“اكتبوه ميتًا” تمثلات القمع ومقاومة الحياة في سردية الطفولة عند سعدني السلاموني

سعدني السلاموني

محمد فرحات
في الفصل الحادي عشر من رواية بين “الحياة والموت”، يضعنا الشاعر سعدني السلاموني في قلب حادثة مؤسِّسة، تشكِّل لحظة مفصلية في سيرته الوجودية، لا بوصفها مجرد ذكرى من الطفولة، بل باعتبارها النواة الأولى للوعي بالمقاومة، وبالذات، وبالمعنى. فـ”اكتبوه ميت” لم تكن جملةً عرضية قالها الأب، بل كانت صكَّ وفاةٍ رمزيّ، وإعلانًا مبكرًا بأن هذا الطفل ــ الذي لم يبلغ الخامسة ــ غير مرغوب فيه في معترك الوجود المأزوم، ومُلقى به خارج أسوار الدولة/المدرسة/الحياة.
لكن ما كتبه الأب على لسانه، تحوَّل إلى نبوءة معكوسة. لقد كتبه ميتًا، فبدأ الطفل يُولد. لم يعد الجسد الصغير الذي يُقذَف خارج سور المدرسة مجرد كائن ضعيف، بل هو البذرة الأولى لـ”المثقف العضوي” كما يسميه جرامشي، ذاك الذي ينطلق من قاع القاع ليواجه السلطة بكل تمظهراتها، أولها السلطة الرمزية للمدرسة.
تتحوَّل القرية في استهلال هذا الفصل إلى كائن أسطوري: قنفذ أو سلحفاة، عجوز شمطاء، تشبه الشمسية، تمنح وتمنع، تُدثِّر أبناءها وتلفظهم، وتصدر أوامرها للضوء والظلام. هذه الميثولوجيا الشعبية التي يصوغها السلاموني بلغة ذات شعرية مشبعة بالرؤية، تكشف عن بنية اجتماعية شديدة الصرامة، لا تعترف بالخروج عن النسق، وتعاقب التمرد بالعزلة والنبذ، مهما بلغ الخارج من نجومية أو علو.
ومن هنا، يتأسس التوتر بين الطفل وسلطة القرية، حيث تكون المدرسة هي الامتداد المؤسسي لها. المدرسة ليست مكانًا للتعليم، بل مصنعًا للموت الرمزي، دفتر تُدوَّن فيه أسماء “الأموات” الأحياء، و”فراش” مختص بإلقائهم خلف الأسوار. هذا التجسيد المسرحي للسلطة التعليمية يُعيد إنتاج منطق الدولة/السجن/المستشفى كما صوَّره ميشيل فوكو؛ حيث تنضبط الأجساد وفق قواعد صارمة، ويُستبعد من يخالفها.
لكن الطفل لا يخضع. إنه يقاوم بطريقته: بالعض، بالصراخ، بالرسم، بالحلم، ثم في لحظة ذروة رمزية، بالحجر. وهنا يتجلّى التحوّل: الحجر ليس مجرد وسيلة إيذاء، بل تعبير شعري مكثَّف عن الرفض. من الطفل الذي يهتف: “أنا حي، والله العظيم حي”، إلى القائد الذي يقود “العشرة الأموات” في معركة تحرير المدرسة بالحجارة، تتأسس الذات المتمردة في مواجهة مؤسسات “الاعتراف بالموت”.
والأهم أن هذا المشهد، ليس حدثًا معزولًا، بل هو “فلاش باك مؤسس”، ستعود صوره وتتكرر طوال حياة الشاعر، مع تغيّر وجوه السلطة: من الناظر إلى رجل الأمن، إلى الوزير، إلى الأجهزة الثقافية التي تحاصر المثقف وتستنزفه. تتكرر الخيزرانة، ولكنها في كل مرة تأخذ شكلاً جديدًا: مقالًا رافضًا، منبرًا مغلقًا، جائزة تُمنع، كتابًا يُصادر، أو تجاهلًا تامًا في دهاليز مؤسسات “الاعتراف الأدبي”.
إن الشاعر الذي قُيّدت قدماه في الخامسة ليرى نفسه يُجلد تحت عيون التلاميذ، يرفض منذ ذلك اليوم أن تُمسّ كرامته، أو يُرغَم على الانحناء. ولهذا، لا يبكي أمام ناهد، لأن البكاء في حضرة الحبيبة يساوي انهيار الكرامة. هذا التكوين المبكر لعلاقة الشاعر بـ”الكرامة” كقيمة عليا هو ما يفسّر لاحقًا اندفاعه في مشروعه الفكري ومقاومته العنيدة لكل أشكال الإقصاء والتهميش.
ومن حيث البناء، لا يفصل السلاموني بين الواقعي والأسطوري، ولا بين السردي والشعري. فاللغة ذاتها تتلون بلون المشهد: من نثرٍ سردي واقعي، إلى استعارات ملتهبة، ثم إلى مشهدية عالية الحركية. المدرسة تتحول إلى ساحة حرب، والمعلمون إلى “فراخ بيضاء لا تهشّ ولا تنشّ”، ثم إلى “مصارعين على الجسد الصغير”، في تشبيه ساخر مرير، يجعل من الفصل لوحًة تشكيلية ناطقة، لا ينقصها سوى التوقيع.
وإذا كان الأب قد كتب ابنه “ميتًا” لينقذه من عبء المصاريف، فإن الابن كتب نفسه “حيًّا” بكل الوسائط الممكنة: بالدم، بالحجر، بالقصيدة، وبالموقف. وكأن الفصل كله إجابة حية عن سؤال: كيف يخلقنا الألم؟
إن هذه الرواية في بُعدها العميق، ليست مجرد قصة طفل طُرد من المدرسة، بل هو مرآة لتاريخ طويل من الطرد والتهميش الذي يطال كل من يقول “لا” في وجه النسق. وهو حجر صغير يُقذَف في عين سلطةٍ عمياء، لكنها لا تسقط… فقط ترتبك للحظة، ثم تعود لتطاردك.
ولكن، وكما يقول السلاموني في بداية الفصل: “هاحط كوبري يعدوا عليه الميتين للصاحيين، والصاحيين يروحوا للميتين” — لعل الكتابة هنا هي هذا الكوبري، الذي يعبره الميت الذي “دوَّنوه” في الدفتر، ليعود حيًّا، شاهراً حجره وقلمه، يروي الحكاية.

 

محمد فرحات

57 مقال
كاتب وروائي مصري

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع