ثلاثون مقهي ريش!

maisoon sakr

عبد السلام فاروق

 ثلاثون عامًا وأنا أمر بجواره. نعم، ثلاثون عامًا من التردد على وسط القاهرة، منذ أن كنت طالبًا في الجامعة حتى الآن، وأنا أمر بجوار مقهى ريش. في البداية كان أمرًا عاديًا، مجرد مقهى قديم في شارع طلعت حرب، ثم صار شيئًا آخر، صار علامة، صار موعدًا مع الذاكرة، صار ذلك الكيان المتحفي الذي تمر بجواره كل أسبوع ولا تدخله أبدًا.

في كل مرة أجد لنفسي عذرًا. أمر بجواره ذاهبًا إلى أتيليه القاهرة حيث المعارض الفنية، أو قاصدًا مكتبة مدبولي لأتصفح جديد الكتب، أمر بجواره وأنا في طريقي إلى جروبي حيث كيكة الشوكولاتة التي لا تشبهها كيكة، أو لأحتسي فنجان قهوة في قهوة البستان حيث الجلسات المكشوفة وحركة الشارع. أمر بجواره في كل الاتجاهات، في كل الأوقات، ولا أدخل. ليس خوفًا، بل شيء يشبه التهيب. شيء يشبه الإحساس بأن هذا المكان أكبر من زبون عادي مثلي.

والآن أمسك بالكتاب الضخم الذي أصدرته الشاعرة ميسون صقر القاسمي عن هذا المقهى العريق، فأجد أن تهيبي كان في محله. هذا الكتاب هو شهادة ميلاد جديدة لمقهى ظل لعقود يختزل في أركانه تاريخ مصر الثقافي والاجتماعي. إنه جهد بحثي رصين يمزج بين دقة المؤرخ وعشق المحب، يضم عشرات الصور والوثائق النادرة التي تروي حكاية مكان كان على مدى قرن كامل مسرحًا للأحداث الكبرى.

المقهى الذي أسسه النمساوي هنري ريش عام 1908 كان منذ نشأته مشروعًا حداثيًا بامتياز. ذلك المهاجر الذي جاء إلى القاهرة بحثًا عن ثروة لم يجدها في أوروبا، استطاع بعين الغريب أن يرى ما لا يراه السكان الأصليون. رأى أن القاهرة تفتقر إلى مكان يجمع بين الأصالة والحداثة، بين الشرق والغرب. وهكذا ولد مقهى ريش، بهندسته الأوروبية وروحه المصرية، بقهوته التركية وكرواسونه الفرنسي، بشيشته المصرية وصحفه الأوروبية.

كان المقهى في بدايته مكانًا للأجانب والتجار وأصحاب المصالح الأوروبية، ثم بدأ يتغير شيئًا فشيئًا. في الأربعينيات صار مقصدًا للسياسيين والمفكرين، وفي الخمسينيات شهد تحولًا جذريًا عندما بدأ الأدباء والفنانون يتخذونه مكانًا للتجمع. لكن التحول الأهم حدث عندما صار الأديب العالمي نجيب محفوظ أحد رواده الدائمين. هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

صحيح أن محفوظ جلس في مقاه كثيرة، من الفيشاوي إلى قصر النيل، لكن لمقهى ريش نكهته الخاصة في هذه العلاقة. كان يجلس في ركنه المفضل، يلتقي بأصدقائه “الحرافيش”، المجموعة الفريدة من المثقفين والأدباء الذين شكلوا ظاهرة خاصة في الثقافة المصرية. والحرفوش في معجم محفوظ ليس مجرد زبون عادي، بل هو نموذج إنساني خاص، يعيش على هامش الحياة لكنه يحمل في داخله عالماً كاملاً من الحكمة والبساطة والصدق.

هذه التوليفة العجيبة بين أديب نوبل ومقهى ريش والحرافيش خلقت معادلة ثقافية فريدة. فالحرافيش الذين كانوا يجلسون مع محفوظ أو حوله كانوا جزءًا من تكوينه الإبداعي. كان يستلهم منهم حكاياته، يراقبهم، يصغي لحديثهم الهامس، يلتقط من ملامحهم وتجاعيد وجوههم ما يغذي به شخصيات رواياته. وهكذا صار المقهى ورشة إبداع مفتوحة، ومختبرًا اجتماعيًا حيًا.

ما فعله نجيب محفوظ بمقهى ريش يشبه ما فعله بمقاه كثيرة في رواياته. لقد حولها إلى فضاءات إنسانية شاسعة، إلى عوالم صغيرة تعكس العالم الكبير. ولكن ريش كان مختلفًا لأنه المقهى الحقيقي الذي عاش فيه محفوظ وشخوصه في آن معًا. كان المكان الذي تخرج فيه الشخصيات من الرواية إلى الرصيف، أو تدخل من الرصيف إلى الرواية دون أن يلاحظ أحد الحدود بين الواقع والخيال.

الكتاب الذي بين يدي الآن يوثق لهذه العلاقة الخاصة بالصور والوثائق. نرى محفوظ جالسًا في ركنه المفضل، نراه مبتسمًا لأحد أصدقائه، نراه غارقًا في تأمل بعيد. وهذه الصور توثيق لتاريخ كامل كانت فيه المقاهي منابر ثقافية وصالونات أدبية مفتوحة للجميع.

ولعل ما يضفي على الكتاب قيمته الخاصة هو كونه عملاً نسائيًا بامتياز. فالكاتبة الشيخة ميسون صقر القاسمي لم تنظر إلى المقهى من زاويته الذكورية الصارخة، بل استطاعت بعين الأنثى النافذة أن ترصد تفاصيل دقيقة كانت ستغفل عنها عيون كثيرة. أن ترصد امرأة تاريخ مقهى كان لخمسين عامًا معقلاً للرجال وحدهم تقريبًا، فهذا يعني أنها تقدم قراءة مغايرة، قراءة من الخارج تحاول أن تفهم وتؤرخ بموضوعية وإنصاف.

وهناك في الكتاب وثائق مهمة تكشف كيف كان ريش مسرحًا لأحداث سياسية كبرى أيضًا. ففي مقهاه جلس الضباط الأحرار قبل الثورة، وفيه خطط الوطنيون لتحرير البلاد، وفيه احتفى المثقفون بنكسة 67 ثم نصر 73. المقهى الذي بدأ مشروعًا تجاريًا لأوروبي مغامر صار جزءًا من النسيج الوطني المصري، وصار وثيقة حية على مراحل التحول الكبرى التي مرت بها مصر في قرن كامل.

واللافت أن الكاتبة استطاعت أن تقدم كل هذا التاريخ بأسلوب موضوعي ومنهجي دون أن تفقد الدفء الإنساني. فالكتاب يحتفظ بروح المقهى، بتفاصيله الصغيرة، برائحة القهوة فيه، بثرثرة رواده، بصوت الكراسي وهي تتحرك على الأرض الرخامية. إنه كتاب يمكن أن تقرأه كبحث أكاديمي، ويمكن أن تتصفحه كألبوم للذكريات، ويمكن أن تعيش معه كرواية طويلة.

يبقى أن نقول إن قيمة مقهى ريش لا تكمن فقط في ماضيه المجيد، لكن في قدرته على الاستمرار والتجدد. فالمقهى الذي استقبل نجيب محفوظ قبل سبعين عامًا لا يزال يستقبل اليوم مثقفين جددًا، وشبابًا يكتبون على أجهزتهم اللوحية، وفتيات يقرأن كتبًا حديثة. صحيح أن “الحرافيش” تغيروا، وصحيح أن شكل الجلسات اختلف، لكن الروح باقية. روح المكان التي تجعل من فنجان القهوة أكثر من مجرد مشروب.

وربما يكون هذا الكتاب، مع تجربتي الشخصية في المرور المتكرر دون دخول، هو ما يدفعني أخيرًا إلى اتخاذ القرار. ربما غدًا، أو بعد غد، سأفتح باب ريش وأدخل. سأختار كرسيًا في الزاوية، سأطلب فنجان قهوة تركية، سأفتح كتابًا وأتأمل. ولن يكون ذلك مجرد استراحة عادية، بل سيكون زيارة لتاريخي الشخصي أيضًا، ولعلاقتي التي دامت ثلاثين عامًا مع وسط القاهرة.

في النهاية، سيبقى مقهى ريش علامة فارقة في تاريخ القاهرة الثقافي، وسيظل هذا الكتاب الضخم دليلاً على أن الأماكن العظيمة تستحق أعمالاً عظيمة توثقها. وستبقى الشيخة ميسون صقر القاسمي، بهذا الجهد المشكور، قد قدمت للثقافة العربية هدية ثمينة. فشكرًا لها، وشكرًا لمقهى ريش الذي لا يزال يذكرنا بأن القاهرة هي عالم كامل من الحكايات والذكريات والأحلام. وشكرًا لتلك المسافة التي تفصل بين المرور والدخول، بين التهيب والجرأة، بين العابر والمقيم. فهذه المسافة هي التي تصنع الفارق، وهي التي تمنح الأماكن هالة وقداسة.  

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع