طيفها

art

وئام عادل

ليست مجرد امرأة، مثلها مثل المدن القديمة، تراها من بعيد فتأسرك.. من داخلك تظن أنك قادر على اكتشاف أزقتها، وما إن تقترب؛ حتى تجد أبوابها موصدة ونوافذها مغطاة بستائر مخملية لا تكشف شيئًا. قليلة الحديث، حذرة الابتسامة، في صمتها صدى حكايات لم تُروَ، لا تمنحك إجابة كاملة، لا تفتح قلبها كما يفعل العشاق، بل تكتفي بنصف نظرة، بنصف كلمة، فتُشعل داخلك ألف سؤال.

ليست مجرد امرأة، بل كتاب قديم بصفحاته رائحة الزمان، تفتحه على عجل، فتتطاير حروفه خشية أن تُكشف. لا تمنحك التفاصيل، لكنها تُلقي إليك فتات المعاني، كأنها تقول لك: “افهمني إن استطعت”.

عيناها لا تحكيان، فقط تُشير، كمرآة ترى فيها آثار ماضٍ لم يُكتب، وغيم مستقبل لم يُولد بعد، تمضي بجوارك لا تترك أثرًا، لكنها تبقى في، صوتها، إن جاء، جاء خافتًا، يشبه صوت الريح بين نخلتين في آخر الليل، حين تهمّ أن تسألها: “من أنتِ؟”، تضحك ضحكة قصيرة، فتشعر أنها تراك للمرة الأولى، وتمضي مسرعة كي لا يُمسك بها أحد.

هي المرأة التي لا تُقال، بل تُشعر، لا تُفهم، بل تُعاش، هي مدينة لا تدخلها بالجوازات، بل بالحسّ، حتى حين تفتح لك بابها، تكتشف أن الباب لم يكن لها أصلًا، بل كان في خيالك أنت، حينها تدرك أنك كنت تبحث عنها لتجد نفسك، ليست امرأة فقط، بل بلورة نقية، وضعتك أمام حقيقتك دون أن تقول كلمة أو تشير بإصبع، جلست إلى جوارك مرة، لا لتملأ وحدتك، بل لتُريك أن الوحدة أجمل من الحشود الزائفة، لم تمد يدها إليك، لكنها جعلتك ترغب أن تمد قلبك للعالم، أن تُحب دون شروط، أن تصمت دون خوف، أن تبكي دون خجل، هي الحنين الذي يسبق اللقاء، والحكمة التي تأتي بعد التجربة، حين تُغادرك، لا تفعل ذلك كمن يرحل، بل كمن يُعيدك إلى الطريق، ثم يختفي عند أول منعطف، لا تريد شكرًا، لا تودع، لا تلتفت، فوجودها ليس وعدًا، إنما لحظة هاربة من الزمن، وحين تنساها يومًا –أو تظن أنك نسيتها – ستمرّ بك نسمة، أو صوت، أو كتاب، أو طريق، فتلمح طيفها واقفًا على حافة الذاكرة، تبتسم لك نصف ابتسامة..

وتغيب.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع