خالد البقالي القاسمي
عن مطبعة تطوان، صدر للمبدع المغربي عبد الرحمن زوزيو سنة 2022، ديوان شعري بعنوان “عرس موتي”، ويقع الديوان الشعري في ثمانين صفحة من القطع المتوسط. وقد عمل المبدع على تشكيل الديوان وفق ثلاثة أجزاء:
1- الجزء الأول:
عنوانه “دفين الهوى”، يضم ثمانية وخمسين قصيدة، تتنوع عناوينها إلى: لواعج عشق – صوتي جسور – جرعات هجر – لدائي دواء – دفين الهوى – فلسطين – الداخلة – سهام رماء – سخي – كفاك سرابا – حمام دياري – بحور – كؤوس الغرام – فعول يبوح – عتاب ينوح – سلبت عقولا – أيا فجر – سفينة حب – أين الخلود؟ – صبيب وجدب – أصارع – صكوك – شطح رسوم – خصال – لغزة – فتيل – رذاذ يخون – العفاف – ماء زلال – بكاء العروس – كفاك هياما – حفيف غصون – مهلا – سهم – كنار – فاكتوى – سلامك – جفاء – أناجي – قنديل – فقال – شذا – رفيع – رشة – حفيدي – انثري – خليل – أيا قلب – أغيب – تعال – عين – تتوق – سأرقى – زار – زهور – لا تقتلني – أندلس – أتطوان.
2- الجزء الثاني:
عنوانه “بكاء العروس”، يضم واحدة وثلاثين قصيدة، عناوينها: ماء الورد – قطرة الندى – أشواك ووردة – قوس النصر – أيتها الغربان – ميناء هجري – روت – اسقي شوقي – لست يوسف – أيها اليم – قضيب الخيزران – حمراء الدمن – صنت دهري – تدمع العيون – شبه عنوان – شمعة الوفاء – صان ودي – انتحار غير معلن – ليل يتغنج – نوح المزمار – غياهب العشق – مسامير – عن ظلك – أميمة الجمال – قصائد جحا – معهد الهجر – يا سماء الشام – غيث النضار – محسن في عز – النهاية أنا – رحماك خالقي.
3- الجزء الثالث:
عنوانه ” مقامات صوفية “، يضم واحدة وعشرين قصيدة، بسط المبدع عناوينها كما يأتي: تقول المرايا – سل المزن – كأني – دع – يلام – لعمري – أيا من – شأن الهدى – محبة الإله – كليل – نعم الصعاب – يميني – أتينا – وقفت – سكبت – تدلت – أعوذ – هو الوجد – شفيع البرايا – جميل – ورد.
كثافة في قصائد الديوان، نظم متراص في كل جزء من أجزاء الديوان، هي غزارة شعرية، حيث تفتقت الذات الشاعرة وألقت ألقها ومتعتها، إنه فيض شعري متدفق، والفيض وجود، وكينونة، وإبداع. لم يكن لدى الشاعر وقت كاف لكي يعمل على ترتيب، وتنظيم القصائد حسب الحيز الورقي المتاح، بحيث إن هذا الحيز استطاع بصعوبة استيعاب الولادة الشعرية المتجددة، ولذلك سارعت كل قصيدة إلى الانغراس والثبات في أول حيز ألفت فيه نفسها، بين بياضاته، وحدوده، وإمكاناته. الشيء الذي يجعلنا نجيل النظر، ونطيل التفكير في كيفية تمكن المحدود من استيعاب اللامحدود، إذ كلما ضاقت جدران الديوان ورقيا، كلما اتسعت آفاق القصائد إبداعيا، وبقي أمر احتضانها فقط من قبيل الشائع المتعارف عليه، ويظل التوتر الواقع بين الجانبين أسير التدافع بين الإبداع والاحتضان. ويبقى الشاعر مصرا على الاستناد إلى ذائقته الشعرية باعتبارها وطنا، ومنزلا يأوي إليه اتقاء لرتابة الحياة التي تزيد همومه وأحزانه عمقا، ووجعا.
ديوان ” عرس موتي ” يشكل ملكية ثمينة للشاعر، لأنه قطعة من ذاته، تشظت، وتجلت، وأبانت عن طاقة متجددة، دؤوبة في نظم القصائد، وتنويع معانيها، ودلالاتها، بحيث قبل البداية يقدم عنوان الديوان تمنعه، ودلاله في تصريف المعنى المراد من سياقه، ونحن عندما نمعن النظر نرى بأن المكون ” موتي ” المضاف إلى ” عرس ” يبقى رهين فهم مباشر، وسريع، يفيد مفارقة غير مستساغة، تحيل على أن السائد والمعروف هو أن الموت لا يلتقي مع العرس، أي أن المأتم لا يندرج ضمن الاحتفال، فنحن لا نقيم عرسا حال الموت، بل نقيم مأتما، ولكن اللغة الشعرية تأبى إلا أن تصرع اللغة العادية الجارية، والفهم الضيق القريب، إذ إن الصيغة التي انطلق منها الشاعر لها أبعاد عميقة، ودالة في محيطها، وجوارها، فهي لغة متوارية في إشعاعها، وأنوارها. وهنا يصبح العرس احتفالا، وبهجة، ومسرة، والموت هو نفسه يتحول إلى احتفالية، ويستدعي طقوسه التي تقتضي مشاركة، وتعبئة، وانحيازا. وبهذا المعنى يصبح الموت رغبة، وشهوة، وصهوة تمتطى، ويتم الترغيب في سريان علاماته، وتجلياته، ويصبح لذة عارمة تتطلب ضرورة الاحتفال الصاخب بواسطة عرس مكتمل قصد استمراء اللذة، وإشباع الرغبة.
نستطيع أن ننظر إلى العرس طقسا للعبور، فهو تجلي احتفالي، وانتقال من صيغة المفرد إلى صيغة المثنى، ثم إلى الانصهار، والذوبان ضمن الجماعة، فيصبح رؤية وتصورا تشاركيا في الحياة. والطقس الاحتفالي بهذا المعنى يعلن عن وجوده عرسا تحضر ضمن فعالياته ألوان الفرح، والسرور، والغبطة. ويمكن أن نقول إن العرس اتحاد وجودي، وانغماس صوفي، وذوبان الواحد في كل الآخر، حيث كل واحد يسترجع حقه في النصف الثاني، بما ينتج التزاما، ومسؤولية من نوع خاص.
إذا كان مفهوم العرس قابلا لتوليد المعنى، وإفادة الدلالة، فإن الموت يبقى عالقا بين الوجود وانعدامه في نفس الآن، ولذلك فإن دلالاته تأبى التطويع، والتمكين، فهو أي الموت سجين الدلالة الأساسية ضمن ضغط الطب، والدين، والفلسفة، حيث كل مكون يدعي تمثيله حسب المجال، والاهتمام، والانشغال. وبالنظر إلى دلالات العرس فإن الموت يصبح أمامها هو كذلك طقسا انتقاليا للعبور، ولكن في اتجاه معاكس، إذ هو ذو وجهة فردية مفارقة للجماعة والتشارك، ولكنه اتحاد وجودي في عالم شفيف من الروحانيات، وبهذا المعنى فإنه بدوره احتفال، لأنه لا وجود لطقس انتقالي فيه عبور يفتقر إلى عناصر الاحتفال والتشارك. وهكذا يصبح ” عرس موتي ” ديوانا شعريا جديرا بالاحتفال، والاحتضان، كونه مفعما بالشوق، والمتعة، واللذة…
انتقالا من عنوان الديوان إلى أجزائه الثلاثة المكونة لقصائده نلاحظ تدرجا مفهوميا، دقيقا، منسجما مع السياق الثلاثي الذي كلما انتقل من جزء إلى الجزء الآخر كلما أصبح المعنى متطورا، والدلالة مقبولة، ولذلك فإننا عندما نرتب هذه الأجزاء الثلاثة ونمعن النظر في معمارها نجد حسب نحتها أن الجزء الأول ” دفين الهوى ” يحيلنا على الجزء الثاني ” بكاء العروس “، وبعد الجزء الثاني ينتج لنا ” بكاء العروس ” الجزء الثالث ” مقامات صوفية “. لقد أسهم الشاعر بوعي تام منه بحدود مسؤوليته الشعرية في ترتيب أبعاد الأجزاء المشكلة للديوان الشعري بما يستدعي اندماجها في بعضها دلاليا من حيث إننا نستطيع أن ننتقل بهدوء ودعة بين جزء وآخر، إما بقراءة موجهة نازلة من الأعلى إلى الأسفل، وإما بقراءة موجهة صاعدة من الأسفل إلى الأعلى، من البداية إلى النهاية، أو من النهاية إلى البداية، من الجزء الأول الصاخب إلى الجزء الثالث الروحاني، مرورا بالجزء الثاني الحزين، أو انطلاقا من الجزء الثالث إلى الجزء الأول، مرورا بالجزء الثاني ( هل يعتبر قدر الجزء الثاني أن يكون معبرا وجسرا بين الجزءين الأول والثالث، أو بين الثالث والأول؟ ).
لنا أن نتصور بأن كل جزء يتوفر على عالمه الخاص، وكيانه المفرد، بمعنى أن كل جزء يتوفر على استقلالية تامة عن الجزءين الآخرين، ولكن هذا التصور رغم احترامه يظل مفتوحا على الاحتمالات المتوقعة، بمعنى أن الارتباط بين الأجزاء الثلاثة حتما حاصل بمقتضى ارتباط السابق باللاحق، وبمقتضى تعلق اللاحق بالسابق. يتعلق الأمر أصلا بنوع الخطاب الوارد في كل جزء، كما يتعلق بطبيعة الصلات الرابطة بين الأجزاء، إذ إن إفادة المعنى، وإثبات الدلالة يظلان رهينين بحسن استجلاء الكامن في العلاقة الرابطة بين الأجزاء الثلاثة، لنتتبع هذه العلاقة إذا:
1- دفين الهوى:
من أجل تجنب الغموض، والإغراق في الغرابة علينا أن نبادر إلى التأكيد على أن الملفوظين في التشكيل ” دفين الهوى ” هما عبارة عن مسكوك شعري، وذلك بالضرورة استنادا إلى أنه يسمي ويسند منتجا شعريا، بمعنى أن هذا المسكوك يعين المتوقع والقادم، ويقوم بتخصيصه بكونه شعرا منظوما ينتج معنى منتظرا، ومشتهى.
كيف يا ترى يستطيع الشاعر أن يجزم بكون ” الدفين ” هنا هو شهيد في ” الهوى “؟ هل المصادرة هنا عبارة عن مقدمة أم نتيجة؟ إذا كانت مقدمة فهي تحتمل تصنيفها ضمن غموض التنبؤ، إذ هي تحتمل وتحتمل، ومن ثمة فهي بعيدة عن اليقين، وبما أنها بعيدة عن اليقين فهي رابضة في حقل الشك. وإذا كانت نتيجة فهي تصنف ضمن سباق محموم يروم استجداء التعاطف، واستجلاب العزاء. وتعد هذه المصادرة ذات نفس فردي حيث الشاعر في ” لواعج عشق ” يستنكر من يلومه على عشقه وهواه، ويمعن في إصدار أنين نتيجة ضعفه، وهوانه أمام الهجر، واللسع اللذين لاقاهما من الحبيب، صاحب عين الغزال الذي طوح به في غياهب الغربة والوحدة…
في قصيدة ” صوتي جسور “، يقول الشاعر ( ص.10 ):
لعشق أسير تتوق دموعي وفي عرس موتي أراني أسير
ولولا الجفاء سقاني جفافا لما سال قولي وحارت بحور
يبادر الشاعر إلى تأكيد دلالة المسكوك الشعري ” دفين الهوى ” بكونه طاقة وجودية لها كل التأثير في تعيين المخصوص، وتجلية الحقيقة في إثبات الترابطات، والعلاقات التي هي نتيجة لإصرار الشاعر على رسم المنتظر، والمتوقع، والتي تلغي الانفصال، وتروض المخفي والمغيب. كما تمد اللغة بنوع من الصلابة والتماسك، ومن ثمة تستهدف المعنى بواسطة تحويرات لغوية تجعل النظم أكثر إدهاشا وإثارة، في قصيدة ” لدائي دواء “، يقول الشاعر المبدع ” عبد الرحمن زوزيو ” ( ص.11 ):
صن النفس يا عاشقا ذات حسن لكل الأنام نفــــــــوس رواء ( بضم راء ” رواء ” )
ووار حبيبا سقى نهر عشــــــق لعل مياه الحبيـــــــــب رواء ( بفتح راء ” رواء ” )
سهرت وما بالعيون قــــــــــذاة شكوت وما في جفوني رواء ( بكسر راء ” رواء ” )
قد يتحقق الهدف الشعري المراد من طرف الشاعر بطريقة سليمة، كما قد يتحقق بطريقة أحسن، ونحن غالبا سوف نعتقد بأن الطريقة الأحسن متفوقة في المعيار على الطريقة السليمة، كما لو أن الطريقة السليمة ترتبط بالحصول أو تحقيق الحد الأدنى الأساسي، والطريقة الأحسن تبدو في حلة أفضل، وأبلغ من السليمة باعتبارها تجاوزت المعيار، وأضافت قيمة أبلغ وأسمى، والحال أنه على مستوى القواعد الشعرية فإن الذي ينبغي علينا اعتباره هو عدم تجاوز القواعد الصحيحة منها، أو التضحية ببعض حدودها، ومن ثمة نعود لكي ننظر في الترجيح، وهو بذلك يظل ثانويا أمام الالتزام بالقول الشعري الصحيح، والمقبول، والذي سوف تتم عملية احتضانه، وقد يعرض البعض للنسج على منواله، ومن هذه الزاوية يصبح وفاء الشاعر أمرا فنيا، وأخلاقيا مطلوبا.
إن إسناد اللغة، وإثبات تحويراتها التي قدمها الشاعر في النظم المذكور سابقا، منحه قدرة ملموسة على التنويع في الدلالة اللغوية، مما أضفى على القول الشعري جمالية تصورية رديفة لترسيخ جهد التطبيق، ولذلك فإن الرسم العباري الذي وظفه الشاعر جناسا يرمي إلى تفسير المضمون المحدد في التمثيل المومئ إليه في الأبيات الشعرية الثلاثة. وهكذا فإن ” رواء بضم الراء “، التي هي الرونق، والجمال، كما الإشراق، تشكل قاسما مشتركا بين الجميع، فهي موطن لجميع طالبي الانتماء، وجميع باحثي الأحضان. أما ” رواء بفتح الراء ” فإنها رضاب الحبيب، ماء زلالا يسقي غليل العاشق الموله حال تحوله إلى نهر دافق من المشاعر والأحاسيس الجياشة. وعندما نعرج على ” رواء بكسر الراء ” فإننا نلفي الشاعر قد تجاوز الرواء في صوره اللغوية المختلفة، بضروب شتى، وأضحى رواء، جفونه تهمى بدون توقف أو حدود، فهي دامعة، وعبراتها منسابة دون حد أو ربط. والمعنى ينصرف إلى الشكوى المفتوحة التي يرسلها الشاعر زفرات حرى، وعبرات ساخنة جراء المعاناة من الوقع الشديد للعشق الكبير الذي يكنه لذات الحسن، رغم تمنعها عن بل ريقه، أو عن وصاله، فأيقن بأن ما نسجه من أمل، ورجاء، وصبر يقترب من الانفراط، والتشتت. يقول في قصيدة ” دفين الهوى ” ( ص.12 ):
كفاك دفين الهوى لن تصيح وما همسك للتراب وكيل
وكل غـــــــــرام أراه سرابا أنين ريح وصوت عويل
إن إصرار الشاعر على توظيف هذه المسكوكات اللغوية المجازية ذات الأبعاد المرتبطة بالبلاغة المضيئة تحيلنا على رغبته الأكيدة في إضفاء جميع عناصر الحياة على شعره، مع التركيز على الطابع الحركي للعبارات، والألفاظ، والكلمات الدالة، حيث إن الحركة التي تنتجها العبارات هي الكفيلة بدفع الشعر المنظوم إلى الانعتاق من ذاته، والخروج إلى الرحابة، والإشراق. ثم إن القول الشعري لدى ” عبد الرحمن زوزيو ” مرتبط بأهمية الرجوع إلى شروطه، وأسبابه. ولذلك فنحن عندما نوجه تقويما، أو حكما لمثل هذا النوع من الشعر علينا أن نراعي في حكمنا، أو أحكامنا أهمية ليس ما وقع فقط، أو حدث، أو قيل، أو أهمية ذلك، بل علينا أن نراعي الخلفية، أو الأصل الذي صدر عنه الفعل أو القول، وإلى المقصود بهما، ووقت الصدور، مع توصيف الوسيلة والغاية، دون أن نغفل من حسابنا قدرة ذلك الفعل، وذلك القول على تحقيق مصلحة أو مضرة من وراء ذلك. وهكذا نلاحظ الأهمية البالغة التي تمثلها الحركية المنتجة التي تكمن في العبارات الفائضة بالحياة، والتي تمتلك كما نلاحظ القدرة الملموسة على ضبط الإيقاع الشعري، وضبط نبض الشاعر في التعبير عن مشاعره، وأحاسيسه. يقول الشاعر في قصيدة ” سلبت عقولا ” ( ص.18 ):
رمتني بحور فصرت وحيدا وسري بصيرا وقلبي عليلا
سكنت السنين فكنــت سعيدا وحــل الغرام فعشت رحيلا
أيا من شكتــــــني إلي كثيرا دعيـــني أراك زمانا طويلا
” دفين الهوى ” الذي أوقع الشاعر صريعا، أضحى يشتهي مدفنه، ويهوى هواه، وأصبحت قوة الذكرى ترهق تفكيره، وتوهن حلمه، ولا يوجد من يسند هوانه سوى اللغة التي يركب عبابها، ويقتات عبيرها، يقول الشاعر في قصيدة ” بحور ” ( ص.16 ):
دعتني بحور فصغت القوافي وصرت غريبا دهاه عباب
لعمري كأن الحياة ســــــراب ملاهي ليــــال يليها حساب
إذا كسرت كأس عهد فبشرى لشرب سائـــــغ سقاه ثواب
وأسكن ثواب المسيء نعيمـــا فليس لكل مسيء عتـــــاب
إذا كنت تروي رياضــا زلالا فإن القبور قصور رحــــاب
وإن لكل كريم مفـــــــــــــازا ووعد لكل عنيد عقـــــــــاب
تستطيع اللغة التي يوظفها الشاعر بالشكل الذي نراه في نظم الديوان تغطية جميع الترابطات، والاتصالات، وحتى الالتحاقات. وليس ذلك فحسب بل هي تستطيع أيضا تحقيق الارتباطات المختلفة، والمتنوعة بتمثيلاتها التي تدل عليها، وتفسرها، وتصاحبها بطريقة محايثة نحو بناء الدلالة، وتوضيح المعنى. فتصبح بذلك بنية لغوية، وفكرية تمثيلية. أي مبنية على نظام التمثيل، والتشابه، حيث يحدد الشيء بمثيله، واللفظ بشبيهه، والكلام بمقابله. إنه نظام الفكر المبني على إقامة التشابهات، والتقابلات، والتماثلات بين الأشياء، والذوات، والموضوعات، فهو إذا لا يمكن أن يستمر، ويواصل تأثيره بذاته، حيث يظل دائما معاقا، يحتاج بشدة لمن يساعده، ويدعمه. يقول الشاعر في قصيدة ” سفينة حب ” ( ص.19 ):
كأن الحياة سفينة حــب على متنها ذكريـات أديب
أكون هناك وظلك مثلي وحيدا يراني حزينا أغيب
وأنت أمامي وشهد شفاه يذوب يحار لعشق عجيب
أحبك دوما بلبس بعري أراك كشمس بنور رهيب
أراك كحلم كنحل كلسع دواء كعطـــر لحب مهيب
عندما نتأمل في هذه الأبيات التي بنيت ببلاغة لافتة، نجد إشراقها يتجاوز مداها، ويكاد بريقها يتدفق خارجا من أكمامها، ومنعطفاتها لكي ينير جنبات العالم، عالم العشق، والمحبة الغامرة. هي أبيات منحوتة بطريقة بارعة، مرصوصة، ومنمقة. وعندما تزيد في استغوارها تكتشف حتما بأنها أبيات شعرية عصماء، تمت عملية نظمها نفسا واحدا، لا يحتمل اللهاث، أو التقطع، ولذلك فهي كل متكامل، وصورة إبداعية بهية. بنية هذه الأبيات هي النظام الفكري المستند إلى منظومة التمثيل، والتشابه، بمعنى بنية فكرية تتمركز حول ذاتها، وتجعل الفرد الكائن مصدرا للمعرفة، والفيض، ولا ينازعه أحد في ذلك، فهو أي الإنسان، أو الذات الشاعرة هي المخول لها القيام بإنتاج فعل الوجود في صورة أبيات شعرية منظومة بشكل بديع. أعد التأمل تارة أخرى وسوف تستنتج بأن منظومة التشبيه هي التي تكفلت بصياغة هذا العقد، إنها كينونة حادثة تنتج خطابها الخاص بها عبر جواهر، وصفات مستندة إلى منظومة التشبيه.
إذا حدث وقررنا أن نلغي منظومة التشبيه من اعتبارنا، وتوظيفنا، فإننا لن نتردد في القول إن نظام هذه الأبيات الشعرية المنظومة سوف يتهاوى، وتسقط تشبيهاته تباعا، لأن لا عبارة فيها تمتلك وجودا ذاتيا، أصليا. وجود كل منها مدين للشبيه، والمثيل. هذه البنية في التفكير، وفي بناء، وتشييد الخطاب الشعري مدينة للشائع، والمتعارف عليه. حيث كل مقاربة لغوية، أو صرح خطابي ملزم تلقائيا، وبطريقة آلية بأن يرتبط بنوعية الثقافة السائدة، وذلك وفق تصور لاشعوري، استقر، وثبت في جميع الممارسات الأدبية، والفكرية التي تنتج الإبداع، وتفسره، وتحلله، ومن ثمة تعمل على تأويله. فعندما يتشكل التشبيه من أركانه المتمظهرة في المشبه الذي هو الفرع، والمشبه به الذي هو الأصل، وأداة التشبيه، ووجه الشبه أو علة الشبه التي أنتجت فكر التشبيه، فإن هذا البنيان يعلن عن سيادته المطلقة في مجال إنتاج الثقافة بين الناس بصفة عامة. ويصبح الجميع سدنة في معبد التشبيه، يباركونه، ويقدسون مخاضاته. مع العلم أن حدوده بادية للعيان، إذ هي تكاد تصيح معلنة ضيق منطقه، وقصور تمكينه. بحيث إذا لم يكن الشيء، أو الذات، أو الموضوع، تمتلك كلها عناصر وجودها الخاصة، وقوة إقناعها الجوهرية، فإن التشبيه، أو التمثيل لا يمكن أن يكون بديلا مسعفا لضعفها، واحتياجها. إذ إن ما يحدد بشبيهه، أو مثيله مصيره إلى السقوط، والانهيار. لأن علة التشبيه رغم الحكم بظهورها، وبروزها لا يمكن أن تشكل بديلا للدلالة على المعطيات، لأن المشبه به إذا لم يكن مليئا فإنه لا يستطيع إقناعنا بتاتا باستطاعته إنتاج المشبه. هذا المشبه الذي تكون كينونته مغيبة، بل معدمة، كيف نستطيع تحديد خصائصه، وملامحه المناسبة لكي نلحقه بالمشبه به؟ ومع ذلك نلفق الأمر، ونلحقه به كيفما اتفق، فيصبح هذا المشبه صاحب كينونة بعد أن لم يكن كذلك، فقط علينا أن نتقن لعبة الكشف، أي الكشف عن وجه الشبه، أو علة الإلحاق، أو سبب الوجود، فنضيف إلى العالم موجودا جديدا بعد أن كان في العدم. ويا لها من ميتافيزيقا مقلقة، ومتعبة، وفي كثير من الأحيان محبطة. فقط من أجل خلق عالم من الجمالية، والإبداع، واللعب بالحقل العباري المنتج للوجود.
قصائد الشاعر المبدع ” عبد الرحمن زوزيو “، لا تشذ عن القاعدة، ولا تخرج عن المألوف، فهي منتج أمين، وصرف لنظام الكلام، والفكر، والأدب الذي أشرنا إلى بعض معالمه أعلاه، حيث في الأبيات المنظومة التي أثبتناها في قصيدة ” سفينة حب “، يوظف الشاعر بعض الكلمات مثل: الحياة – السفينة – الظل – العشق – الشمس… وهذه الكلمات الشعرية تدل على ” الأشياء “، وتصبح بذلك مخصصة لأسماء موصوفة، بمعنى أننا نصف هذه الأسماء بصفات ومخصصات. أما الكلمات التي تدل على ” الأحوال ” والتي تميز المشبه به الذي تطابقه، وتوافقه، وتشبهه، وتماثله، فإنها غالبا تكون أوصافا، أو نعوتا ( وجه الشبه أو علة التطابق )، وهي واردة لدى الشاعر في القصيدة المذكورة مثل: ذكريات – وحيدا – حزينا – عجيب – رهيب – مهيب… وبهذه المصادرة التي اعتمدناها كمثال تطبيقي يكتمل صرح الخطاب المبني على نظام التمثيل، والتشبيه لدى الشاعر المبدع في ديوانه هذا.
2- بكاء العروس:
يقول الشاعر في قصيدة ” بكاء العروس ” ( ص.23 ):
لتسكن أيا نجم أغوار قلب فما ضاق بيت بنور الشموس
لكم أعشقن عيون المــــها وكـــــــم أسقين زلال الكؤوس
لهالة وجهك سحر الملاك ولي في السراب بكاء العروس
من ” دفين الهوى ” إلى ” بكاء العروس “، انتقل النظم من الكثافة في الأبيات إلى الكثافة في المعنى، ولم يكن هذا الانتقال من طرف الشاعر هينا، أو بسيطا، بل كان انتقالا، وتحولا شاقا، فقد عمد الشاعر إلى ولوج مجال تجريبي بخطى ثابتة، وواثقة من الصعوبات المحفوفة بالعملية، فهو انتقل من القصيدة العمودية الكلاسيكية المشبعة، إلى مثيلاتها المعتمدة على البيت الواحد، ولذلك فإنه اختار الاستناد إلى المعنى المتين، الشامخ، مع تمريره بمحدودية في الكلمات، بمعنى أن المبدع عمل على بناء حقل عباري جديد تتجاوز معانيه كلماته، يقول الشاعر في قصيدة ” رشة ” ( ص.26 ):
أيا رشة العطر حين انتشينا أراني وبحر الهوى قد هوينا
ويقول في قصيدة ” زار ” ( ص.27 ):
لقد قلت قولي لمن زار خدي سيفشى ودادي وما ذاك عهدي
أما في قصيدة ” أندلس ” ( ص.27 )، فيقول:
لأجلك أسقي بساتيـــن عشقي لأندلسي لا سواها سأسقي
ثم في قصيدة ” أتطوان ” ( ص.27 )، يقول الشاعر:
أتطوان يا نبض عشقي كأن بياضك نور يداعب حلمي
لقد اختار الشاعر كما نرى في هذا النظم البديع صيغة ” البيت اليتيم ” لكي يفجر مكنوناته الغائرة، واعتبر أن ما أورده يعتبر مكتملا في كليته. ولا يحتاج إلى مزيد أبيات لكي تدعمه. لقد كانت مشاعره متأججة بحيث عملت زفراتها الحرى على التدفق، وفي كل دفقة كان له بيت شعري مستقل، ومعنى خاص، ونظم متميز، وصور تختزل أبلغ ما يرنو إلى إفاضته.
لقد تفجر العمق الرومانسي لدى الشاعر، وأصبح هو الذي يحركه، ويوجه أفقه وهواه، سواء بالنسبة للعشق والهوى، أو بالنسبة للانتماء والانتساب، فهو تارة غارق في محاورة الحبيبة الجميلة، وتارة أخرى منغمس في تمجيد الأرض، والوطن، والتراب، والعروبة، ولذلك فإن هذه القصائد الممتعة هي عبارة عن تجسيد مرآوي للصراع الذي يعيشه قلب الشاعر بين العشق المستغرق، وبين التواصل المبني على ضفاف العتاب مع المحبوب. ثم هناك الهجر الذي يكوي قلبه، فهو يحاول وصف الجهد الكبير الذي يبذله من أجل ترميم ذاته، من خلال محاولة مواجهة قسوة التفكير المستمر في المعشوق، بتوظيف حقل عباري يتشكل من كلمات كلها مستمدة من مشاعر اللوعة والشجن، مع الاحتفاظ بماء الوجه، والكبرياء، وعزة النفس…
” دفين الهوى “، هو المعنى الكامن في المشاعر والأحاسيس، لقد تحول هذا الدفين إلى شهيد ترثيه العروس وتبكيه، سوف يندثر المعنى ويتحلل ولن يعوضه شيء مقبول، لقد أضحى ” دفين الهوى ” رديفا للمدفن الذي تم تخصيصه للقصيدة الكلاسيكية العمودية. ولذلك فإن العروس التي تتجسد في قصيدة التفعيلة تبكي نظما دارسا، باد بعد أن كان سائدا. إن العروس الباكية هي الرمز الثاوي في حلم الشاعر، إذ الشاعر يستمتع بصورته كونه أصبح شهيدا ودفينا، وطقسا أضحويا إكراما للعروس التي ستبكي. بكاء العروس طقس قبلي تم الإعداد له ضمنيا حفاظا على تناسل القريظ، واستمرار جريان مائه العذب النمير، يقول الشاعر المبدع في قصيدة ” صنت دهري ” ( ص.43 ):
صنت دهري والدهور ذوابح
ومت وما مات الخيال الحالك
لك الحسن والحسان قلائل
وبك اللوعج من الأوحال راحل
كأنك في الناس عابدة زاهدة
وعند الحروب حسامك بائد !
لمن تضمحل القامات باكية
وعلى أعقاب نخلها هي خاوية؟
إن عاد عاد بلا بأس ولا يأس
أو راح راح بلا روح ولا ريحان
يهون على لساني ذكر غائبة
وهوني في هواني ساكن خالد
دنوت من الدنيا ففاض ريقها
وغبت فغاب في المروج السابح
نهلت كأسي والكؤوس صواعق
وقرعت بابها وللأبواب نواقس
لسعني الشوق وما للسيقان ركائز !
لا أحد يأسف أو يحزن على القصيدة العتيدة ذات البنية العمودية، إذا عادت فقد عادت، وإن هي راحت، فقد راحت، الأمر سيان، ولا يشكل أي فرق. رغم أن المعنى بذاته سيصيبه خطب كبير جراء هذا التحول. ويبدو الموضوع طبيعيا، حيث في كل تطور تحول، وتغير، وفيهما معا يضيق المعنى ويتسع في نفس الآن… قصيدة التفعيلة قلصت المدى، واختصرت المسافات، وضيقت المعنى، لقد اقتصدت الطاقة، وجعلت النظم سلسا، مرنا، طيعا… قصيدة التفعيلة أصبحت بديلا للقصيدة العمودية، فاندمجت فيها، ولذلك فهما نتيجة لبعضهما البعض، وعلاقتهما معا تجسدت بارزة في فعل الإضافة، والتتابع، نضيف واحدة إلى الأخرى، ويستمر الشعر في القول والنظم، ونجعل إحداهما تتبع الأخرى، وتليها، وتستمر القصائد في الوجود والإبداع، ومن ثمة يصبح الأمر تمثيلا، بحيث يبدو أن إحداهما شبيهة بالأخرى، ومطابقة لها، لقد أصبحا معا منتجا صرفا لنظام التمثيل، وبما أنهما قد أصبحا كذلك فهما معا صارا واحدا مماثلا لذاته، ومفسرا لها، ومن ثمة فإن وثنيتهما قد أصبحت خطابا منتجا للمعنى، والدلالة، والرؤية…
” دفين الهوى ” مع ” بكاء العروس ” يشكلان صدى لبعضهما البعض، بحيث إن الدفين منتج صرف للبكاء، كما أن الهوى منتج صرف للحصول على العروس. يقول الشاعر في قصيدة ” عن ظلك ” ( ص.53 ):
ما زلت أفتش عن ظلك تحت النعش
وراء القضبان
إلى متى يشاكس الثلج الحقول
ينتحر الأقحوان؟
شيدت الديار
سكنت الأغوار
فرشت الشوك ومشيت الأميال
علني أصادف ظلك في الأدغال
فوق أوراق الخريف المنتحرة
على غصن حضن الصبابة
شكا للوصل لوعة الصب
لنسيم العطر وعناق الفجر
المتربع على عرش الحسان
على خدود الورود
على الروابي وبين الوديان
لا تقري يا حبيبتي برقة مقاومتك
لا تعشقي وحدتك لا تعشقي الرحيل
دثري الدجى بوهج النور
انثري الندى فوق تويجات
اشتكت من الجدب تحت السيل
بين مجرى العشق والأنهار
إن هذه الأبيات المشرقة تناجي الأسرار الخفية الكامنة عشقا في ” دفين الهوى ” الذي هو كله خفاء، وجوهر مبتغى من طرف الجميع، الدفين يتوارى وراء الصفات المعلنة، ولذلك فهو محجوب عن الوجود، عصي على الظهور، رمز للسمو وللتعالي، إنه نفسه التجلي للوجود في العدم. وإذا كان كذلك فإن الهوى طاقة نفسية تسند هذا الوجود، وتدعم أهدافه، الهوى هو من يبعث الوجود في الدفين، إذ هو الشهوة، والعقل في نفس الآن.
يصبح الدفين هو البكاء بعينه عندما يعي فعل البكاء جوهره ويحث الخطى بحثا عن آثار الموت أو المعنى، يتحول البكاء إلى رمز للنرجسية المرتبطة بموت الدفين، باعتبارها بعدا تعبيريا عن المصير الأبدي الذي يتربص بالإنسانية جمعاء، فيتساوى، ويتماثل، ويتطابق جميع الدفناء، ويصبح الجميع منتجا صرفا لمنظومة التمثيل التي تحكم قبضتها على مفاصل الثقافة أنى توجهت ركائبها.
إذا كان الدفين قد أصبح هو نفسه البكاء، فإن الهوى كذلك قد أصبح هو العروس بعينها. إذ الهوى هو الطاقة المضمرة في حجب نفسية العروس، هو من يحدد التفاصيل الدقيقة التي تحول صريعة الهوى من مشروع معشوقة، إلى صفة عروس، ترتقي في مدارج الاندماج في عالم الشراكة الزوجية، أو الأسرية، نحو تحقيق السعادة، عبر الالتزام اجتماعيا، وأخلاقيا. يقول الشاعر المبدع ” عبد الرحمن زوزيو ” في قصيدة ” محسن في عز ” ( ص.59 ) التي يجمع فيها بين النظم العمودي، ونظم التفعيلة:
لبوح دنونا لفقد حبيب لحزن أصاب قلوبا نقول
أيا ليل قد غابت نجوم لكسر الضياء بكاء عويل
وإن كان عمر الشموع قصيرا لفراق الحبيب فتيل طويل
محسن في عز والإحسان سخاء
بصمت الدهر ولبصمتك مواقف
مسكت النجمة ولأجلك تنير
ذرفنا الدمع ولسيله أودية
تسقي القلوب وفي العشق ابتلاء…
إن غبت فالعطر كالنسيم يصحو فجرا ويغيب
عطرك بين السطور راسخ…
ينتشي لع العاشق بين الأمواج الصادحات
يناجي الغواص عن صدفات ود
عانقها وهو سابح…
والأصل هو أن العروس تبكي دفين الهوى، والترتيب في الديوان منطقي مبني على أن الدفن قد أقبر الهوى، فضاع زلاله على العروس التي تستدعي توازنها النفسي، والعاطفي بواسطة البكاء الذي رغم أنه هشاشة وجودية فهو طبع إنساني صرف. وقد أسهم الشاعر المبدع عبر هذه السيرورة الإنسانية في إنتاج الخطاب بواسطة الشعر، وتوظيف كلمات تعد في عالم الشعر غير عادية، لأنها تنتج لدى المتلقي قناعة بأنها كلمات تنحو نحو الخروج عن المألوف، ولذلك فإنها تضفي على الأسلوب الشعري ذوقا ذا نكهة مميزة. وباستطاعة هذه الكلمات المنتقاة بعناية، واهتمام، أن تثبت صورا شعرية لامعة عن طريق الانزياح، واستعمال اللغة في غير سياقها العادي، ومصدر هذه الصور اجتهاد الشاعر المبدع ” عبد الرحمن زوزيو ” في رؤية والتقاط لمع ممتعة ظلت مخفية في عمق وغور أشياء، وأجسام، وذوات مختلفة.
يقول الشاعر في قصيدة ” معهد الهجر ” ( ص.56 ):
أسرت سنينا
لو هجرت إلى السما لسامرات
ليلي موقظ الهمس شاكيا
رجوت قلوبا لو سكنت إلى المدى
لعاهدت عهدي معهد الهجر عائدا
مشيت دروبا إن نطقت حزنا لفاضت
عبراتها أنهارا
تسقي الحقول قولا قائلا
رميت زهورا
رنوت إلى النهى
عانقت فجري غافر الليل ساجدا
تسبح الطيور عند الشروق شاكرة
يغفر الذنوب خالق الكون غافرا
3- مقامات صوفية:
قديما كان هناك فنان إسباني من مدينة ” إشبيلية ” اسمه ” باشرو Bachrot ” يقول لأحد تلاميذه وهو يعلمه أصول فن الرسم والتشكيل: ” على الصورة أن تخرج من الإطار “. تأمل جيدا في هذا التوجيه البلاغي الراقي، إذا ظلت الصورة داخل إطارها فإنها سوف تنزوي في ركنها قابعة دون حراك، سوف تبقى جامدة، لن تستطيع عرض نفسها على المتذوقين، ولن يهتم بها المتتبعون، عندما تخرج الصورة من إطارها فهي لا تغادر اللوحة بتاتا، الصورة عندما تلج اللوحة، وتثبت فيها تصبح منتجا بصريا ملهما، تؤثر وتتأثر، إذ هي تعرض نفسها بكل غنج ودلال، ومن ثمة تستقطب غيرها من الصور والتجارب، الصورة في اللوحة عبارة عن حقل تشكيلي تجريبي، إذا لم تخرج من إطارها لن تستطيع الإقناع برقيها، وسموها، ومن ثمة فإن خصوبتها عامل من عوامل تشييد أبدية الفن والجمال. وكذلك الشعر، ذائقته تلامس تماما ذائقة الفن، والتصوير، والتشكيل، والجمالية، إذا لم يخرج الشعر من إطاره فإنه لن يكون في مستوى الشعر الذي يطرب، ويزهر، ويثير… ولذلك فإن القصيدة الشعرية المميزة لا تعبر عن ذاتها فقط، بل هي عندما تخرج من إطارها فإنها تصبح قصائد متعددة، وليس قصيدة واحدة فقط…
قريبا من هذا المعنى نجد الفنان الإسباني التشكيلي العالمي الذي ولد في 25 أكتوبر 1881 بمدينة ” مالقا ” الإسبانية ” بابلو رويز بيكاسو Pablo Ruiz Picasso ” وتوفي في 08 أبريل 1973، عندما يشتغل، كان يقوم غالبا برسم اللوحة وهي مفروشة أو ملقاة على الأرض، لكي لا تتحرك الألوان ولا تهتز، وتميل عن موقعها المضبوط الذي حدده الفنان بدقة، كان الفنان العالمي ” بيكاسو ” يؤكد بأن الألوان إذا مالت أو ساحت عن موقعها المحسوب بدقة فإنها سوف تغير بميلانها هذا الفكرة، فيضيع الهدف، وعندئذ سوف نرسم لوحة أخرى، لا نعرفها، إذ هي ليست وليدة إحساساتنا الأصيلة، وسوف تضيع معالم الفن، لأن اللوحة في الحقيقة هي ليست لوحة واحدة، كل لوحة يقول الفنان العالمي جازما هي أكثر من ثلاثين لوحة.
نفس الشيء نراه في الجمالية الشعرية، إذ كل لفتة جمالية هي في الحقيقة تجليات متعددة، وليست واحدة فقط. كل قصيدة هي تجميع لقصائد متعددة. نحن نراها قصيدة واحدة، لأننا لا نستطيع رؤية غيرها، أو لا نملك الأدوات الكافية لرؤية غيرها، نحن لا نرى إلا ما تمنحنا هي إياه، أو تبيحه لنا، وعليها أن تفعل ذلك، لأنه إذا مكنتنا من كل تجلياتها فإنها عندئذ سوف تفقد سحرها.
يقول الشاعر في قصيدة ” تقول المرايا ” ( ص.65 ):
ومن ذا الذي قال إني سأحيا على موج يم علته الخطايا
وما بين عصر وفجر سأمحو تفاصيل وجه: تقول المرايا
وما بين مد وجزر تلـــــــوح نوارس هجر وتغشى الضحايا
لتلك الطيور رواة وحكي وألف الليالي تقص الحكايا
وعند التلاقي تثار التحايا تفيض لشوق فتفشى الخفايا
المرايا واحدة، ولكنها تتعدد بواسطة تزاحم الأضداد، حيث الوجوه التي تطرق المرايا كثيرة، ومختلفة، ومتنوعة، ولا تشبه بعضها البعض، إنما يبقى حضورها هو الذي يضاعف حضور المرايا التي تحيا بتعدد الوجوه، ولذلك فإن القصيدة الواحدة تتضاعف بحضور المتذوقين، والمهتمين… وهكذا فإن شاعرنا المبدع ” عبد الرحمن زوزيو ” عندما سطر قصائد ديوانه فإنه كان ناظما للشعر لكي يتلقفه الناس، ويقومون بقراءته، وتذوقه، والتمتع بجماليته، على المتتبعين أن يعتبروا هذا الشعر خطابا جديرا بالاحتضان، لأنهم يفترضون أن الشاعر يكتب الحقيقة، ولذلك عليه أن يتحرى المصداقية جيدا… يقول الشاعر في قصيدة ” أيا من ” ( ص.67 ):
أيا من تظن بأن الوجود بدون رقيب، كفاك عنادا !
هي الشمس لما تغيب تعود فكيف اختفى لمعان وعاد
ويحلك ليل ولا حول حال فيرقد حولا ويلغي سهادا
وفجر مديد ينادي عنيدا فتصحو عقول تعاني رقادا
هو الله يبدع كونا ويهدي برايا، بهديه زادت رشادا
إن القصيدة الواحدة المتعددة التي تشع كاللوحة التشكيلية، والتي تخفي في ثناياها قصائد أخرى ذات حضور يراه بهدوء أصحاب الذائقة الشعرية الذين يبصرون ما لا يرى، تتميز بدلالات شعرية تنحو صوب الانقسام إلى دلالات شعرية أخرى، تكون منطلقا لنظم جديد. ويشكل هذا المعنى أنطولوجيا جديرة بالتقدير، كونها تصبح معبرا، ومصدرا لميلاد، ولخلق القصائد الشعرية على وجه الديمومة، والاستمرارية، ومن هنا كان الشعر أبديا في وجوده، وحضوره. وتظل تجربة الشاعر المبدع ” عبد الرحمن زوزيو ” فريدة في هذا المجال حيث يعرف جيدا كيف يتقن سبك نظمه وقصائده، حيث تركيبه الشعري مندمج جيدا مع المعاني التي يطرقها من خلال صياغة الكلمات وترتيبها، وإضفاء شكل خاص على كل كلمة، وقياس السياق الداخلي للعبارات، من أجل الوصول إلى بناء انسجام مألوف بين الإيقاع الداخلي، والإيقاع الخارجي. وشاعرنا المبدع يشتغل في بناء قصائده وفق المزج بين القصيدة العمودية الكلاسيكية، وبين قصيدة التفعيلة، وعلى هذا الأساس فإن الشاعر المبدع يوظف في إبداعه في الغالب الأعم بحري ” الرجز ” و ” المتقارب “.
البحر ” المتقارب ” هو أحد بحور الشعر العربي الستة عشر المنسوبة للخليل بن أحمد الفراهيدي ( توفي سنة 170 هـ / 786م ). يشتغل به الشاعر في نظم القصيدة العمودية، وشعر التفعيلة باعتباره واحدا من بحور الشعر العربي المتعارف عليها. وهو ” متقارب ” اسما على مسمى لأن أجزاءه متقاربة، تشبه بعضها بعضا، حيث كل وسبب أجزائه مبني على وتد. وهو عندما يكتمل يتشكل من تفعيلة واحدة تتكرر ثماني مرات في البيت الشعري، وهي فعولن فعولن فعولن فعولن. ويعتمده الشعراء غالبا في قصائد التفعيلة بسبب الإيقاع الذي يتميز به، وبسبب وقعه الموسيقي على النفس. ويعتمده الشاعر المبدع ” عبد الرحمن زوزيو ” في ديوانه لطواعيته في التعبير بواسطته عن الموضوعات الهامة، والمواقف الحماسية، وإبداع الشعر الملحمي.
كما يعتمد الشاعر في بناء قصائده بنوعيها على بحر ” الرجز “. وهو معروف لدى الشعراء بكرمه على مستوى المرونة والسهولة في البناء، إذ هو يعتمد على بنية إيقاعية شعرية سهلة تتكرر في صدر البيت كما في عجزه ست مرات، ثلاث مرات في كل شطر، مستفعلن مستفعلن مستفعلن. وبحر ” الرجز ” لدى الشاعر المبدع مسعف في رسم صور موضوعة الموت، والعرس بطريقة حركية سريعة.
في هذا الجزء الثالث يعتمد المبدع ” عبد الرحمن زوزيو ” على نفس شعري صوفي، ويعتبر هذا النفس طبيعيا في هذا الجزء من الديوان، إذ بعدما تمت عملية دفن المتيم بالهوى، وبعدما تبعها بكاء العروس التي كانت جاهزة لكي تزف إليه، من الطبيعي أن تعود النفوس إلى رشدها، وهدوئها بواسطة استبدال التوتر بالمرونة، والثبات، والاستقرار، خصوصا عندما عاد الشاعر إلى القصيدة العمودية لكي يمعن في إحداث الاستقرار. لقد استعاد الصفاء الروحي والذهني، والانسجام، بواسطة التريث، والحكمة، والتعقل، وقبول الصعاب، والأمر الإلهي بكل صبر، واحتساب. يقول الشاعر المبدع في قصيدة ” نعم الصعاب ” ( ص.68):
إذا كنت تسعى وراء سراب فقدت صوابا وخاب الشراب
لعل الصعاب عطاء الإله فنعم الحكيم ونعم الصعاب
تمهل قليلا لفجرك ضياء وما عاد بعد الصفاء ضباب
تشم العطور على بعد ميل بتلك البشائر يشفى المصاب
طبيعة الشعر الصوفي لدى الشاعر تنبع أساسا من تشبعه بالقيم الروحية النبيلة، وتوقه للحصول على سمو وصل المحبة، والشوق. ويحيلنا هذا التوجه إلى إثبات الاختلاف الحاصل بين الشعراء في طريقة تعاملهم، وتوظيفهم للبعد الصوفي في قول الشعر، ونظمه. حيث كل شاعر يستند إلى المقامات الصوفية إلا وله ذوقه الخاص في نوع ذلك الاستناد، ولا تتشابه الأغراض، ولا تلتقي إلا في استدعاء المتصوفة الكبار، والاحتماء بأذيالهم في قول الشعر، وتدبيج القصائد. والحال أن هذا الاستدعاء لا يكفي البتة لإضفاء الشعرية على أي شاعر. بحيث لا يمكن استدعاء المتصوفة الكبار، ولا يمكن الارتماء في أحضان أقوالهم، وأشعارهم لكي نثبت شعرية أي شاعر. شعرية الشاعر ينبغي أن تكون أسبق من استجداء شطحات المتصوفة، ولن تنفع هذه الشطحات أحدا إذا كان عديم القريحة الشعرية، ولذلك يبدو أنه لا حاجة لتصدير الدواوين الشعرية بأقوال بعض المتصوفة الكبار مثل النفري، أو الحلاج، أو ابن عربي… والشعر المثبت في الديوان عديم الشعرية، والذوق. وهذا يصدق على كثير من التجارب الشعرية الواردة في عدد من الدواوين العربية، التي تفتقر إلى النضج الشعري، وتفسد اللحظة الشعرية بالجمع بين سمو المقال الصوفي، وبين دونية الشعر الوارد في الدواوين.
وقد أشرت إلى أن القريحة الشعرية للمبدع الشاعر ” عبد الرحمن زوزيو ” لا تحتاج إلى مزايدة، فهي شفيفة، رقيقة، معطاء، مورقة، مزهرة، وقد قمت بإثبات ذلك في المقدمة التي وضعتها لديوانه هذا ” عرس موتي “، وحتى في التجربة الصوفية يتوفر الشاعر على طاقة منتجة، منسجمة، ومتناغمة مع التوجه الصوفي المعتمد في قول الشعر، ونظمه. يقول الشاعر في قصيدة ” سكبت ” ( ص.70 ):
سبكت كلامي على شكل عشق فنلت سبيكة سكب الغرام
دعاني هوى فانتشيت لكــــوني رأيت حبيبي كبدر التمام
وقلت أحــــــــــب إلهي، لفرط هواه سأروي جنان الهيام
الشاعر المبدع في تجربته الشعرية الصوفية يشتغل بلغة تنهل من الجميل الذي علينا أن نقدره جيدا، وننحني له إجلالا، هذا الجميل من شدة جماله، وبهائه يستعصي على التوضيح، والبيان اللغوي بالكلمات، والعبارات، فهو يتوفر على علامات تحيل على طاقة إيجابية، ما ورائية، بها قبس نوراني، ورعاية إلهية… يقول الشاعر في قصيدة ” جميل ” ( ص. 71 ):
جميل ولو غاب فجر نــراك ضياء وما بعد نورك نور
لك الشمس تحنو فتدعو الإله هداية نجم نراه يجـــــــور
للشاعر لمسات شعرية صوفية موفقة، فنحن نرى كيف يعمد في نظمه إلى الخروج عن القاعدة، والمألوف في بناء الخطاب الشعري الصوفي، وذلك عن طريق تشغيل أسلوب لغوي فيه نكهة خاصة، وكلمات غير عادية خارجة عن المألوف، كما يشتغل الشاعر باستعمال كلمات مركبة، ومزدوجة، وأحيانا غريبة ونادرة، بالإضافة إلى بناء صور شعرية تستدعي المجازات، والاستعارات بتعقل، واتزان، بمعنى دون إفراط، لكي لا تتحول هذه الصور إلى نسيج مبتذل، وغير مستساغ. يقول الشاعر في قصيدة ” هو الوجد ” ( ص. 70 ):
وما خب خيل أثار الغبــــار ولا نقع حفـر أهاج الديار
هو الوجد يكشف وقع الندى على خد ورد يريد البهار
وما ذاك هذي ولا ذا خيــال بل الود سحر يهيج البحار
إن الشعر عند المبدع ” عبد الرحمن زوزيو ” في ديوانه ” عرس موتي ” موضوع الدراسة مخاض نفسي، وروحي، اخترق ذاته، وأطبق على وجدانه، فكان الخلاص شعرا منظوما يكرس أبعادا جمالية أكثر نعومة، ورقة، بواسطة لغة تحافظ دائما على وظيفتها التمثيلية التي تنقل العالم من وضعه الطبيعي إلى مثيله الذي يضاهيه، ويقدمه، ويفسره، بواسطة معنى محدد، ومعطى. حيث حتى في السياق الداخلي لألفاظ نعتقد أنها عديمة الفائدة، يوجد معنى صامت، يتحين الفرص من أجل إثبات صيغة تمثيلية جديدة. وهذه هي طبيعة اللغة الصوفية الداخلية التي اشتغل بها الشاعر المبدع ” عبد الرحمن زوزيو “، إذ كلما أقدم على فتح أقواس لغوية جديدة بواسطة كلمات، وعبارات خاصة، تعكس الكيان الشعري المضيء، والصامت، والمتأمل إلا وانبعثت منها جلبة مثيرة تحرر اللغة كما يرى الشاعر المبدع من القيود التي تكبلها، وتمنعها من تجديد اقتراحها لطرح دلالة تمثيلية جديدة.











