أ.د. وجيه ضاهر
رواية المساخر، للكاتب عادل فيصل زعبي، صادرة عن دار الفارابي، بيروت، لبنان، أيلول 2025، وتقع في 542 صفحة من القطع المتوسط. تجري الرواية في محافظة العراق وكذلك في القدس، عاصمة الدولة العربية المترابطة. الزمان هو مستقبلي، ولكن غير مذكور في الرواية التاريخ الدقيق للأحداث، ويمكن تفسير ذلك بعدم أهمية التاريخ الدقيق اذ أنّ الأحداث يمكن ان تجري بأي زمن مستقبلي بشرط قيام دولة عربية واحدة. أحداث الرواية تجري في يوم واحد.
سوف نتحدث عن أساليب ولغة السرد في الرواية. تصف طه (2022) السرد، قائلة:
فالسرد هو: دراسة القص واستنباط الأسس التي يقوم عليها وما يتعلق بذلك من نظم تحكم إنتاجه وتلقيه أو كما ذكر د . عز الدين إسماعيل بأن ” نقل الحادثـة مـن صورتها الواقعية إلى صورة لغوية “أي أن السرد هو الوسيلة الفنية لـدى المؤلـف والتي عن طريقها يتم نقل الحدث إلى المتلقي والتي يتم بها تقديم العمل الفني.
أي أن السرد هو فن ” التعبير بالألفاظ عن الوقائع ليبين لنا الصورة المتخيلة إلى الصورة اللغوية من خلال نقل الجزئيات مع الأحداث، ويعتبر السرد مـن الأدوات الفنية كما ذكرنا آنفاً (ص 2971).
القسم الأول من وصف السرد أعلاه يتعلق بأساليبه، بينما القسم الثاني يتعلق بلغته، ولذلك سوف نتطرق إلى كليهما.
أساليب السرد:
قضية أساسية أولى في أساليب السرد هي نوع الراوي الذي يقصّ القصّة. دو جونع (de jong, 2004) تصف أنواع الرواة في السرد حسب بعدين: نوع السارد ومستوى السارد. أدناه نصف كلا من البعدين.
البعد الأول هو سارد داخلي مقابل سارد خارجي، حيث تقول: إن أول سؤال يجب أن يطرحه المرء على نفسه هو ما إذا كان السارد شخصية في قصته أم لا، فإذا كان كذلك، فإننا نتحدث عن سارد داخلي، وإذا لم يكن كذلك، فإننا نتحدث عن سارد خارجي. لقد جرت العادة على تسمية الساردين الداخليين بـ “سارد بصيغة المتكلم”، لكنه مصطلح أقل توفيقاً؛ وذلك لأن الساردين الخارجيين يمكنهم أيضاً الإشارة إلى أنفسهم بضمير “أنا”، كشهود مثلا “حدثيني يا ربة الشعر عن ذلك الرجل” التي وردت على لسان السارد الخارجي في ملحمة الأوديسة. ولذلك، فإن وجود هذا الضمير ليس معياراً حاسماً للتمييز بين أنواع الساردين.
البعد الثاني الذي يجب النظر إليه حين تحديد أنواع الرواة، حسب دو جونغ (2004)، هو مستوى السرد، وهنا يوجد عدة مستويات: السارد الأولي (Primary Narrator) هو السارد الذي يروي القصة الرئيسية، وعادةً ما يكون صوته هو أول صوت نسمعه عند بداية القصة. ويوجد السارد الثانوي (Secondary Narrator)، حيث قد يسلم السارد الأولي مهمة عرض الأحداث إلى إحدى الشخصيات التي تروي بدورها قصة ما بأسلوب الخطاب المباشر، وفي هذه الحالة نتحدث عن سارد ثانوي. المستوى الثالث هو مستوى السارد من الدرجة الثالثة (Tertiary Narrator)، ويظهر هذا السارد عندما يقوم السارد الثانوي بتضمين محكية أخرى داخل سرده الخاص، عندها نكون بصدد التعامل مع سارد من الدرجة الثالثة، وهكذا دواليك.
قضية أساسية ثانية في أساليب السرد هي الحوار، وينقسم إلى بعدين أيضا. البعد الأول هو حوار خارجي مقابل حوار داخلي، والبعد الثاني هو حوار مباشر مقابل حوار غير مباشر. طيبون (2018) تسمي الحوار الخارجي حوارا ثنائيّا تناوبيّا، وتصفه بأنه الحوار الذي تتناوب فيه شخصيتان أو أكثر الحديث داخل النص القصصي بطريقة مباشرة. تقسم طيبون الحوار الخارجي إلى ثلاثة أنواع: الحوار المركب (الوصفي /التحليلي)، الحوار الترميزي والحوار المجرد الخالي من الوصف والتحليل والترميز. في الحوار الوصفي التحليلي، تعتمد الشخصيات على الوصف الدقيق وإبداء الرأي، ومن خلال هذا النوع من الحوار، تحدد الشخصية وجهة نظرها وموقفها. بالإضافة إلى ما تقدّم، الحوار الترميزي هو الحوار الذي يميل إلى التلميح والإيحاء بعيدا عن المباشرة، وكثيرا ما يستخدم التشبيهات. الحوار المجرّد هو حديث يحدث فيه ردّ فعل سريع أو إجابة سهلة أو تبادل كلمات لا تحتمل التأويل المتعدد.
الحوار الداخلي هو خطاب الشخصية مع نفسها، أي أنه حوار فردي، وينقسم إلى حوار استرجاع، مونولوج، ومناجاة النفس. حوار الاسترجاع هو استدعاء أحداث الماضي لتوضح الحاضر. المونولوج يصف نفسيّة الشخصيّة، أما مناجاة النفس، فهي تفكير الشخصيّة بصوت عال.
الحوار المباشر هو حوار يشهده القارئ بين شخصيات الرواية دون وساطة أحد، بينما الحوار غير المباشر هو حوار بين شصخيات ثانوية، بحيث ترويه إحدى شخصيّات الرواية.
نبدأ بتحليل صفات الراوي في رواية المساخر للكاتب عادل زعبي. سوف نحلل الراوي في هذه الرواية حسب بعديه أعلاه. في هذه الرواية، تختلف صفات الراوي من حدث الى حدث. من بينها يبرز الراوي الخارجي والراوي الداخلي. يظهر الراوي الخارجي في أكثر من موقف. سوف نصف حالات ظهور هذا الراوي. الحالة الأولى هي حين يصف صفات الشخصيّات، مثل وصف شخصيتيّ بدر وتحسين (صفحة 131): “شابان متيقنان أنهما، مهما حدث معهما، دائما في النهاية بإمكانهما تدبر امريهما……..” أو وصف شخصية جوليا وقدراتها (ص 161-162).
حالة ثانية لظهور الراوي الخارجي هو الحديث عن الأصوات الداخليّة لشخصيات الرواية، مثلا الحديث عن الصفات الداخليّة لبدر: “طالما خاطبت هذه الأصوات الداخلية الناس عند البدايات، وطالما تجاهلوها وظنوا انها مجرد شعور خفيف بالتردد، لا أكثر” (صفحة 135)”.
حالة ثالثة لظهور الراوي الخارجي هو وصف عواقب فعل معين، مثل تجاهل الأصوات الداخلية، كما في النص التالي للراوي الخارجي: “أن السبب وراء ذلك، هو أنهم تعجلوا ولم ينتظروا حتى يتعلموا لغتهم الداخلية، وتجاهلوا مثل بدر، التحقق والاصغاء لنداءاتهم الداخلية” (صفحة 135).
حالة رابعة لظهور الراوي الخارجي هو تفسير مشاعر أشخاص الرواية، مثل تفسير عالم جوليا الداخلي: “لدى جوليا حاجة للشعور انها مهمة، ومؤثرة أكثر من الآخرين لكي تجعل جميع من ابتعدوا عنها يشعرون بالأسف” (صفحة 161).
من صفات الراوي الخارجي أنّه يحاول أن يكون حكيما أو عارفا، مثل حديثه التالي عن النداءات الداخلية: “هناك للنداءات الداخلية صدى، وهناك خلف الصدى، صوت خافت، يشكو، من خلال بعث نسمات باردة. أكثر الناس حين يشعرون بها يعتقدون أنها من الخارج، مع أنها من أعماقهم التي لم يصبروا عليها حتى تتكامل بداخلهم ….” (صفحة 221).
من ناحية بناء الرواية، الراوي الخارجي يظهر أحيانا في بداية الفصل كراو حكيم أو عارف، وأحيانا يظهر كواصف لما يحدث وخصوصا بعد الحديث الداخلي الشخصي، حيث يظهر عدة مرات بهذه الصورة في الفصل التاسع. مثلا، يقول الراوي الواصف: “هذا شيء مما كان بدر يخاطب نفسه به منذ أن مشى خلف الحارس، إلى أن شاهد المسؤول يخلع نظاراته قائلا للحارس الذي يرافقه: دعه يجلس عند المقعد تحت ظل الشجرة، واذهب أنت (صفحة 445).
النوع الثاني من الرواة، كما ذكرنا أعلاه، هو الراوي الداخلي الذي يروي عن طريق الشخصيّة في الرواية، وذلك عن طريق محادثة النفس. يظهر هذا الراوي مثلا في حديث جوليا لنفسها، قائلة: “مرتاح حبيبي، وحهه ضاوي. وشريكه هذا اسمه تحسين، يبدو ابن ناس. فرمان عائلة كبيرة، يليق به العز حبيبي” (صفحة 138)، ويظهر لدى بقيّة شخصيات الرواية، مثلا هاني يحدّث نفسه: “هل أكلم بدر، أعتذر له، لأني شتمته؟ بدر موضوع امه حساس بالنسبة اليه. يزن لن يجيب إن كلمته ….” (صفحة 189-190).
النوع الثالث هو الراوي المتسلسل الذي يبدأ كراو داخلي، يروي عن طريق الشخصية، ثمّ يأتي بعده راو خارجي يروي عن الشخصية. يحدث هذا عندما تفكر الشخصية بصوت عال، ثم يتحدث الراوي عن تفكير الشخصية. مثال على ذلك حديث رئيس الدولة المترابطة مع نفسه، ثم تدخل الراوي ليقول: “هذا شيء مما كان يتقلب بداخل رأس جابر يحيى خلف، عند معاودة مهاتفة زوجته وداد” (ص 269).
النوع الرابع هو الراوي الذي لا يروي عن طريق الشخصية مع انه يروي وكأنه الشخصية. هو راو يتصرف كراو خارجي ولكن كلامه يشبه كلام الراوي الداخلي. هو يتحدث عن شخصيات الرواية بضمير الغائب ولكن حديثه يكن أن تقوله إحدى شخصيات الرواية بضمير المتكلّم. لننظر إلى حديث الراوي عن جوليا: “جوليا تعلم أن أمها لا تريد أن تستمر القطيعة بينهما، لحظة واحدة بعد. متيقنة أن أها مثلها، مشتاقة لها كثيرا، تريد أن تحدثها عن وعن، بل عن ماذا هي لا تريد أن تحدث أمها” (صفحة 138). القول السابق يمكن أن تقوله جوليا عن نفسها، مع تغيير الضمائر بالتاكيد.
الرواية تبدأ بالراوي الخارجي، حيث نجده يفتتح الرواية بقوله: “النوم يهاجر عند الفترات الانتقالية. صحيح أن هذه ليست المرة الأولى التي ينام فيها بدر فاعور القاضي، ابن جوليا الشكري-القاضي خارج المنزل، إلا أنها لم تستطع التوقف عن التفكير فيه، تلك الليلة الحارة …” (ص 11)، وهو يعود ليظهر في مناسبات أخرى كما بينا سابقا. يجب التنويه ان الراوي يبدأ كراو خارجي حكيم، ثم يصبح راويا خارجيا يصف أحداث الرواية. أحيانا، مثلما هو الوضع في الفصل الثاني، يبدأ الراوي الداخلي الذي هو أحد شخصيات الرواية: “من سرق أحلام الناس؟ أرى في عيونهم جميعا شيئا مسلوبا منها …” (ص 18)، ثم ينتقل الى الراوي الخارجي الذي يعلق على تفكير الشخصيات وفي نفس الوقت الذي يصف أفعالهم: “مفكرا بكل هذا، كان جابر يحيى الخلف، رئيس الدولة العربية المترابطة، يروح ويجيء داخل مكتبه في القدس، وحيدا كعادته” (ص 19).
لنفحص البعد الثاني للراوي، وهو مسألة مستوى السارد، في رواية المساخر. أغلب الرواة في الرواية هم رواة من نوع سارد أوّلي. النوع الثاني قليلا ما يظهر. هناك حالتان يمكن اعتبار الراوي فيهما من المستوى الثاني. الحالة الأولى تحققت في المحضر الذي قرأه سامح لرئيس الدولة العربية المترابطة، حيث يعتبر سردا من الدرجة الثانية، لأنّ راويا من الدرجة الأولى (سامح) يحكي قصة مباشرة بلغة الحدث نفسه وليس نقلا عنه. هذا السرد هو سرد التحقيق الذي اجراه المحقق مع الشاعر جوني بعد دبر قتل مستشار رئيس الدولة العربية المترابطة.
قضية ثانية في أساليب السرد هي الحوارات التي دارت بين شخصيات الرواية. الحوار بين الأصدقاء طويل أحيانا، مثل ذلك الذي كان بين بدر وبين يزن، حيث استغرق الصفحات 47-122. سوف نصف الحوار الخارجي أوّلا، متحدّثين عن أنواعه الثلاثة: الحوار المركب (الوصفي /التحليلي)، الحوار الترميزي والحوار المجرد الخالي من الوصف والتحليل والترميز.
نبدأ بالحوار الوصفي التحليلي الذي يظهر الشخصيات، بحيث يسهل على القارئ تحليلها. يقول بدر ليزن (صفحة 49): “إسمع يزن، لا تبدأ بالمواربة الآن وعك الكلام، تارة تقول لي حساس، وتارة عائلته متواضعة، ثم : أعرتك “أعرتك لعبة ا”لمارد القزم””، نعم لقد أعرتني إياها ساعة يا نذل، بعدما رجوتك سنة، وليتك حتى تركتني أهنأ فيها باللعب وحدي …”. من الحوار السابق، تظهر صفات شخصيّة يزن، فهو موارب وعاكّ للكلام، وكلامه مشتّت، فتارة يتحدث عن حساسية هاني وتارة يذكر أصل عائلته المتواضع، وفي نفس الوقت، يزن ليس مخلصا لصديقه بدر، فقد بخل عليه بلعبة المارد القزم.
قليلة هي الحوارات الرمزيّة في الرواية وهذا شيء متوقع، لأنّ أغلب شصخيات الرواية هي شخصيات حياة يوميّة. أحيانا، الشاعر جوني يستخدم بعض الرموز وأحيانا تفعل ذلك جوليا لتصف جارتها. مثلا تقول جوليا لفاعور عن جارتها (صفحة 375): “إنتظر، أنا سأبصق في وجهه هو وزوجته السحليّة، لأضع لهما حدا”. وصف الجارة بالسحليّة رمزي، ومعناه يكمن في المعاني المختلفة المرتبطة بالسحليّة، وأهمّها الحركة السريعة والتلصّص، أو الحركة السريعة التي تمكّن من التلصّص.
جزء من الحوار بين جوليا وبين جوني هو خال من الوصف والتحليل والترميز. أدناه مثال على هذا الجزء (صفحة 155).
– سلامتك جوليا. أنت مع هذا، حين يأتي لأخذها هاتفيني، أو أرسلي لي رسالة أفضل، لأنه قد أنشغل بأمر ما، تمام؟ أسمعي، ما رأيك أن ترسلي لي صورة أراك؟ مر زمن، أريد أن أرى كيف أصبح شكلك، قبل أن تطرقيني هههههه.
– ماذا؟
– لا تقلقي، أنا متيقن أنك ما زلت جميلة، لكنني أريد أن أراك. هيا، أرسلي لي صورة لزيزة هكذا، اشتقت إليك. أريد أن أرى كيف أصبح شكلك.
لا نعرف الكثير من شخصيّة جوليا من الحوار السابق، وإن كنا نتعرف على صفات، ولكن قليلة، لجوني.
من ناحية مباشرة وعدم مباشرة الحوار، الأمر يشبه مستوى السرد، فالسرد من الدرجة الأولى يحتوي على سرد مباشر، بينما السرد من درجات تالية يحتوي على سرد غير مباشر.
قضية ثالثة ذات علاقة بأساليب السرد هي قضية الثيم المتكرّرة في الرواية، ومنها ثيمة الباذنجان، ثيمة البراز وثيمة الاختلاف بين الحاضر والمستقبل.
تظهر ثيمة الباذنجان عندما يتحدث بدر وتحسين عن الشطائر التي تباع في كشك العفن. يقول تحسين لبدر:”رائحة الشطائر، بدر، شيء فوق العادة. أنا لو لم أشاهده يضع الموز بداخلها، متا زتتا لأت عذل باذنجان بالتأكيد ههههه” (ص 219). رئيس الدولة يذكر أهمية الباذنجان للدولة وبالتالي يريد أن يصنع يوما احتفاليا له بالرغم من عدم توفره في الدولة. المرّة التالية التي يذكر فيها الباذنجان هي المقابلة مع القناة الكوبية الإخباريّة حيث تسأل المذيعة رئيس الدولة عن اقتراب عيد البابا غنوج دون توفر الباذنجان في الدولة (ص 276). يظهر الباذنجان مرة أخرى عندما يخبر سامح الرئيس جابر عن أكثر صنفين من الطعام يحبهما، وهما الباذنجان والبامية (ص 353).
تظهر ثيمة البراز أكثر من مرّة. المرّة الأولى التي ظهرت فيها كانت عندما شاهد بدر البراز على منشفته بعد اضطراره إلى البقاء خارج بيت المستراح خلال المحادثة الطويلة مع يزن: “امتعض بدر قليلا حين شاهد أن بعض قطع البراز قد طالت وجه نانا المطرز على المنشفة” (صفحة 123). المرّة الثانية التي ظهرت فيها ثيمة البراز كانت حين نظف رئيس الدولة نفسه من البراز. يقول: “سأضع يدي عند حوض المغسلة وأنظف. كلها قطعة براز واحدة جافة التي سقطت” (ص 275). المرة الثالثة التي ظهرت فيها الثيمة هي عندما يقول الملك فيليب للرئيس جابر: “بل برازا على رأسك. لم تسمع شيئا بعد” (صفحة 339). المرة الرابعة التي ظهرت فيها ثيمة البراز هي حين يشبّه بدر شخصيّة الطالبة أمل الجالس بجانبها ينتظران خطاب الرئيس، بشخصيّة أوليفيا في فيلم “أهل بركان البراز”، أي تظهر الكلمة في اسم فيلم.
ثيمة الاختلاف بين الحاضر والمستقبل لا تطفو على السطح كما ثيمة الباذنجان وثيمة البراز. تظهر ثيمة الاختلاف بين الحاضر والمستقبل بالأساس في اختلاف وضع الدول. أوّل اختلاف هو وجود الدولة العربية المترابطة، فلا دولة عربيّة مترابطة في الحاضر. ثاني اختلاف هو اختلاف وضع الدول الاقتصادي، فمثلا أفعانستان هي دولة غنيّة ودولة العلم، بينما بلجيكا بلد مجاعة، أمّا أمريكا ففيها مجاعة (ص 355). ثالث اختلاف اخر هو أيّة دولة تدعم الأخرى، حيث الأفغان يققون خلف ملك بريطانيا (ص 348). رابع اختلاف هو عدد الأبحاث الصادرة من قبل جامعات العالم، حيث عدد الأبحاث الصادرة عن جامعة القدس هو أضعاف مضاعفة لعدد الأبحاث الصادرة عن جامعات كل دول أوروبا (ص 434).
قضية رابعة في أساليب السرد هي التفاصيل. السّرد في رواية “المساخر” مليء بالتفاصيل. فيما يلي بعض حالات هذه التفاصيل.
تفاصيل الحياة الزوجيّة، مثلا تفاصيل الحياة الزوجية بين فاعور وبين جوليا: جوليا تسأل فاعور إن أخذ الحبّة التي تعطيه القوّة الجنسيّة (صفحة 12). ذلك الحديث بينهما مليء بالتفاصيل التي تجعل القارئ عارفا لتفاصيل ما يحدث بينهما.
تفاصيل الصفات الجسدية: مثلا تفاصيل خاصة بتحسين الفرمان زميل بدر في غرفة سكنه في الجامعة (صفحة 40). تفاصيل جسدية أخرى هي تفاصيل خاصة ببدر و هو يحاول أن يرسم اللطافة على وجهه (صفحة 124)
تفاصيل مجريات اللعبة: مثلا تفاصيل خسارة يزن وهاني لعجائب اللعبة (صفحات 50-51)، أو تفاصيل مجريات اللعبة حين ربح يزن للعجائب (صفحات 52-56).
لغة السرد:
تقول بن خروف (2015) بأنّ مسألة اللغة في الرواية العربية تكاد تكون مغيّبة مقارنة بباقي مركبات السرد من بنية زمنية ومكان وأحداث وشخوص. في الآونة الأخيرة، الاهتمام بلغة السرد يتزايد (بدرة، 2021). حسب بن خروف (ص 10)، فإن عبد الملك مرتاض (2015) حصر أشكال اللغة في ثلاث: أولا اللغة البسيطة، والتي تلعب دورا هاما في تقديم الشخصيات ووصف عناصر ومشاهد وسياقات الرواية. ثانيا، اللغة الحوارية ويشترط شرطان لتحقّقها، أوّلهما هو الاقتضاب والاختصار والتكثيف على غرار اللغة الكلّية، وثانيهما هو أن تتبع لغة السرد وتتماهى فيها إلى حد بعيد. ثالثا، المناجاة حين تعيش الشخصية عالمها الخاص وأجواءها النفسية المختلفة.
إحدى قضايا لغة السرد هي استخدام اللغة، وأي نوع لغة تستخدم شخصيات الرواية. في الرواية الحالية يوجد دمج بين اللغة والفصحى واللغة العامية. مثلا، يجيب بدر امه، قائلا: “لست غاضبا، لكن كان يجب أن تهاتفيني، نعم. كل النهار تهاتفيني، وعندما ينبغي ان تهاتفيني لا تهاتفيني” (صفحة 147). حدوثان للفعل “تهاتفيني” يأتيان بصيغة اللغة العامية. مثال آخر هو عندما يقول هاني لأمه: “دعينا نأكل اليوم كما يجب، وننصح، أنظري إلى وزني” (صفحة 195). هنا ننصح هو فعل أقرب إلى العامية. هاني يقول لأمه أيضا: “أحضنيني يمة. هل سوف تحضنيني لأننا سوف نشتري نصف كيلو كبدة؟” (صفحة 196). حدوث واحد من فعلي “احضنيني” حكمه كحكم “تهاتفيني”. لنقرأ أيضا ما قاله رئيس الدولة المترابطة لسامح سكرتيره: “حين اجلس تكون جالسة، …” (صفحة 267).
قضية ثانية ذات علاقة بلغة السرد هي لغة الشتم. أحيانا، يحتوي الحوار بين الأصدقاء على لغة الشتم، بمحبة أو بغير محبة. يزن يعبر عن ضرورة الشتم بين الأصدقاء بتوجهه إلى بدر، قائلا: “الأصدقاء الحقيقيون مهما حدث بينهم، تبادلوا الشتائم” (صفحة 76).
أحد مصطلحات لغة الأصدقاء التي تشير إلى الشتم هو “البصاق”. بدر يقول ليزن: “وبصاق يملأ وجهك يزن. ما أنذلك! ماذا تريد مني؟ هل تريد أن أخبرك أني قدر امك مثلا؟” (صفحة 75). مصطلح ثان هو “الحقارة”. بدر يقول ليزن: “أما أنا، فلا أعتقد بوجد شخص في حقارتك”. مقابله، نجد مصطلح “حبيبي” والذي يأتي مقابل لغة الشتم وليخفّفها. يزن يجيب بدر: “حبيبي أنت. حسنا بدر، دعنا نرجئ هذه المجادلة الجميلة، لوقت لاحق”
قضية ثالثة ذات علاقة بلغة السرد هي التعابير الجنسية. الحديث بين شخصيات الرواية وليس فقط بين الأصدقاء يحتوي على تعابير جنسية ومنها أسماء الأعضاء الأنثوية والذكورية. الأعضاء الذكرية والإنثوية، مثل الفرج والقضيب، تظهر في تعابير مثل: “بنقاوة فرج أمك”، مثلا بدر يخاطب يزن قائلا: “يزن، بنقاوة فرج أمك، خلصنا من هبلك الآن، وركز في الموضوع” (صفحة 86). بدر يخاطب يزن، حيث هذه المرة جملة النقاوة هي بلغة المتكلم: “مجنون أنت، بنقاوة فرج أمي، أنت مجنون” (صفحة 88). هذه النقاوة طالت أيضا فرج الجدّة، عندما يزن يجيب بدر قائلا: “أعرف ما الذي تريد قوله، سوف اتابع. مختصر مفيد. فهمت، بنقاوة فرج جدتي فهيمة، فهمت” (صفحة 106). وهي طالت أيضا فرج الأخت، حين يحلف يزن لهاني “تعلم أني اقسمت بنقاوة فرج اختي، بأن لا أدخلك إلى منزلنا مجددا” (صفحة 170). كلّ ما سبق كان عن نقاوة الفرج ما عدا عندما سامح أخبر عن الملك فيليب أنّه قال للرئيس الكندي إنّ فرج أمه وسخ (صفحة 320). الملك فيليب نفسه يقول للرئيس جابر: “نظف فرج زوجتك الوسخ أولا. سوف أجعل جميع الذين في الزفاف يبصقون بداخله، سوف ترى” (ص 339).
عضو اخر هو القضيب، حيث يزن يتوجه إلى بدر قائلا: “سوف أقطع قضيبي من مكانه وأطعمه للقطط، إن لم يكن هاني هو الذي قال لك هذا الكلام” (صفحة 108). تحسين يقول لبدر: “ههههههه، تلعق قضيبي” (ص 216). رئيس الدولة المترابطة يتحدث أيضا عن القضبان عندما يصف صورة جوليا: ” نعم تبدو تحب بلع القضبان” (صفحة 268). ملك إنجلترا، فيليب يتحدث أيضا عنها: “لو عرف أبي جلالة الملك جورج الخامس أنه سيجيء يوم ينتظر فيه ابنه ساعة على الخط، كان قطع قضيبه قبل مجيء تلك الليلة المشؤومة التي أنجبني فيها ههههه” ( ص 325).
قضية رابعة ذات علاقة بلغة السرد هي مصطلحات الطعام. يقول بدر ليزن: “لا تتناذل، وتتمسك في أمور فارطة، ليست بيننا، ليست مثل شخصين مثلنا، سحلب وماء. سحلب وماء نحن يا صديقي، معا في الكأس الواحدة” (صفحة 109). يزن يقول لهاني: “الشخص الذي لا ينخرط معي في السراء والضراء، كما ينخرط السحلب مع الماء الساخن او البارد، لا حادجة له في حياتي” (صفحة 177)”.
قضية خامسة ذات علاقة بلغة السرد لها هي غرابة الأسماء في الرواية. تبدو الأسماء غريبة، أو خارجة من بخار مرجل كثيف. منها اسماء مواقع للتواصل الاجتماعي، مثلا اسم موقع “ارخي حنكك” للتواصل الاجتماعي، والذي فيه الصفحة الخاصة لبدر الفاعور، وأيضا اسم موقع “صيد المعارف” الذي فيه صفحة خالة صانع الألعاب “سون يون” (صفحة 58). ثانيا، أسماء فرق غنائيّة، مثل “فرقة “الشلاعيط السمر” الإنجليزية في أغنية “المجاعة في بلجيكا مرارتي”” (صفحة 52). ثالثا، إسم العجائب في اللعبة هي أيضا غريبة، مثل “فأيقظت عجيبة “دموع الشبل في حلم الأسد” القادرة على استجداء النجوم المنفردة …” (صفحة 54). رابعا، أسماء الأفلام، مثل فيلم “أهل بركان البراز”، أو فيلم “العابثون بالأنف” (صفحة 465). خامسا، أسماء شركات لصناعة الألعاب، مثل شركة “البطيخة المكورة”. سادسا، اسم بعض العشائر، مثل عشيرة القردة. سابعا، أسماء شخصيّات مهمة، مثل فزعة الحافص وهي وزيرة لوزارة ذات اسم غريب أيضا وهو “المسالك الذهنية”.
قضية سادسة ذات علاقة بلغة السرد هي الاسم الواحد للمنتوج. كل من يشرب مشروبا خفيفا فهو يشرب فولا، وكل من يشرب الدخان فهو يشرب “مافروركي”.
في الدراسة الحاليّة، فحصنا أساليب ولغة السرد في رواية المساخر للكاتب عادل فيصل الزعبي، وفي كلّ من المركّبين نظرنا إلى عناصر مختلفة خاصة بهما. وجدنا أن الرواية تستخدم عدة أنواع من أساليب ولغة السرد، مما يدل على الإمكانيات الكبيرة الكامنة فيها. أبحاث مستقبلية يمكن أن تلتفت إلى لغة شخصيات الرواية والفرق في صفات هذه اللغة حسب الشخصيات المختلفة، أو الفرق في نوع اللغة، من فصحى وعامية، والتي تستخدمها كل من الشخصيات.
مصادر:
بدرة، قرقوى (2021). لغة السرد في رواية الأمير لواسيني الأعرج. مجلة النص،8(1)، 65-80.
بن خروف، سماح (2015). بلاغة اللغة الروائية في الفكر النقدي لـ : عبد الملك مرتاض؛الماهية والآفاق-قراءة في كتاب ”في نظرية الرواية”. مجلة اللغة الوظيفية، 2(1)، 21-33.
طه، حنان (2022). اللغة بين الحبكة القصصية وتحولات السرد: قراءة في رواية “ليالي الف ليلة” لنجيب محفوظ. مجلة الدراسات العربية، 45(6)، 2965-2997.
طيبون, فريال (2018). بنية الحوار في المجموعة القصصية (أعتقني من جنّتك) لآسيا رحاحلية. مجلة تنوير للدراسات الأدبية والأنسانية, 1(1), 36-44.
de jong, I.J.F. (2004). Narratological theory on narrators, narratees, and narrative. In I.J.F. de Jong, R. Nünlist, & A. Bowie, (eds.), Narrators, Narratees, and Narratives in Ancient Greek Literature. Brill.















