د.سيد ضيف الله
لم يكن خطاب أمل دنقل الشعري ابن لحظة تاريخية مضت وانتهت، بل تحول إلى ظاهرة ثقافية عابرة للسنوات والعقود لأنه خطاب شعري يتجدد بقراءات متلقين وجدوا في أمل دنقل خصائص شعرية وثقافية تجعل منه ممثلاً ثقافيًا ونموذجًا جمالياً أكثر تعبيرًا عنهم من الكثير من الخطابات الشعرية التي ينتجها أغلب معاصريهم من الشعراء، لاسيما في اللحظات والمواقف التي يعيد التاريخ فيها نفسه ليعلّم الدروس التي أفاض في شرحها مرة تلو المرة.
إن وجود أكثر من ثمانية آلاف مقطع فيديو على موقع اليوتيوب تظهر لك بمجرد كتابة اسم “أمل دنقل” ثم وجود مشاهدات بالعشرات والمئات لهذه المقاطع، فضلاً عن مئات وآلاف آخرى كنتائج بحث في جوجل وفيس بوك يعني أن نص أمل دنقل الشعري أصبح ظاهرة ثقافية ليس بسبب اتساع نطاق جماهيريته عن النطاق المألوف لجمهور الشعر في وقت يشكو فيه الكثيرون من انصراف الناس عن الشعر إلى الرواية، وإنما يمكن القول إن نص أمل دنقل الشعري توفرت فيه خصائص شعرية ثقافية جذبت قطاعات عريضة بطول العالم العربي وعرضه إلى قراءته قراءة استعمالية بتعبير إدوار سعيد لتحقيق أهدافهم الآنية في صراعاتهم اليومية. ولعل لقب “أمير شعراء الرفض” الذي يطلقه عليه الكثيرون على شبكات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية المختلفة ينطوي على الكلمة المفتاحية لخطاب أمل دنقل وخصائصه الجمالية الثقافية في آن. وبالنظر في أكثر النصوص الشعرية استعمالا من خطاب أمل دنقل نجد أنهما “لا تصالح” المكتوبة في نوفمبر 1976و”أغنية الكحكة الحجرية/سفر الخروج”المكتوبة في عام 1972 عقب اعتقال 1500 طالب عقب خروجهم للتظاهر بميدان التحرير اعتراضًا على حالة اللاسلم واللاحرب، و”البكاء بين يدى زرقاء اليمامة” المكتوبة في يونيه 1967، بما يعني ان الرفض الذي تُوّج أمل دنقل له أميرًا يشمل الرفض للعدو الصهوني المحتل، والرفض للاستبداد الوطني في آن لاسيما حين يكون في سياق النكسة أمام العدو أو في سياق “التصالح” مع العدو.
إن جماهيرية نص أمل دنقل الشعري التي تكشف عنها القراءة الاستعمالية لعدد محدود من قصائده يمكن أن يستدل منها على وجه إيجابي حيث يتمنى أي شاعر أن يكون نص شعري له جماهيريًا وأن يكون هو أيقونة للرفض ورمزًا للصمود والمقاومة دفاعًا عن قضية قومية، لكن من مساوئ القراءة الاستعمالية بشكل عام ولأمل دنقل بشكل خاص أنها تختزل عالمه الشعري في أداء وظيفة وحيدة وهي وظيفة التحريض على الرفض أو المقاومة للواقع المتردي. والأكثر سوءا من ذلك أن القراءة الاستعمالية لنص أمل دنقل أتاحت لقرائه الاستعماليين أن يضعوا قصيدة “لا تصالح” في سياق مضاد لسياق إنتاجها؛ حيث يتم توظيفها عشرات المرات في سياق صراعات “عربية –عربية” بينما كان سياق إنتاجها “الصراع العربي الصهيوني”.
ولهذا نعتقد أن أكثر الأضرار التي تلحقها القراءات الاستعمالية بشاعر هي أن تمنح دور البطولة الشعرية لنص من نصوص الشاعر وتسلبه هو بصفته الذات الشعرية هذا الدور تدريجيًا ليتحول اسم الشاعر إلى أيقونة لبطل يرفعها أصحاب القراءات الاستعمالية شعارًا أو علامة عليهم دون أن يعرفوا أسباب بطولة الشاعر المتجاوزة لخنادق قراءاتهم الاستعمالية الضيقة بقدر ضيق آفاقهم السياسية والحزبية والطائفية على اختلافهم!
ولعل هذا ما يجعلنا نربط في عنوان هذه المقالة بين “انسجام الخيال” و”البطولة الشعرية” لتأكيد أن أمل دنقل من الشعراء القلائل في العصر الحديث الذين يمكن أن نعدهم شعراء/أبطال، بما يتناسب مع معنى البطولة الممكن في العصر الحديث، فعنترة بن شداد بطولته كانت نموذجية تتجسد فيه بطولة الجسد وبطولة نسق القيم الحامي لها. أما أمل دنقل فيمكن عده بطلاً حاميًا لنسق من القيم رسخه أبطال من الشعراء على رأسهم عنترة بن شداد. ومن هنا كان من الطبيعي أن يتجلى تأثير هذا الموقع البطولي القيمي للشاعر في خياله الشعري ، ومن الطبيعي أيضًا أن يكون هذا الخيال الشعري نظامًا قيميًا يتموضع في سياق اجتماعي وسياسي ليكون خيالا منسجمًا في ذاته ومنسجمًا مع ما يمكن أن نسميه بـ”عقل الأمة” المنسوج من تراثها المستمر في نفوس أغلبية أبنائها في الحاضر ليستعاد في كل حاضر مماثل له؛ ذلك أن الخيال المنسجم في ذاته هو كل خيال يستطيع أن يفهمه المتلقي وفق أعراف التخيل في ثقافته وإن شذ الشاعر عن أعراف التخيل شذوذا كبيرا ليتفرد بخيالاته فقد صفة الانسجام وصار خياله عصيا على الفهم وأصبح من غريب الشعر، وهذا ما لم يعرفه خطاب أمل دنقل الشعري، فخياله منسجم في ذاته ويمكن فهمه بجهد يسير يبذله قارئ ذو ذاكرة شعرية وفق أعراف التخيل في ثقافتنا العربية، لكن سر بطولة أمل دنقل الشعرية من وجهة نظري أن خياله الشعري تجاوز مستوى الانسجام في ذاته إلى مستوى الخيال المنسجم مع “عقل الأمة” في لحظة الدفاع عن وجودها. وهو ما يمكن أن نستدل عليه بعدد من الصور الشعرية التي تكمل بعضها بعضا على اختلاف أزمنة ورودها في خطاب أمل دنقل الشعري ورغم توزعها في دواوين شتى.
ففي يوم وفاة الزعيم جمال عبد الناصر يعلق أمل دنقل من موقعه البطولي القيمي عما حدث رافضا بقصيدته “لا للبكاء” أن يختزل الأمة في فرد، لأن أمة البطل الشاعر أمة ولّادة للمقاتلين تلو المقاتلين
تبكينَ؟ منْ تبكينَ؟
وأنتِ طول العمر-تسقين، وتحصدين..
مرارة الخيبة
وأنت –طول العمر- تبقين وتنجبينْ
مقاتلين ..فمقاتلين.. في الحلبة.
بل ولا يتوقف أمل دنقل عند مستوى استنكار البكاء وإنما يستطيع أن يبصر في الماشين الباكين صلاح الدين.
رأيت في صبيحة الأول من تشرين
جندك .. يا حطين
يبكون لا يدرون
أن كل واحد من الماشين
فيه صلاح الدين. [ قصيدة لا للبكاء، ديوان تعليق على ما حدث،1971]
وهنا الفارق واضح وكبير بين استدعاء صلاح الدين أو أي رمز تاريخي وفق منظومة قيم ماضوية وبين استبصار بعضٍ من صلاح الدين في كل واحد ماشٍ باكٍ!!
إن هذا الاستبصار في الناس لا يتنافر، بل ينسجم مع رؤيته للواقع باعتباره “أضرحة”، ذلك أن تغيير هذا الواقع يحتاج لمن يبصر فيهم صلاح الدين وإلا وقع في محض دعوة للتشاؤم والإحباط وليس دعوة للمقاومة والرفض.
المنازل أضرحة والزنازن
أضرحة والمدى أضرحة
فارفعوا الأسلحة!!
ارفعوا الأسلحة!! [أغنية الكعكة الحجرية- ديوان العهد الآتي. 1972].
إن القارئ النموذجي الذي كتبه أمل دنقل في نصه هو جزء لا يتجزأ من عملية إنتاج خطابه الشعري لأنه قارئ واعٍ بمدى تردي الواقع بل ومدى تعرض المجد العربي للضياع وواع بأسباب هذا الانهيار الحضاري القومي لكنه قارئ مكلف من قبل شاعره البطل بالتغيير جنبا إلى جنب وكتفا بكتف. وهذا القارئ النموذجي مختلف عن بقية الناس الذين تحولوا في خطاب أمل دنقل الشعري في عام 1983 إلى خيول تسير إلى هوة الموت في قصيدته “الناس خيول” من ديوان ” أوراق الغرفة 8]
استدارت –إلى الغرب- مزولة الوقت
صارت الخيل ناسا تسير إلى هوة الصمت
بينما الناس خيل تسير إلى هوة الموت.
إن هذا القارئ النموذجي المختلف عن بقية الناس السائرين إلى هوة الموت يستمد قوته في نص أمل دنقل من نسق القيم البطولي والذي يعبر عنه بالتمسك بالأرض والتحصن بجبل لايتزعزع يسمونه “الشعب” ! فثمة ناس تسير لهوة الموت وثمة جبل اسمه الشعب يتحصن به القارئ النموذجي في خطاب أمل دنقل الشعري لاستمرار معنى المقاومة.
صاح بي سيد الفلك –قبل حلول السكينة:
“انج من بلد .. لم تعتد فيه روح!
قلُتُ: طوبى لمن طعموا خبزه
في الزمان الحسن
وأداروا له الظهر
يوم المحن!
ولنا المجد- نحن الذين وقفنا
(وقد طمس الله أسماءنا)
نتحدى الدمار .. ونأوي إلى جبل لا يموت
(يسمونه الشعب!) [ قصيدة مقابلة خاصة مع ابن نوح، ديوان أوراق الغرفة 8]
ومن هنا يمكن القول إن البطولة الشعرية يكمن جذرها في خيال شعري منسجم في ذاته ومنسجم مع “عقل الأمة” في لحظة الدفاع عن وجودها، وهذا الخيال المنسجم جعل من الشاعر بطلاً بقدر ما جعل أمل دنقل من القارئ النموذجي بطلاً.

















