محمد الكفراوي
اختار الشاعر طارق هاشم أن يصنع من اسم ديوانه الأحدث مفارقة في حد ذاته، فقد اختار “سارة مراد” اسما للديوان الصادر مؤخرا عن مكتبة مدبولي، وهو التباس حول الأسماء تناوله في قصيدة “سيرة أخرى”، يوضح فيها أبعاد الالتباس حول الاسم وأسماء أخرى كانت مجالا للتندر.
يضفي الديوان على الأسماء صبغة شاعرية منذ القصيدة الأولى التي تحمل اسم مريم، وتنسال من خلالها الصور الشعرية الرهيفة والعتاب المفعم بالمحبة والتوق، ولكنه عبر هذه القصيدة وما بها من صور شعرية جذابة فضلا عن الحمولات الدلالية شديدة الثراء والقدم لاسم مريم نفسه، يقدم لنا سيرة أخرى مرتبطة بالعمل والكدح والتعب والإرهاق وربما العرق والاتساخات التي تميز العامل الكدح، والمفرقة بين حالته المتعبة وبين مشاعره الفياضة، لدرجة أنه “يقبّل المَكَن” ويقينه بأن الله يجب العمال “لأنهم ببساطة يقبلون المدافع، أليس المكن كالمدافع”.
تستمر رمزية الأسماء المشبعة بالنوستالجيا في القصيدة الثانية من خلال استدعاء شخصيتين حميميتن من كتاب المطالعة الجديدة، أو كتاب القراءة، إنهما شخصيتا أمل وعمر، وكذلك حازم ونرجس، من منا لا يمتلك ذكريات مع هذه الأسماء التي كانت تصحبنا في الطفولة وتشكل الملامح الأولى لوجداننا المدرسي.
لكن هنا عمر وأمل يظهران في مرحلة أخرى، لقد كبرا، أصبحا مسؤولين عن حيوات بأكملها. أصبحت نرجس تجر عربة الحياة بمفردها، في إشارة إلى البؤس والشقاء والتعب الذي تخلفه المسؤولية عند الكبر، فيما يتحدث عمر عن نفسه باعتباره ابن عمها المحب الذي استشهد في حرب الاستنزاف، تأخذ النوستالجيا هنا مساحة من التخييل لتصنع صورة مفارقة حول الخروج من دائرة الطفولة والبراءة إلى عالم النضج والمسؤولية.
وتمتد شاعرية الأسماء لتشمل قصيدة “صفية” تلك التي لم تنم منذ أسبوعين، مع سؤال عن سبب ضياع النوم من عينيها البسيطتين. في هذه القصيدة التي تكاد تكون منبثقة من مشهد بسيط في الحياة اليومية وفي الشارع، يتفنن الشاعر في وصف مشاعر التخلي واللامبلاة والوجع الذي يحيط ببطلة القصيدة، نعم نحن أمام قصيدة درامية لن نتعرف على حقيقة المأساة سوى في النهاية، حيث يتضح أن “صفية” هي الكلبة الطيبة التي تعيش آثار ما بعد الصدمة بعد أن قتلوا أبناءها الستة فقتلوها هي أيضا رغم أنها تبدو مازالت حية تهز ذيلها، ولكنها لا تنام إلا زاحفة، والدموع تملأ عينيها، وكأننا أمام فجيعة كبرى ممثلة في مأساة هذه الكلبة التي منحها الشعر اسما لا يخلو من ود وحميمية وشاعرية.
وفي قصيدة إجنازيو الجديد يحملنا خيال الشعر إلى عالم لوركا وشخصياته الأثيرة، كما تتردد في الديوان أصداء لأعمال أدبية أخرى مثل “خادم الكنيسة لسومرست موم”، كما تتجلى تلك الثيمة في أكثر من قصيدة ومقطع آخر.
شاعرية الأسماء تبدو خطاً معتاداً لدى الشاعر طارق هاشم، فدواوينه في قصيدة النثر الفصحى تحمل أسماء شخصيات مثل “كل ما فعله ديوستوفسكي” و”اختراع هوميروس” وأحدث أعماله “سارة مراد” ما يبين شغفه بالطاقة الشعرية التي تحملها هذه الأسماء سواء كانت تحمل خلفيات ثقافية أو تاريخية أو حتى تحمل أبعاداً شخصية.
تظهر النوستالجيا في العديد من المفردات والشخصيات التي يقدمها الكاتب في قصائده مثل “صباح الخير يا أبي” التي تبدو فيها مصالحة مع فكرة الأب بعد جفاء وعناد طويل، كما تظهر فكرة النوستالجيا بشكل يقترب من الأمثولات الحياتية الدرامية مثل قصائد “العازفون الخمسة” و”أنشودة البحار الأخيرة”، فيما تتجلى المفارقات العاطفية والوصفية في قصيدة مثل “أخف من الهواء”.
تمتد حبال النوستالجيا لتطال ذكريات مع الأم وحتى قبر الأب ومع شخصيات أخرى مختلفة، بعضها يبدو حقيقيا والبعض الآخر يكاد يكون خياليا، وتتنوع القصائد في أسلوبها وصورها بين الدفقات الشعرية المكثفة البسيطة المركزة، وبين القصيدة الدرامية التي تحمل صورا ومجازات مركبة ربما تمتد بطول القصيدة كلها كما يتضح في قصيدة “نهاية” التي يصر فيها بطل المسرحية على وضع نهاية من تأليفه للعرض مفادها إطلاق النار على الجمهور.
وكأن الشاعر هنا يضعنا أمام رواية هزلية أو مأساة صاخبة من التراجيديات الكبرى، لكنه لا يعدم أن يكسر الجدار الحاجز بين الدراما والحياة، بين العمل المسرحي والجمهور الذي يستمتع به، وكأنه بهذه النهاية يضع نهاية للديوان بكل ما يحمله من مساحات للتخييل واستدعاء الماضي وبثه في صور جديدة لا تخلو من أبعاد مدهشة.













