إيمان السباعي
قررتُ أن أذهب إلى عزاء زميلي في المؤسسة التي أعمل بها، لم يكن ذاك الزميل قط قريبًا مني فلم نعمل في القسم نفسه حتى، من حديث الزملاء عرفت أنه لم يتزوج رغم بلوغه الخمسين. لماذا لم أكتف بمكالمة مواساة لأمه!
في الصباح أمام باب الأسانسير كنا نلتقي، يلقي نكتة عن تعطّله الدائم، النكتة نفسها كل يوم وابتسامتي نفسها رغمًا عن مزاج الصباح السيء. أرغب في الذهاب إلى مدينته الصغيرة بالقطار، إنها فرصة مناسبة لأختلي بنفسي وأقرأ كتابًا.
في حقيبتي وضعت كتابا ضئيل الحجم بدأته ولم أكمله، مسرحية لكاتب إسباني عن زوجين على وشك الطلاق. القطار لم يكن مزدحما ساعدني هذا على الاسترخاء والتركيز، ضحكت ضحكات داخلية بلا صوت حتى أفلتت مني واحدة سمعها من حولي؛ المسرحية جيدة فعلا والكوميديا فيها طبيعية دون افتعال.
فجأة فكّرت في أمه.. زميلي الذي مات إثر نوبة قلبية.
قلت: ماذا لو كانت تراني من مكان ما، فالأمهات الثكالى لهن قدرات لا حدَّ لها. شعرت باهتزاز جسدي كما لو أن القطار شخص يعاني نوبة فواق فأمسكت نفسي عن الضحك ثم توقف القطار.
كان الشخص الجالس في مواجهتي ينظر إلي بملامح كالغبار لا تحمل تعبيرًا محددًا، قال دون انفعال إنه معتاد على هذا وإن القطار لن يتحرك قبل ساعة على الأقل.
نظرت من النافذة، كان مشهدًا مملًا لحقل فعدتُ إلى وجهه.
وضع يده في جيبه وأخرج صورة فوتوغرافية عرضها عليّ:
-ما وظيفة هذا الرجل؟
نظرت إليه مرتابة ولم أرد فابتسم، طالبًا مني ألا أخاف وأنه يحاول أن يُمضي الوقت!
أردت أن أسأله ألم تسمع عن فيسبوك؟ طيب تيك توك؟ ألا تلعب pubgأو حتى المزرعة السعيدة؟ لكن اللعبة أعجبتني فأنا أيضًا أحب الطرق القديمة لتمضية الوقت، فكرت في الوضع الذي تسببت لنفسي فيه وقررت أن أكمل المسخرة حتى النهاية..
قلت:
-جزّار.
حرك رأسه في إشارة موافقة وأضاف أنه ابنُ عمٍ له وأنه فعلًا يعمل جزارا.
غضب شنيع أحسستُ به، هذا الرجل يلعب بي أنا لعبته حتى يعاود القطار السير في طريقه.
أخرج من جيبه صورة أخرى وتلتها ثالثة.. حوالي عشر صور وفي كل مرة كنت أجيب الإجابة الصحيحة.
أحسست بإنهاك شديد وزغللة في عيني نتيجة التحديق والتركيز على الصور، تناولت زجاجة مياه حملتها معي وشربتُ حتى فرغتْ.
قلت له إن هذا يكفي فقال:
-آخر صورة.
حدقت في العينين البنيتين.. الصورة لرجل سمين ودميم يعاني حولًا في إحدى عينيه.. عجزت عن الإجابة بلا مبالاة كما حدث في المرات السابقة، قلت لا يصح أن أخطئ هذه المرة فهي الصورة الأخيرة وقد نجحت في الاختبار حتى الآن.
شعرت بغرابة الطريقة التي أفكر بها وكأنني في مسابقة من سيربح المليون مثلًا!
ركّزتُ أكثر على الصورة، بدا لي وجهًا رأيته من قبل نظرت إلى وجه الرجل قبالتي وجدت حولًا بإحدى عينيه أيضًا، كيف لم ألاحظ ذلك، سألته إن كانت صورته فنفى مؤكدًا أنها صورة أخيه الذي مات العام الماضي.
ذِكر الموت ذكّرني لم أنا في القطار؛ واجب العزاء الذي أصبحت الآن غير راغبة فيه وصممت أن أرتد عائدة إلى مدينتي الكبيرة الصاخبة التي أحبها جدًا الآن بمجرد أن يتحرك القطار ويصل الى المحطة دون الذهاب إلى بيت زميلي الراحل.
قلت للرجل:
-ما فائدة أن أعرف وظيفته فهو قد مات بالفعل.. دعنا ننهي اللعبة السخيفة الآن. ومددت يدي بالصورة فقال غاضبًا إنني جرحت شعوره وأن بالنسبة إليه أخاه لم يمت حقًّا فهو يشاركه كل شيء حتى هذه الرحلة!
انتظر الرجل وأنا أحدق في الصورة وأخاف الإجابة وهو يشجعني ويعطيني خيارات لكني كنت أرتجف مرعوبة وفي رأسي فكرة واحدة أنني لن أعود أبدًا من هذه الرحلة.
علا صوت القطار معلنًا استئناف سيره فحاولت السيطرة على نفسي وتوقفت عن الارتجاف وقلت للرجل إن من الواضح تمامًا أن أخاه يعمل موظفًا في مؤسسة حكومية فلديه هذا السمت.
ابتسم الرجل بفمٍ مفتوح وقال إنني أذكى امرأة قابلها في حياته فأعدت إليه الصورة مبتسمة، فتحت الكتاب من جديد لأكمل قراءة المسرحية الرائعة وأنا أشعر بزهو لم أختبره في حياتي السابقة.
















