عبد السلام فاروق
حين وقع بين يدي كتاب الدكتور محمد أبو الغار “يهود مصر في القرن العشرين”، الصادر عن دار الشروق، تساءلت بداية ماذا عسى أن يضيف طبيب متخصص في أمراض النساء والتوليد إلى مكتبة التاريخ المصري؟ لكنني ما إن شرعت في القراءة حتى أدركت أن المسألة هنا ليست مسألة توثيق أكاديمي صارم بالمعنى التقليدي، هي مسألة نظرة إنسانية شاملة لا يملكها إلا من خبر تقلبات الحياة وأدرك هشاشة المصائر البشرية. فالطبيب، في نهاية المطاف، يمارس مهنة إنسانية بالدرجة الأولى قبل أن تكون مهنة علمية، وهو يرى في وجوه مرضاه ما لا يراه المؤرخ الغارق في أوراقه ووثائقه.
والحق أن هذا الكتاب ليس تاريخًا بالمعنى الأكاديمي المألوف، لكنه أقرب إلى مرثية تأملية كتبت بحبر الحنين إلى عالم تلاشى. عالم أضاعه الوطن ولم يضع ذاكرته بالكامل، عالم ربما تعمدنا نسيانه أو أهملناه بغير قصد. والغريب أننا حين نطالع صفحات هذا العمل، نجد أنفسنا أمام سؤال شائك ومربك كيف لجماعة بشرية كانت يومًا نسيجًا أصيلًا في المجتمع المصري، أن تختفي من الذاكرة الجمعية كما لو أنها لم تكن؟ كيف يتبخر حضور بشري كامل بهذه السهولة من سجل الوعي الوطني؟
ألبوم العائلة الذي مزقناه
قبل أن نلج متاهات التفاصيل والآراء السياسية، ينبغي لنا أن نقف طويلًا أمام الصورة المركزية التي يبنيها الكتاب ببراعة نادرة. فكرة أن يهود مصر كانوا مواطنين عاديين، بشرًا يتحركون في فضاء الحياة اليومية المصرية، لا كيانًا غريبًا أو طارئًا على الجسد الوطني. وينجح الدكتور أبو الغار، في واحدة من أبرز فضائل هذا العمل، في نقل ملف “يهود مصر” من دائرته السياسية الشائكة المثقلة بالتحيزات والأيديولوجيا، إلى رحابة السيرة الإنسانية اليومية البسيطة. وهذا في تقديري إنجاز لا يستهان به في زمن صرنا فيه نرى كل شيء من خلال نظارات سياسية ملونة.
وتتجلى هذه البراعة في الثمانين صورة نادرة التي تزين صفحات الكتاب. إنها شهادات حية دامغة تعلن أن هؤلاء الناس قد عاشوا حقًا، وأحبوا، وكدحوا، وبنوا بيوتًا، وارتادوا مقاهي، وأقاموا ورشًا ومعابدَ، ثم رحلوا في صمت. وحين أتأمل هذه الصور، أتذكر ما قاله لي صديق قديم عن ألبوم عائلته الذي ضاع منه جزء كبير: “المشكلة ليست في الصور التي فقدناها، المشكلة في أننا لم نعد نعرف من كنا بالضبط”. وهذا بالضبط ما يفعله بنا غياب يهود مصر من ذاكرتنا الجماعية؛ إنه يحرمنا من معرفة أنفسنا معرفة كاملة.
وهنا يطرح الكتاب إشكالية مهمة تتعلق بفلسفة الذاكرة نفسها. لماذا تختفي جماعة بأكملها من الذاكرة الوطنية؟ أليست الذاكرة، كما صاغها الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي بيير نورا، “ليست هي الحياة ذاتها، بل هي الحياة التي يعاد تشكيلها وإعادة بنائها باستمرار”؟ إننا، وفقًا لهذا المنظور، أمام عملية تشكيل متعمدة للوعي الجمعي، عملية انتقائية صارمة جرى اختيار ما يذكر فيها وما ينسى بعناية ودقة فائقة. ويهود مصر وقعوا، للأسف، في خانة النسيان لا لأنهم كانوا أقل أهمية من غيرهم في النسيج الوطني، ربما لأن تذكرهم قد يكون مزعجًا للضمير، أو مربكًا للسرديات الكبرى التي تبنتها الدولة الوطنية الحديثة. وهنا تكمن المفارقة نحن نمارس النسيان ليس لأننا لا نعرف، لكن لأن المعرفة تزعجنا وتدفعنا إلى مراجعة مسلماتنا.
تنوع يرفض التبسيط
ويحرص الدكتور أبو الغار، بأسلوبه الأكاديمي المتزن والدقيق، على تصحيح خطأ منهجي شائع طالما شوه فهمنا لهذه الجماعة، ألا وهو تصور أن اليهود في مصر كانوا طبقة اجتماعية واحدة، أو كتلة بشرية متجانسة الرأي والمصالح. وهذا الخطأ في تقديري ليس بريئًا ولا عابرًا، هو خطأ مؤسس لمعظم الأحكام المسبقة التي نطلقها. فالتبسيط المفرط هو عدو الفهم الحقيقي، ونحن في العالم العربي نعاني من وباء التعميمات الكاسحة التي تحول البشر إلى فئات مجردة.
والكتاب يبين لنا بجلاء ذلك التنوع الداخلي الثري المتعدد: “القراؤون والربانيون، السفارديم والأشكناز”، الأغنياء المترفون والفقراء الكادحون، المتعاطفون مع الحركة الصهيونية والمعارضون لها بشدة، الشيوعيون والليبراليون والمحافظون. هذا التنوع الداخلي العميق كان وحده كافيًا ليجعل أي تعميم عن اليهودي المصري تعميمًا مضللًا يفتقر إلى الدقة العلمية والإنصاف الإنساني. وأتساءل هنا كم من المصريين اليوم يعرف أن بعض يهود مصر كانوا من أشد المعارضين للصهيونية؟ وكم منهم يعرف أن بعضهم اعتُقل في قضايا شيوعية دفاعًا عن حقوق العمال والفلاحين المصريين؟ إن جهلنا بهذه التفاصيل هو الذي يسمح بازدهار الصور النمطية المشوهة.
والمفارقة اللافتة هنا أن هذا التنوع بالذات هو ما أضفى على هذه الجالية حيوية استثنائية وأثرًا ملموسًا في الحياة المصرية. ففي ثلاثينيات القرن العشرين، لم يكن تعدادهم يتجاوز ثمانين ألف نسمة، أي ما يقل عن واحد في المائة من إجمالي سكان مصر. ومع ذلك، كان حضورهم الثقافي والاقتصادي والسياسي يفوق نسبتهم العددية بأشواط بعيدة. فكيف نفسر ذلك؟ يقدم لنا الكتاب تفسيرًا ضمنيًا مقنعًا: لقد استثمر هؤلاء في التعليم، وأتقنوا اللغات الأجنبية إلى جانب العربية، وانفتحوا على الثقافات الأوروبية والمتوسطية والعربية في آن واحد. لقد كانوا، باختصار، جسرًا حضاريًا بين مصر والعالم. وهنا أتوقف لأتساءل أليس هذا بالضبط ما نحتاجه اليوم؟ جسور ثقافية مع العالم بدلًا من جدران العزلة؟
السؤال الصعب: لماذا العداء؟
وهنا يطرح الكاتب سؤالًا صامتًا لا يجيب عليه إجابة حاسمة، تاركًا للقارئ فضاء للتأمل والاجتهاد هل كان هذا التفوق النسبي في بعض المجالات سببًا كامنًا وراء العداء الذي واجهوه لاحقًا؟ أم أن الصراع العربي-الإسرائيلي هو الذي قلب المعادلة برمتها وأسقط الظلال القاتمة على علاقة عمرها قرون؟ في رأيي سوف تكون الإجابة مركبة بالضرورة؛ فكلا العاملين قد لعب دورًا لا يمكن إنكاره. بيد أن العامل السياسي – المتمثل في ظهور الحركة الصهيونية وقيام دولة إسرائيل – كان هو العامل الحاسم الذي فجر التناقضات الكامنة، وأشعل الفتيل في بنيان التعايش الذي كان قائمًا.
ولكنني أضيف هنا عاملًا ثالثًا كثيرًا ما نغفله في تحليلاتنا: التحولات العميقة التي شهدها المجتمع المصري نفسه في منتصف القرن العشرين. فمصر التي خرجت من الحرب العالمية الثانية ودخلت عصر الثورة لم تكن هي مصر الليبرالية التي عرفها يهود مصر في العقود الأولى من القرن. لقد تغيرت أولويات الدولة، وتبدلت تحالفاتها الاجتماعية، وتحولت نظرتها إلى الأقليات وإلى رأس المال الأجنبي والمحلي على حد سواء. وبقدر ما كان يهود مصر ضحايا للصراع العربي-الإسرائيلي، كانوا أيضًا ضحايا لتحولات بنيوية أوسع في المجتمع والدولة المصرية. وهذا ما يجعل قصتهم أكثر تعقيدًا وأشد إيلامًا.
لحظة الانكسار
لعل أكثر فصول الكتاب عمقًا وإيلامًا للنفس هو الفصل الذي يتناول لحظة التحول الدرامي في منتصف القرن العشرين، اللحظة التي انكسر فيها ذلك العالم المشترك. ففي العقود الأولى من القرن، كان يهود مصر يعرفون عن أنفسهم بقولهم: “نحن مصريون يهود”، وليس “يهود مصر”. والفرق بين الصياغتين كبير في تقديري. فتقديم الهوية المصرية على الهوية الدينية لم يكن مجرد صياغة لغوية، بل كان تعبيرًا عن انتماء راسخ وحقيقي. فلقد شاركوا في الحركة الوطنية المصرية بكل حماسة، واعتقل بعضهم مع سعد زغلول خلال نضاله من أجل الاستقلال، وأسسوا صحفًا مصرية خالصة، وتحدثوا العربية بطلاقة في منازلهم ومتاجرهم، بل وأثروا الأدب والفن المصريين. وأتساءل هنا كم من المصريين اليوم يعرف أن من أوائل من كتبوا عن تاريخ مصر الحديث كان مؤرخًا يهوديًا مصريًا هو يعقوب صنوع؟
غير أن دخول التيار الصهيوني المنظم إلى مصر في أواخر الثلاثينيات، ثم الإعلان عن قيام دولة إسرائيل عام 1948، ثم العدوان الثلاثي وحرب السويس عام 1956، كل ذلك أدى إلى قلب المعادلة رأسًا على عقب. فقد بات اليهودي المصري، في نظر الكثيرين، مشتبهًا به بحكم هويته الدينية، وتحول من جار يسكن الدار المجاورة إلى عدو محتمل يجب الحذر منه. لقد كان هذا التغير سريعًا ومؤلمًا، وكأن قرونًا من العيش المشترك قد تبخرت في غضون سنوات قليلة تحت وطأة الاستقطاب السياسي الإقليمي. وهذا درس ينبغي أن نتأمله طويلًا كيف يمكن لسنوات قليلة من التعبئة السياسية أن تمحو قرونًا من التعايش؟
التوثيق بلا اتهام
الدكتور أبو الغار، بموضوعية الباحث ونزاهته، لا يوجه اتهامًا مباشرًا للدولة المصرية، ولكنه يوثق من خلال منهجية صارمة ما لا يمكن إنكاره: سياسات التمييز التي طالت اليهود المصريين، والاعتقالات التي استهدفت بعضهم، والفصل من الوظائف الحكومية والخاصة، ومصادرة الأموال والممتلكات، وأخيرًا “قانون تصفية الأموال” الصادر عام 1957 الذي كان الضربة القاضية. والنتيجة كانت مذهلة في سرعتها وفداحتها من حوالي ثمانين ألف نسمة إلى أقل من ألف. شهدت المدن المصرية هجرة جماعية لهم، خصوصًا القاهرة والإسكندرية التي عاشوا بها قرونًا طويلة. أفرغت أحياء بأكملها من سكانها، وأغلقت معابد كانت شاهدة على تاريخ طويل، وأسدل الستار على فصل كامل من فصول التاريخ المصري.
وهنا أتوقف عند نقطة جوهرية يطرحها الكتاب بجرأة فكرية: هل كان لا بد لهذه النهاية المأساوية أن تقع؟ هل كان ممكنًا، في سياق تاريخي بديل، أن تظل الجالية اليهودية موجودة في مصر ما بعد ثورة يوليو 1952؟ إن السؤال ليس سهلًا ولا يحتمل إجابات تبسيطية. وأبو الغار لا يقدم إجابة جاهزة أو حكمًا قاطعًا، لكنه يقدم للقارئ مادة غنية للتأمل العميق، ويفتح الباب أمام إعادة التفكير في مسلمات كثيرة رسخت في الوعي الجمعي لعقود. وهذا في تقديري هو جوهر العمل الفكري الحقيقي أن يثير الأسئلة بدلًا من أن يقدم الإجابات المعلبة.
ملاحظات نقدية ضرورية
ومع كل ما ينطوي عليه هذا الكتاب من أهمية استثنائية وفرادة في موضوعه، لا يمكن لي، من موقع النقد الموضوعي البناء، أن أتجاهل بعض الملاحظات التي لا تقلل البتة من قيمة هذا العمل الرائد، بل هي محاولة لتجاوزه نحو رؤية أكثر تعقيدًا وتركيبًا، ونحو فهم أعمق لإشكاليات الكتابة عن هذا الموضوع الشائك.
أولًا: الرومانسية المفرطة في التوثيق. حيث يميل الدكتور أبو الغار، وربما بدافع تعويضي عن سنوات طويلة من النسيان والإهمال والتشويه، إلى إبراز الجوانب الإيجابية المضيئة من تاريخ الجالية اليهودية في مصر وإنجازاتها الثقافية والاقتصادية. وهذا مفهوم إنسانيًا، فالطبيب الذي يعالج مريضًا مهملًا يميل إلى التعاطف معه. لكنه يمر مرورًا عابرًا على جوانب إشكالية أخرى تستحق التوقف والتحليل. فدور بعض الأفراد اليهود في ممارسات الإقراض الربوي التي أثقلت كاهل الفلاحين وصغار التجار، وعلاقة بعض العائلات الموسرة بالامتيازات الأجنبية، والأنشطة الصهيونية المتطرفة التي مارستها قلة قليلة داخل مصر – كلها قضايا ترد في ثنايا الكتاب بشكل عابر وسريع، ولا تنال ما تستحقه من تحليل عميق ونقد هادئ. بالطبع ليس المطلوب محاكمة أحد أو إدانة جماعة بأكملها، فذلك مما يتنزه عنه البحث العلمي الموضوعي الجاد. لكن المطلوب هو تقديم صورة أكثر جدلية وأكثر مصداقية تعترف بأن أي جالية بشرية، مهما كانت محبوبة أو مظلومة، تحمل في أعماقها التناقضات نفسها التي تحملها أي جماعة إنسانية أخرى.
ثانيًا: غياب المقارنة الإقليمية. إذ يدرس الكتاب تجربة يهود مصر في عزلة نسبية عن تجارب اليهود في البلاد العربية الأخرى. وكان من شأن إجراء مقارنة إقليمية أن يثري العمل ويعمقه كيف كانت تجربة يهود المغرب مختلفة عن نظيرتها المصرية؟ ولماذا استمر الوجود اليهودي في تونس فترة أطول نسبيًا؟ ولماذا كان رحيل يهود العراق أكثر عنفًا ودموية في أحداث “الفرهود” وما تلاه؟ هذه المقارنات كانت ستسمح للقارئ بفهم الخصوصية المصرية بشكل أوضح، ولتسليط الضوء على العوامل المحلية والإقليمية والدولية التي تداخلت لإنتاج مصائر مختلفة للجاليات اليهودية في العالم العربي. فالتاريخ المقارن ليس ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة لفهم أعمق للظواهر التاريخية.
ثالثًا: غياب الصوت الحي. يخلو الكتاب، للأسف، من مقابلات مطولة وشهادات شفوية معمقة مع يهود مصريين ما زالوا على قيد الحياة. ربما كان عددهم قليلًا جدًا وقت إعداد الكتاب، وربما حالت ظروف الشتات والهجرة دون الوصول إليهم. لكن توثيق شهاداتهم الحية كان سيضيف إلى هذا العمل بعدًا إنسانيًا ودراميًا لا يمكن أن توفره الوثائق الرسمية والصور الفوتوغرافية وحدها، مهما كانت بلاغتها. فالرواية الشفوية، على الرغم من صعوباتها المنهجية وأسئلتها المتعلقة بالذاكرة الانتقائية، تمنح التاريخ حيوية وحرارة لا تمنحها المصادر المكتوبة والرسمية. كان صوت الحنين، صوت الألم، صوت الفقد، كان سيمنح هذا التاريخ بعدًا وجدانيًا أكثر عمقًا. وهذا النقص تشعر به بقوة وأنت تقرأ الكتاب.
رابعًا: غياب اليهود المصريين المسلمين. وأتحدث هنا عن جانب ربما يكون أكثر حساسية وإشكالية التحولات الدينية من اليهودية إلى الإسلام. هل تحول بعض اليهود المصريين إلى الإسلام طواعية أو تحت ضغوط اجتماعية واقتصادية؟ ما هي قصصهم الفردية والعائلية؟ وكيف تعامل المجتمع المصري، بمسلميه وأقباطه، مع هؤلاء المتحولين؟ هذه التفاصيل، وإن كانت تتعلق بعدد قليل نسبيًا من الأفراد والعائلات، كانت ستضيف بعدًا إضافيًا لتعقيد العلاقة بين الجماعات، ولتظهر أن الحدود بين الهويات لم تكن دائمًا صلبة ومانعة كما قد نتصور. فالهويات في العالم الحقيقي أكثر سيولة وتعقيدًا مما توحي به تصنيفاتنا البسيطة.
لماذا هذا الكتاب مهم الآن؟
بينما تتصاعد اليوم خطابات الكراهية والإقصاء والتمييز، وتعاد إنتاج أساطير المؤامرة وتفسير التاريخ بنظريات التآمر المسطحة الممجوجة، يأتي كتاب الدكتور محمد أبو الغار كمنقذ ثقافي، ودعوة صريحة إلى مراجعة الذات والتاريخ بصدق وشجاعة. فهو يقدم نموذجًا تاريخيًا حقيقيًا موثقًا للعيش المشترك، نموذج نجح في الاستمرار لعقود طويلة، ثم فشل وانكسر لأسباب سياسية بالدرجة الأولى، وليست دينية أو ثقافية محضة. وهذا درس بليغ للحاضر والمستقبل. فالأديان والثقافات لا تصنع الحروب وحدها، بل السياسة هي التي توظفها وتستغلها.
كما أن هذا الكتاب يمثل جسرًا معرفيًا وإنسانيًا بين الأجيال المصرية المتعاقبة. فالأجيال الجديدة من المصريين لا تعرف عن يهود مصر سوى الصورة النمطية المشوهة التي رسختها بعض الأفلام السينمائية القديمة والعقلية الشعبية: “اليهودي الشرير”، “المرابي الجشع”، “الخائن الموسوس”. وهنا تكمن فرصة نادرة ليعرف الشباب أن يهود مصر كانوا، قبل كل شيء، مصريين: أطباء يعالجون الفقراء، ومحامين يدافعون عن المظلومين، وموسيقيين وفنانين أثروا الحياة الثقافية، وتجارًا وصناعًا ساهموا في بناء الاقتصاد الوطني. ليعرفوا أن غناء أم كلثوم الخالد كان يشدو به يهود الإسكندرية في لياليهم كما كان يشدو به المسلمون والأقباط على حد سواء. إنها فرصة لاستعادة إنسانية مشتركة طمستها عقود من الصراع والتعبئة الأيديولوجية.
أهمية الإزعاج الفكري
في رأيي، يكمن سر هذا الكتاب وجوهر قيمته الفكرية في قدرته النادرة على إزعاج الجميع، على دفع كل طرف إلى مراجعة مواقفه المسبقة وأحكامه الجاهزة. إنه يزعج القوميين المصريين الذين لا يريدون الحديث عن “إسرائيل الثانية” المزعومة داخل مصر، واليساريين الذين يختزلون اليهود في فكرة “برجوازية طفيلية”، والإسلاميين الذين يعتبرون أي يهودي عدوًا بالتعريف دون تمييز، والصهاينة الذين يستخدمون قصة طرد اليهود من مصر وتهجيرهم كذريعة لرفض السلام ونزع الشرعية عن الحقوق الفلسطينية. الدكتور أبو الغار لا يرضي أحدًا من هذه الأطراف، وهذا بالضبط ما يجعله كاتبًا جديرًا بالقراءة الجادة والاحترام العميق. فالمفكر الحقيقي هو من يزعج المسلمات لا من يؤكدها.
وأتذكر هنا ما قاله المفكر الراحل إدوارد سعيد عن المثقف: “المثقف هو من يزعج الوضع القائم، لا من يبرره”. وهذا بالضبط ما يفعله هذا الكتاب. إنه يزعج راحتنا الفكرية ويدفعنا إلى مواجهة أسئلة نفضل تجاهلها.
سؤال العودة المستحيلة
في الصفحات الأخيرة من الكتاب، يتوقف الدكتور أبو الغار عند سؤال يتجنبه الكثيرون، سؤال يلامس الحاضر والمستقبل هل يمكن أن يعود يهود مصر؟ وهل هناك إمكانية لزياراتهم، أو عودة استثماراتهم، أو حتى دفن موتاهم في مقابر العائلة التي ما زالت تنتظرهم في مقابر البساتين أو مقابر الإسكندرية؟ الإجابة التي يقدمها الكتاب هي إجابة غير مباشرة، لكنها بليغة في دلالتها، الذاكرة وحدها لا تبني أوطانًا ولا تصلح ما فسد من العلاقات، لكنها شرط ضروري لازم لأي مصالحة حقيقية مع الذات ومع التاريخ. لأن المصالحة مع الماضي هي الخطوة الأولى نحو بناء مستقبل أكثر إنصافًا وعدالة.
وأنا شخصيًا أميل إلى الاعتقاد بأن عودة يهود مصر بالمعنى الجماعي مسألة شبه مستحيلة في الظروف الراهنة. لكن الممكن والمطلوب هو استعادة ذاكرتهم في وعينا الجمعي، والاعتراف بأنهم كانوا جزءًا من نسيجنا الوطني، وأن رحيلهم مثل خسارة لنا جميعًا وليس لهم وحدهم. فالمجتمع الذي يفقد تنوعه يفقد شيئًا من حيويته وقدرته على الإبداع.
ذاكرة للحقيقة لا للنصر
ينهي الكاتب كتابه المثير اللافت باقتباس مؤثر مفعم بالشجن من رسالة لأحد اليهود المصريين المهاجرين، يقول فيها: “مصر هي الوطن الوحيد الذي عرفته، وحين أتخيل القاهرة، أتخيلها من دون أبراج، ومن دون ازدحام. أتخيلها كما كانت عربة ترام تمر بميدان سليمان باشا، ويهودي يبيع المجلات عند قصر النيل، ورائحة الفول والطعمية تفوح من محل يعقوب اليهودي في الموسكي. هذه مصر التي أحببتها، وماتت”.
هذا الحنين العميق لا يحتاج منا إلى قبول أو رفض، ولا إلى تحليل سياسي أو أيديولوجي. إنه يحتاج فقط إلى الإنصات. الإنصات إلى صوت إنسان فقد وطنه وظل يحلم به حتى في منفاه. الإنصات إلى شهادة على عالم كان موجودًا حقًا، ثم تلاشى. وهذا الإنصات في حد ذاته فعل أخلاقي وثقافي نبيل.
وربما لا يكون المطلوب منا اليوم أن نحب يهود مصر أو أن نندب حظهم. المطلوب هو شيء أبسط وأعمق من هذا المطلوب أن نعترف بأن تاريخنا الوطني ليس سردية واحدة متجانسة ومتماسكة، بل هو لوحة فسيفسائية غنية ومعقدة أزيلت منها قطع كثيرة، إما بقصد أو بدون قصد، فتشوهت الصورة الكلية. كتاب الدكتور محمد أبو الغار هو محاولة نبيلة وجريئة لإعادة تركيب بعض تلك القطع المفقودة، ليس لأن الماضي كان أفضل من الحاضر، أو لأننا نريد العودة إلى عصر ذهبي متخيل، لأن الحاضر لا يمكن أن يفهم نفسه حقًا، ولا يمكن أن يبني مستقبلًا سليمًا، دون أن يواجه ماضيه بكل تناقضاته وتعقيداته وإشكالياته.
في معنى الذاكرة الكاملة
يبقى هذا الكتاب، في نهاية المطاف، شهادة ثقافية رفيعة على أن العقل العربي قادر، حين يتحرر من عقده الموروثة ومن ضغوط الراهن السياسي، على أن يكتب عن الآخر بصدق وأمانة، لا بوصفه تهديدًا وجوديًا أو أسطورة ميتافيزيقية، لكن بوصفه جزءًا أصيلًا من ذاكرة معقدة ومتداخلة. ذاكرة لا تختزل في لحظات الانتصار والهزيمة الكبرى فقط، إنما تنطبع في تفاصيل الحياة اليومية الصغيرة، في رائحة الفول والطعمية، في صوت عربة الترام، في وجه بائع الجرائد عند قصر النيل.











