وداعاً بول أوستر.. كيف يبدأ العشق؟

بول أوستر

عبد السلام فاروق

في التسعينيات، كنت شاباً يقرأ كل ما يقع تحت يديه، مثل جائع يلتهم أي شيء يشبه الخبز. ولم يكن عندي وعي بأدب العالم، ولا دراية بمن يستحق ومن لا يستحق. كنت أقرأ كمن يشرب الماء، بدون أسئلة كبيرة. وفي يوم من الأيام، وأنا أتسكع في مكتبة صغيرة، رأيت كتاباً بعنوان (بلاد الأشياء الأخيرة). غلافه غريب، وعنوانه يثير فضولاً مرضياً. اشتريته كما تشتري تذكرة يانصيب، بدون أن تعرف ماذا ستربح. وفتحت الكتاب. ومن أول صفحة، شعرت بشيء لم أشعر به من قبل. كأن الكاتب يعرفني. كأنه كان جالساً في غرفتي، يراقبني، ثم قرر أن يكتب ما يدور في رأسي بالضبط.

تلك الرواية كانت مثل امرأة جميلة تصادفك في الشارع، ثم لا تستطيع أن تنساها أبداً. خليط غريب من همنجواي في بساطته الجارحة، ومن إدجار آلان بو في ظلاله المخيفة، ومن بورخيس في متاهاته الفلسفية. ولكن في النهاية، كان أوستر فقط. هو نفسه. لا يشبه أحداً.

والمفاجأة الأكبر أن هذه الرواية التي كتبها أمريكي يعيش في نيويورك، كانت تتحدث عني أنا. عن القاهرة المأزومة. عن حياة تكرر نفسها حتى التقيؤ. عن أشياء تختفي أمام عينيك وأنت واقف عاجز.

“لا شيء يدوم” هكذا كتب في الصفحات الأولى. “ولا حتى الأفكار في داخلك”. قرأت هذه الجملة وأنا في العشرين. ولم أفهمها تماماً. ظننت أنها مجرد كلام أدبي جميل. لكن الحياة علمني معناها الحقيقي. كلما كبرت، كلما فهمت أن هذه الجملة ليست أدباً. هي مرآة.

ثلاثية نيويورك

بعد (بلاد الأشياء الأخيرة)، بحثت عن كل ما كتبه بول أوستر. ووقعت على (ثلاثية نيويورك). يا إلهي، ما هذه العبقرية؟

ثلاث روايات بوليسية لا يوجد فيها جريمة بالمعنى التقليدي. ولا محقق بالمعنى التقليدي. ولا شيء بالمعنى التقليدي. كل شيء مختل، كل شيء مقلوب، كل شيء يشبه الحياة تماماً. في الرواية الأولى، محقق يعيش في شقة وينتظر الهاتف أن يرن. وعندما يرن، يجد نفسه غارقاً في قضية لا تفهم ولا تحل. وفي الرواية الثانية، كاتب يقرر أن يقوم بدور المحقق، فيتحول إلى متلصص يراقب رجلاً كل يوم. ثم يكتشف أنه يراقب نفسه في النهاية. أما في الرواية الثالثة، رجل يتجول في نيويورك وهو يظن أنه يبحث عن شخص ما، ويكتشف بعد مئات الصفحات أن المتعة الحقيقية لم تكن في العثور على أحد، بل في البحث نفسه. في الضياع نفسه. في عدم اليقين نفسه. هذا هو بول أوستر. يضربك على رأسك بقضيب من حديد، ثم يضحك في وجهك ويقول لك: أنت لا تفهم شيئاً يا صديقي. وهذه هي المتعة الحقيقية.!

قرأت هذه الثلاثية أكثر من مرة. في التسعينيات وفهمتها بطريقة. وفي الألفينيات وفهمتها بطريقة أخرى. وخلال ثورة يناير وفهمتها بطريقة ثالثة. وبعد عام 2013 وفهمتها بطريقة رابعة.

النص الجيد هو الذي يكبر معك. والنص العظيم هو الذي يجعلك تشعر أنك لا زلت صغيراً، وأن الدنيا أكبر من أي فكرة لديك عنها. بول أوستر كان يكتب نصوصاً عظيمة.

عندما يمرض الساحر

سنة 2023، أعلن بول أوستر أنه مريض. السرطان. تلك الكلمة الثقيلة التي تسقط على صدرك كصخرة. منذ ذلك اليوم، وأنا أتتبع أخباره كرجل ينتظر نبأ حبيبه المسافر. أقرأ كل خبر، كل تغريدة، كل تحليل. أسأل أصدقاء يعرفون أصدقاء يعرفون أصدقاء. أتصرف كمجنون. وأكثر من هذا، بدأت أسأل تطبيقات الذكاء الصناعي. نعم، قارئي العزيز، الذكاء الصناعي. تلك البرامج الباردة التي تحاول أن تشبه البشر. كنت أسألها: كيف صحة بول أوستر؟ هل تحسنت حالته؟ أخبرني الحقيقة، لا تخف علي. وأنا أعلم أنها مجرد برامج، لا تعرف شيئاً، ولا تهتم بشيء. ولكنني كنت مثل من يسأل عرافاً أو ساحراً في الأزقة المظلمة: أعطني أي أمل، أي كذبة جميلة، فقط لا تجعلني أواجه الحقيقة.

والحقيقة جاءت في الأول من مايو 2024. توقف قلب أوستر. وتوقف معه ألف عالم. تلقيت الخبر وأنا وحدي في الغرفة. لم أبكِ. لم أصرخ. فقط جلست صامتاً، أنظر إلى جدار أبيض، وأفكر: لا شيء يدوم… ولا حتى الأفكار في داخلك. أوستر كان يعرف. لقد أخبرنا من البداية. وكنا نقرأ ولا نفهم. أو ربما فهمنا، ولكننا اخترنا أن ننسى.

لماذا نحب كاتباً لم نره قط؟

سألني صديق بعد أيام من رحيل أوستر: لماذا أنت حزين إلى هذا الحد؟ الرجل لم تره في حياتك، ولا يعرف أنك موجود أصلاً. وصديقي هذا محق بالطبع. لم ألق بول أوستر قط. لم أصافحه، لم آكل معه، لم أشرب قهوة بجانبه. لا يعرف اسمي،. لا يعرف شيئاً عني إطلاقاً.

ومع ذلك، أحببته كما أحب أبي. بل أكثر. لماذا؟ لأن الكاتب الجيد لا يكتب كتباً. الكاتب الجيد يكتب روحه. يكتب خريطة عالمه. يكتب طريقة رؤيته للأشياء. وعندما تقرأه بعناية، تبدأ أن ترى العالم كما يراه هو. ليس لأنك فقدت رؤيتك أنت، بل لأنه أضاف عينين جديدتين إلى رأسك. أوستر علمني أن الضياع ليس عيباً. الضياع هو البداية الحقيقية للمعرفة. أن تشعر بأنك لا تفهم شيئاً، هو الخطوة الأولى نحو أن تفهم القليل. أن تتوه في شوارع نيويورك أو بغداد أو أي مدينة، هو الطريق الوحيد لتجد نفسك في النهاية.

أوستر علمني أن الواقع ليس حقيقة ثابتة، بل هو قصة نكتبها معاً. كل يوم، كل ساعة، كل دقيقة، نحن نؤلف روايتنا الخاصة. فلماذا نغضب حين لا تسير الأمور كما نريد؟ نحن الكتاب، والقصة لم تنته بعد. أوستر علمني أن الموت ليس نهاية. بل هو مجرد فصل أخير في رواية طويلة. وقد يكون الفصل الأكثر جمالاً، لأنه يجعل كل الفصول السابقة ذات معنى. لهذا أحببته. لهذا حزنت عليه. ولهذا سأظل أقرأه حتى ينام جفني الأخير.

بلاد الأشياء الأخيرة

دعني أعود إلى البداية. إلى ذلك الكتاب الذي غير حياتي. “بلاد الأشياء الأخيرة”. ما الذي يجعل هذه الرواية عظيمة؟ إنها تتحدث عن مدينة تحتضر. عن أشياء تختفي كل يوم. عن منزل موجود اليوم ويختفي غداً. عن شارع كنت تعبره كل صباح وتفاجأ بأنه لم يعد موجوداً. عن طقس متقلب كنساء عابسات: يوم مشمس ويوم ممطر ويوم مثلج ويوم ضبابي. حر ثم برد، ريح ثم سكون، برد قارس ثم دفء يكفيك فيه كنزة خفيفة.

هذه ليست نيويورك فقط. هذه القاهرة. هذه أي مدينة عربية عاشت الحروب والعقوبات والاحتلال.

أوستر لم يزر القاهرة قط. ولا يعرف تفاصيل حياتنا اليومية. ولكنه فهم جوهر الأشياء. فهم أن انهيار أي مدينة هو انهيار أي إنسان في أي مكان. فهم أن الخوف من المجهول هو لغة عالمية. فهم أن التكرار القاتل هو أسوأ أنواع العذاب.

عندما كتب: “لا شيء يدوم… ولا حتى الأفكار في داخلك”، كان يكتب عني. عنك. عن كل عربي عاش عقوداً من التيه والضياع. ولهذا أحببناه. ليس لأنه أمريكي، بل لأنه إنسان. إنسان رأى الحقيقة، ثم كتبها بصدق قاتل.

والآن، بعد كل هذه الكلمات، ماذا أقول في النهاية؟ في مثل هذه اللحظات، يضيع الكلام. كل الجمل تبدو مبتذلة. كل التعبيرات ناقصة. لا توجد طريقة صحيحة لقول وداعاً لرجل أحببته بهذا العمق. سأقول شيئاً واحداً فقط: شكراً يا بول. شكراً لأنك كتبت. شكراً لأنك أخبرتنا بالحقيقة. شكراً لأنك جعلتنا نشعر أننا لسنا وحدنا في هذه الدنيا المجنونة.

رحلت في الأول من مايو. والآن صار الأول من مايو عيداً عندي. ليس عيد فرح بالطبع. ولكنه عيد تذكير. تذكير بأن الأيام تمر، والأشياء تختفي، والأشخاص يرحلون، ولكن الحكايات تبقى. حكاياتك ستبقى يا صديقي. ستبقى في مكتبات العالم. وستبقى في قلوبنا. وكلما فتحنا أحد كتبك، سنسمع صوتك يهمس في آذاننا: لا شيء يدوم، هل تفهمني؟ لا شيء… ولا حتى الأفكار بداخلك!.

نعم، يا بول. فهمنا الآن. فهمنا بعد فوات الأوان قليلاً، ولكننا فهمنا. وداعاً. وداعاً أيها السيد القدير. وداعاً يا بائع الحكايات المستحيلة. وداعاً يا من علّمتنا أن الضياع هو البداية الحقيقية للوصول.

وداعاً. وربما نلتقي قريباً… هناك.

في بلاد الأشياء الأخيرة.

بعد كتابة هذه الكلمات:

أغلقت هاتفي المحمول ، ومسحت دمعتي بخفة، ونهضت لأصنع لنفسي فنجان من القهوة. وفي طريقي إلى المطبخ، توقفت للحظة أمام المرآة. نظرت إلى وجهي، إلى تجاعيده، إلى عينيه المتعبتين. وفجأة، سمعت صوت أوستر في رأسي: هل ترى نفسك يا صديقي؟ لا تطمئن لهذه الصورة. غداً، ستختفي. وبعد غد، سترى غيرها. أنت لا تدوم، مثل كل شيء. فلماذا كل هذا الجد إذن؟ ابتسمت في المرآة. وأنا أشرب قهوتي الساخنة، بدأت أفكر في رواية جديدة. ربما عن رجل أمريكي عجوز، يعيش في نيويورك، ويكتب رسائل لفتاة عربية في القاهرة. يصف لها مدينة تتفكك كل يوم. فتضحك الفتاة، وتقول له: هذا ليس نيويورك يا سيدي. هذه القاهرة. وهذا حكايتي أنا. شكراً لأنك فهمتها دون أن تعيشها.

نعم، بول. شكراً لأنك فهمتنا. وداعاً.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع