د. رضا عبد الرحيم
هذا العمل المسرحى: رأيت خياله في المنام للكاتب حسام الدين شلبى، يمتلك بناءَ دراميا مثيرا للاهتمام ولاهثا أيضا، وهو يميل أكثر نحو المدرسة السريالية منه إلى العبث، وإن كان يتكئ في بعض جوانبه على الفانتازيا السياسية إن جاز التعبير. والمقصود بالسريالية هنا هي مدرسة ما فوق الواقع ؛ وهى تهدف إلى دمج عالم الأحلام بالواقع لإنشاء واقع جديد ومطلق.. نقرأ هذا الحوار الرئيس في العمل:
محمود(البطل): إنت بتيجى لى دائما في المنام. سوزان: وأنا بحلم بيك كل يوم(ص42)،…..،كارم(ضابط كبير في المخابرات): يضحك، لا، انتى اللى عندى في بيتى، أنا مش عارف دا حصل أزاى، دى حاجة ولا في الخيال. سوزان( عميلة مخابرات مصرية/فرنسية): فعلا دى حاجة أشبه بالمعجزات(ص61).
جاء اللقاء الأول بين بطلى العمل في الحلم المتكرر ثم تقابلا صدفة، والصدفة هنا تشبه الصدف الميتافيزيقية التي يفضلها السرياليون – تقريبا كل العلاقات بين أبطال العمل كذلك- حيث لا يخضع الحدث لمنطق الأسباب والنتائج التقليدية، بل لمنطق الحلم.
ونلاحظ أن البطولة في هذا العمل بطولة نسوية، حيث تقوم المرأة بالدور الفعال في سير الأحداث، ويأتي دور الرجل ثانويا بل نستطيع القول إنه مهمش..فمع ظهور سوزان في حياة محمود داخل شقته في الحى الشعبى ساهمت في كسر المنطق المادى لكل أحداث العمل. فعل المستوى الفردى في حياة محمود بعد أن تزوجها تحول سريعا من شخص مغمور(كاتب روايات ) إلى شخص مشهور وعالمى! ومن شخص خجول إلى شخص اجتماعى! ومن شخص جبان إلى شخص شجاع(ص 93: ص 97)، ويقر هو بكل ما سبق قائلا: فعلا، كل ده بفضل سوزان دايما هي سبب نجاتى وسعادتى(ص98).
وعلى المستوى الجمعى نجحت سوزان في التصدي لظواهر اجتماعية سلبية في الحى الشعبى، فشلت الحكومات المتعاقبة في إيجاد حلول ناجعة لها حتى الآن ! مثل: ظاهرة المرض(ص 56)، ظاهرة النقل العشوائى بالتوك توك(ص63)، ظاهرة انتشار المخدرات(ص65)، التلوث الضوضائى بأصوات الباعة الجائلين(ص 64)، ظاهرة خطف الأطفال(ص 68). نقرأ سوزان: أنا اشتريت بيت كبير، سبع أدوار هنا في الحارة- لا يوجد بيوت بهذا العدد من الأدوار في أي حارة مصرية!- إن شاء الله بكره هاوريكم المكان عشان نعلن لأهل الحارة أن فيه وفد طبى كبير هاييجى من فرنسا أول الشهر عشان يعالج أهل الحارة وخصوصا الفقراء والمحتاجين منهم- فكرة القوافل الطبية وهى فكرة عتيقة!-(ص 56) .
ولا تتوقف البطولة النسوية على شخصية سوزان فقط ، نجد أيضا شخصية حنان( عميلة المخابرات المصرية) وجارة محمود في نفس الحى الشعبى، والتي تنجح في الكشف عن ما يحاك ضد مصر من مؤامرات خارجية كذا المؤامرات الداخلية على أسرة محمود وزوجته والحى الشعبى كله . نقرأ حنان: أيوه، مطلوب من أعضاء التنظيم يلموا الدولار في مصر وبأعلى سعر، المطلوب أن الدولار يوصل لميت جنيه في أقرب فرصة. كارم: ايه؟! ميت جنية؟ دا أكيد الأسعارهتولع نار زيادة ما هي مولعة، ناس كتير مش هاتعرف تشترى أي حاجة. حنان: وهو ده المطلوب، التنظيم عارف أن الناس في مصر عاقلة ومش ممكن يدخلوا في اقتتال داخلى مهما حصل، عشان كده عايز يجوعهم ويبهدلهم لحد ما يضطروا يثوروا.(ص 57).
وعلى المستوى الداخلى تنجح حنان في إنقاذ أسرة محمود ، نقرأ حنان: أنا مبسوطة قوى إنى كنت عند حسن ظنكم، جوزى وجيمى وكوهين اتفقوا على الانتقام من سوزان ومن كل الناس اللى بيساعدوها، وحتى أنت يا كارم باشا بقيت في قايمة المستهدفين ، وعشان كده خلوا مدير دار النشر يُهدى محمود موبايل مزروع فيه متفجرات،…، الانفجار كان هيبقى شديد وكان هيحول الجميع إلى أشلاء (ص 102).
ثم تتعدى البطولة النسوية الشخصيات الرئيس في العمل ، ليطرح المؤلف نموذج من البطولة النسوية الجماعية داخل الحى الشعبى في التصدي للأرهابى المدعو” جيمى” !!
يأتي العديد من النساء من كل حدب وصوب، يخلعن أحذيتهن وينهالوا بها على “جيمى” فيقع على الأرض، تستمر النساء بضربه بالأحذية بكل قوة وضراوة، يصرخ مستغيثا، لكن لا حياة لمن تنادى( تنطفىء الشاشة)
كارم: أكيد هايحرم يعتب الحارة تانى . نبيل: طول عمرهم وهمه فاكرين أن احنا عبيد عندهم . سوزان: مش عارفه ليه، مع إننا أصحاب الحضارة والتاريخ. نبيل: واقفين لنا بالمرصاد وعايزين يوقعونا ، بس مع مين؟(ص92).
ورغم الدقة المتناهية في حصر أعداء الوطن في الوقت الراهن، والإشارة إليهم بأسماء صريحة لا تخفى على أحد مثل: المرشدى، جيمى، وكوهين، وأبو جاسم، إلا أن العمل شابهُ وجود الكثير من الشخصيات الثانوية التي كان من الممكن الاستغناء عنها..بل إن بعض الشخصيات الرئيسة أيضا نجد أن دورها في العمل باهت، مثل نبيل صديق محمود وزوجته الفرنسية صوفى.
كما ظهر جليا اعتماد المؤلف على تقنية السنوغرافيا الرقمية ، وهى ليست عنصرا أساسيا في كينونة المسرح ، بل هي عنصر مُكمل أو خيار جمالى وتقنى عوض عن الديكور التقليدي مثلا. واعتقد أن هذه التقنية سوف تشكل عبئا على المسرحية، لأنها تأخذ مساحة كبيرة من العمل، بحيث يخيل إليك وأنت تقرأ العمل أنك أمام فيلم سينمائى لا عمل مسرحى.















