخلاق. لقد نجح صلاح الدين زربوح في تحويل القلم من أداة للتدوين إلى أداة للحفر، ليؤكد لنا أن الكتابة الحقيقية هي التي تترك أثراً في الوعي لا ينتهي بانتهاء الصفحة. وبينما نغلق هذا الكتاب، ندرك أن “الجفاف” الذي قصده الكاتب لم يكن عجزاً في المداد، بل كان دعوةً لنا لنبلل عقولنا بالأسئلة والقلق الجميل. لقد أثبت صلاح الدين في هذا العمل أن الفلسفة حين تتنكر في زي الحكاية، تصبح أكثر قدرة على مواجهة الواقع وتفكيك أصنامه. إنه “شغب” نبيل يعيد الاعتبار للكلمة في زمن التسطيح والسيولة الثقافية.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع