أحمد عبد المنعم رمضان
اليوم هو الميعاد الشهري لزيارة والدي. استيقظت قبيل الفجر، مع أول تطاير للذباب بعد هدوئه الليلي، تجهزتُ قبل أن أفيق تمامًا واتجهت إلى قريته التى يقطنها على حدود العاصمة، قال إنه يجد هذا المكان مناسبًا لتلك المرحلة من حياته. اخترقت شوارع وسط المدينة وميدان التحرير، ثم عبرت إلى كورنيش النيل ومررت بالمعادى وحلوان، ظننت أن بابتعادي عن قلب العاصمة الصاخب وزحامها القاتل وسحبها السوداء، سأتخلص من غيمة الذباب التى تكسو الجو وتزيده قتامة، إلا أن هذا لم يحدث بعد، الطريق ممتلئ بأسراب من الذبابات التى ترتطم بزجاج السيارة وتتطاير فوق سطحها الساخن. لمحتُ على جانب الطريق مستطيلًا طويلًا أسود اللون، لم أتبين طبيعته، بدا كصندوق داكن ملقى على الأرض، لفت نظري فرفعت رأسي لأتفحصه عبر زجاج السيارة. عندما وازيناه، أدركت أنها جثة رجل ميت، ملقاة على الرصيف ومغطاة بجيوش من الذباب. بينما يتحرك المارة جيئة وذهابًا دون اكتراث، صبغ الذباب جثة الرجل باللون الأسود الفاحم، غطّاه من كل جانب، أخفى ملامحه، واراها تمامًا، ولم يترك مكانًا لأي خيط من لون آخر.
فى طفولتي ربى أبي فأرًا مدملكًا ذا لون أبيض ناصع، دون بقع أو نقوش أو نقط ملونة وكأنه قطعة قطن مكورة، النقيض الكامل لتلك الجثة التى رأيتها، كان يسميه عاشور، هل تتخيل فأرًا باسم عاشور؟؟ استغرب أصدقائى عندما أخبرتهم بأمر عاشور، صديقنا الفأر، بعضهم كان يربي قططًا وأحدهم احتفظ بسلحفاة مملّة ورتيبة، أما أنا فكنت أفضل أن أقتني كلبًا ضخمًا من نوعية الجيرمن شبيرد، إنما فأر، هذا ما لم يتفهمه أحد، وكذلك لم أجد أنا الآخر مبرّرًا أسوقه إليهم، لماذا يربي ضابط مرموق مثل والدي فأرَا كهذا؟ فسألت أبى، ولكنه لم يرد، وعندما كررت السؤال مرات ومرات، لم يزد عن قوله أنه عِشرة، يذكّره بحياته فى القرية، ولم يقدّم لى سببًا مقنعًا قط.
على أي حال كان عاشور فأرًا لطيفًا، على الرغم من صوته المسرسع الذى طالما أزعج أمي. إلا أننا استيقظنا فى صبيحة يوم مشمس على صرخة مرعبة وطويلة من والدي، لم يبدُ صوته حينها كصوته المعتاد، بدّله الخوف والألم بصوت آخر لم نسمعه من قبل. جرينا باتجاه الصرخة لنتبين الأمر، اقتحمنا حجرته، كسر أخي الباب، فوجدنا بقعة من الدم داكن الحمرة تمتد بجوار رأس والدي الملقى على السرير، اتسعت بقعة الدم أمام أعيننا ورسمت دائرة واسعة تحاصر رأسه وكل جسده. قضم عاشور أذن أبي، تساقطت قطرات الدم من أسنانه الحادة وهو يقف بجوار السرير ويبدو وكأنه يشاركنا القلق، غير مدرك لأبعاد فعلته، قضم أذنه وألقى بنصفها على الأرض، بجوار الكومودينو، فبات والدي بنصف أذن ذات حواف مشرشرة، وحينها صُدمتُ لرؤية والدي الذي يعشق الكمال بأذن ناقصة ومقضومة.
فى المستشفى العام قام الأطباء بالإسعافات اللازمة، أوقفوا النزيف، ضمدوا أذنه وأطمأنوا أن سمعه لم يتأثر حتى أن أبي أبدى قوة سمع لا تليق برجل بنصف أذن مقضومة. هنأنا الأطباء بسلامته وبإنقاذه من آثار الصدمة بعدما حقنوه ببعض الأمصال لمنع التسمم أو ما شابه، إلا أننا اكتشفنا عند مغادرتنا عدم مقدرته على تحريك قدميه، لم يستطع الوقوف، تسمر فى مكانه، توقف نصفه السفلي عن العمل دون سبب مفهوم، كاد الأطباء أن يرجعوا الأمر إلى صدمة نفسية إلا أن والدي لم يبد أى أمارة على الانكسار النفسي أو الانفلات العصبي. أحضرنا العديد من الأطباء وفشل جميعهم فى تحديد سبب العجز الذى أصابه عقب القضمة التى أطار فيها عاشور نصف أذنه. رفض والدي التخلص من الفأر، على العكس، صارت علاقتهما أكثر قربًا بعدما أُحيل أبى إلى المعاش المبكر نظرًا لظروفه الصحية، حيث بات يصطحب عاشور بكل تحركاته، إما فوق ذراعه أو على حجره، ويبدو أن الفأر قد غمره شعور بالذنب تجاه صديقه، فصار أكثر هدوءًا وطواعية. عاش عاشور لسنين أكثر من عمره المفترض، كان فأرًا معمرًا، وكنا جميعًا نتجنبه ونخشاه بعد تلك الحادثة، لكننا تأقلمنا واعتدنا نمط حياتنا الجديد، خصوصًا بعدما أعلن الأطباء إفلاسهم ونفاد حيلهم. لم يعد لدى أي منهم أمل فى تفسير حالة والدي المفاجئة أو علاجها، طالبوا بعدم التعلق بآمال كاذبة، بعدم التطلع إلى تحسن حالته، كان علاجهم الموصوف هو اليأس، واليأس علاج ناجع لأي ألم.
كذلك لم يسع هو الآخر إلى معاودة حركته بشكل طبيعي، لم يستجب إلى دعواتنا كي يحاول المشي على ساقيه، لم يبذل أي مجهود ولم يبدِ أية إرادة، وكأنه استراح إلى استكانته الإجبارية فى مكانه، أدرك عبثية بحثه عن الكمال وفضّل وضعه الجديد، هذا ما تصورته وتعجبت له.
بعد مرور عامين أو ربما ثلاثة، وفى مساء أحد الأيام وبعدما استرخى والدي فى ساعات القيلولة كما اعتاد أن يفعل، خرج فجأة من حجرته ماشيًا على رجليه، مرَّ بيننا ونحن ننظر إليه وإلى ساقه المفرودة ذاهلين، قال بهدوء وبلهجة اعتيادية إنه ذاهب إلى المقهى، كان عاشور يقف متقافزًا فوق كتفه، تقدم أبي فى خطوات ثابتة وأغلق الباب من خلفه دون أن يضيف كلمة أخرى تاركًا إيانا بأفواه مشدوهة وألباب مسلوبة. منذ ذلك اليوم لم يعلّق أبي أو يذكر قط تلك السنوات التى قضاها جليسًا مقعدًا، وكأنها لم تكن، حتى أننا صرنا نشك فى عقولنا ويختلط علينا الأمر، كدنا نجن ونحن نسأل بعضنا البعض هل كان الأمر مجرد كابوس أم أنه حقيقة واقعة؟
ظل والدي مبقيًا على وضعه الوظيفى كمحال إلى معاش مبكر بسبب ظرفه الصحي، لم يُبلغ أحدًا من زملاء العمل باسترداده المفاجئ لعافيته، حتى أن شكوكًا انتابتني وملأت عقلى بشأن مرض والدي، هل كان مجرد ادعاء اختاره واستراح إليه مستندًا إلى حيرة الأطباء فى تفسير حالته؟ على كل، لم يتغير الكثير بعد عودة والدي إلى عافيته، فقط أضاف إلى جدوله اليومي بضع ساعات يقضيها فى المقهى أو متسكعًا فى الشوارع المجاورة، وبقي على هذا الحال إلى أن تعدَّى الستين وتزوجتُ من نجوى، حينها اتصل بى ذات يوم وقال إنه سيتجه إلى قرية على حدود بني سويف ليقضي بها عمره الباقي، لم تكن قريته ولكنه اختارها ليستقر فيها بسنوات عزلته الاختيارية، كفسحة للتأمل ربما. أمرني ألا أزوره كثيرا، مرة فى الشهر أو أقل، علمت أنه اتخذ قراره بالانتقال بعد موت عاشور عن عمر يضاعف عمر أقرانه من الفئران، حمله والدى فى صندوق كرتونى صغير ودفنه أمام البيت الذى استأجره فى هذه القرية.
عندما شرعت فى عبور الطريق الزراعى نحو القرية، بدأ عدد الذباب فى التناقص تدريجيّأ حتى وصل إلى معدلاته المعتادة قديمًا، أي قبل هجمة الذباب، باتت الأجواء أكثر صفاء منذ أن تركنا العمار خلفنا وحتى وصلنا إلى مشارف القرية المقصودة. فى الواقع لم تكن قرية، مجرد كفر، سُمِّى بكفر عرب الحصار، فى عهد الملكية حاصرت قوات الشرطة أحد المجرمين المرصودين داخل القرية إلا أنها لم تتمكن من تحديد مكانه بالضبط، وخشت إن اقتحمت الكفر أن يخادعها المجرم المطارد، فظلت ضاربة الحصار حول القرية لأيام وأسابيع، لا يعرف أىُّ من سكان القرية تتمة القصة، هل ألقت الشرطة القبض على الرجل أم أنه استطاع مراوغتها والهروب من قبضتها، لا يهم، المهم أن تلك البقعة فى الأرض ظلت مرتبطة بهذه الحادثة الغامضة وبفكرة الانعزال، وباتت تلك القرية ومنذ ذلك الحين غير خاضعة لقوانين الشرطة والقضاء، فاختاروا لهم عمدة ومجلسا عرفيا وقضاة وسنوا لأنفسهم أحكامًا مخصوصة، مثل التشميس أى الأمر باعتزال الشخص وعدم التعامل معه أو الزواج منه، والتهجير، وقطع الألسنة والفدية، ورغم أن والدى لم يُحكم عليه بالتشميس أو التهجير، إلا أنه فضل أن يعيش وحيدًا.
عندما وصلت وجدته كعادته جالسًا أمام باب البيت الذى استأجره، بيت من طابق واحد مبني بالطوب الأحمر، مطلُّ على مساحة خضراء واسعة، يضع أبي كرسيه الخشبي أمام الباب ويجلس واضعًا ساقًا فوق الأخرى، لا يرتدي جلبابًا مثل أهل القرية، بل يجلس بالقميص والبنطلون ويهشّ الذباب الذى يناوشه بين الحين والآخر، ورغم قلته بالمقارنة بما نواجهه فى قلب المدينة إلا أن الذباب ظل يزعجني، وكذلك تزعجني أذن والدي غير المكتملة بحدّها المشرشر المقضوم. لا نتبادل الحديث طويلًا، يسحب لى كرسيًا بهدوء ويضعه إلى جواره، يصنع كوبين من الشاى ثم يسألنى بشكل روتيني مختصر عن أحوالى وأحوال نجوى، بعدها نصمت ونظل نتأمل الخضرة الممتدة أمامنا، ثم يكسر الصمت ويسألني “وايه أخبار الهؤلاء؟” فأجيب باقتضاب قبل أن نعود إلى الصمت المطبق مجددّا. بدا لى أن والدي وجد فى هذا المكان المفتقد لكل مقومات الحياة الحضارية الحديثة الكمال الذى يبحث عنه، وهو كمال يعتمد على الحذف والاستغناء، ارتكن هنا إلى راحة بحث عنها عبر حياته ووجدها فى عرب الحصار، فى ذلك المكان الفقير الواقع خارج الزمن، خارج القانون والسيطرة، التائه بين القاهرة وبنى سويف، والمنتسب زورًا للجيزة، هذا المكان المهجور المنسي منذ حادثة حصار الشرطة.
فى طريق العودة، وقبيل غروب الشمس، استقبلتني وفود الذباب التى تراصت على أطراف المدينة وداخلها، حتى بدا لى اختراقها بالسيارة عملية خطيرة، غطًّى الذباب المحكمة الدستورية ونصبها الوسيع المطل على النيل وكساها بالسواد، وعند مروري بجوار دار الأوبرا كان مبناها قد اختفى خلف عاصفة من الذبابات الهائجة، وظهر برج القاهرة من خلفها متشحًا بالسواد، عمود شديد الظلمة، بل خازوق أسود يتوسط قلب القاهرة، خازوق داكن مظلم بغيض وكئيب، يقبض القلب ويقتل الروح.
……………………………….
*فصل من رواية بالاسم نفسه صدرت مؤخرًا عن دار الشروق.














