وحش الطين والست: قراءة في “قرموط الست” لهاني منسي

فتحي إسماعيل

ليس سهلاً أن تكتب عن قرية مصرية دون أن تقع في شركَين: إما الحنين الجارف والانسياق النفسي، وإما التوثيق الأنثروبولوجي الجاف. هاني منسي في مجموعته “قرموط الست” استطاع أن يتجنب الاثنين باقتدار، لأنه يكتب عن خبرة حياتية ورؤية نقدية، كما أنه ينهل من داخل كائناته المُعاشة.

تضم المجموعة القصصية الصادرة عن دار روافد عام 2025 خمسة عشر نصّاً تتجاوز وصفها بالقصص القصيرة، وهي ليست رواية بالمعنى الأدبي، ولا هي كتاب تأريخي. ولكني، وبحكم نشأتي الريفية المشابهة، صدَّقت كائنات القرية التي تتكلم بقلم الراوي: البطة، والحية، والبغلة، والليل، والشوارع والمخمرة، ناهيك عن الشخوص التي كانت من علامات كل قرية مصرية، ولا أدري إن ظلَّ بعضها على قيد الحياة و(الكاركتر) المتفرد، هل نجا أحد تلك الشخصيات الأصيلة من فخ العولمة والمحو أم لا. ولكني وجدتها في النصوص تنبض بالحياة.

ولم يتوقف الراوي عند رسم بورتريه شخصي أجوف، بقدر ما ضفَّر هذا الاستحضار للشخصية برمزية وجود الحيوانات والنبات والجدران، فالبقرة أمُّ الخير: تصف علاقتها بزاهر العساس وحبها للثور عنتر، كاشفةً عن بنية كاملة من القسوة والوداعة والغريزة التي يتقاسمها البشر مع من يملكونهم.

تبدأ المجموعة بقصة تحمل عنوانها: “قرموط الست”. تحكي عن سحر، الفتاة الفقيرة التي تتزوج من مبروك المعاق ذهنياً، لعلها تسقي عطشها للأمومة. وهنا تكمن المفارقة المركزية: المرأة التي تقدم على هذا الزواج “غير التقليدي” من مبروك، ذلك الطفل الكبير حسب أعراف القرية، هي وحدها الأكثر اتساقاً إنسانياً في رغبتها. بينما استطاع القاص صنع رمزية تحمل أكثر من دلالة من خلال القرموط، الذي يصبح كناية عن انتزاع الحق بالقوة، وما يحمله من دلالات يدركها أبناء القرى، وخاصة تلك التي في أعماق الجنوب المصري. تجسَّدت من خلال تلك الرمزية صورة قاسية، لكنها ليست مأساوية بالمعنى المباشر؛ فيها شجاعة، وشيء من السخرية السوداء التي لا تخلو من أمل عنيد.

لجأ القاص إلى تكنيك تعدد الأصوات بوجهة نظر تضيف إلى تجربته الفكرية في المجموعة، وترسخ مشروعه الفلسفي من وراء كتابتها. ففي قصة “وجبات إجبارية” التي تحكي مصير ذكر البط المسمن بالقوة ليُقدَّم قرباناً، ثم تعود القصة نفسها في ذكر البط لتُروى من فم البطة ذاتها. هذا التكرار الذكي الذي أظنه مقصوداً، لتعميق الجرح؛ تكرار قصة الضحية مرتين: مرة من الخارج كحدث، ومرة من الداخل كوعي. صرخة البطة وهي تُسمَّن وتُذبَح لا تختلف جوهرياً عن صمت سحر وهي تتحمل زواجاً بلا حب، ولا عن عواء جعفر “البغل” المخصي في ليلة زفافه. الجميع مسمنون. الجميع مقدَّمون كقرابين لمذابح مختلفة: العرف، أو السلطة، مقابل الجوع والعقم والقهر.

المكان ككينونة قدرية محتومة. القرية المسماة “طرف البلد” كحالة وجودية. وكما أن القرموط يعيش في الطين، فإن البشر هنا يولدون في الطين وإليه يعودون. هناك مشهد في قصة “المخمرة” لا يغادر الذاكرة: طفل مريض يُدعى فتحي ممنوع من اللعب والتعرض للشمس، وفي لحظة تمرد وحيدة يقفز في حفرة الطين التي تُعجَن ليُصنع منها الطوب. يتحول غضب والديه إلى ضحك، وتلك هي اللحظة الوحيدة التي يشعر فيها الطفل بالحرية. الطين وموازاته كرحم بديل، والشهادة الوحيدة على الحياة.

من أبرز ما قرأت في المجموعة قصة “هوبا بيضحك ليه؟!”، التي تحكي عن شاب “مختلف” ذهنياً يختفي فجأة، فتضطرب القرية كلها. بعد عودته يتحول هوبا إلى ولي، ويُبنَى له بيت، وتصبح ضحكته الغامضة علامة على البركة. أجد في هذه القصة خلاصة ما يفعله منسي: هو يقلب الموازين ببطء. المهمش الذي كان يُسخَر منه يصبح محوراً لوجود الجماعة، والمعاق الذي لا يفهم شيئاً يصبح الوحيد الذي يفهم كل شيء. الضحكة التي ظنها الجميع حمقاء، تظل لغزاً تُبنَى حوله الأساطير.

لكن ليس كل شيء في المجموعة صامداً بنفس القوة. هناك مواضع كنت أتمنى فيها على الكاتب أن يثق بالقارئ أكثر، فيختزل بعض المشاهد التي تطول على غير داعٍ. وفي بعض الفقرات يتقدَّم الشرح السردي على الفعل نفسه، فيفقد النص شيئاً من حرارته واندفاعه. هذا لا يخلُّ بالعمل ككل، لكنه يمنعه من بلوغ درجة الانضباط العضوي التي نجده في نصوص مثل “الحية” أو “الليل”، حيث الصياغة محكمة، والإيقاع شبه موسيقي، والفلسفة تخرج من التفاصيل لا من التصريحات.

اللغة في مجملها بسيطة لكنها غنية، تميل إلى العامية بتأنق، ولا تسقط في التكلُّف أو الابتذال. الحوار هو العمود الفقري للرواية، ومن خلاله تنكشف الفروق الطبقية والنفسية بدقة. أما السارد الخارجي فيبدو أكثر تحفظاً، وكأنه يترك المساحة لشخصياته لتقول ما تريد دون وصاية.

في القصص التي تُروى من منظور مغاير تبرز مهارة الكاتب بوضوح من خلال البغلة التي تحكي عن اغترابها الهجين، والحية التي تتأمل تاريخ جنسها بين التقديس والشيطنة، والبقرة التي تخشى التلقيح الصناعي لأنها تريد أن تحب بطريقتها القديمة. هذه الأصوات تمثل على نحو ما محاكمات للبشر. الحيوانات في المجموعة أكثر وعياً وصدقاً وإنسانية من معظم البشر الذين يظهرون في النصوص. ربما هذه هي المفارقة الكبرى

“قرموط الست” عمل متماسك برؤيته، لا يدَّعي البطولة ولا يجمِّل القبح، لكنه يصنع منه مادة دسمة للتأمل. إنها رحلة في قاع النيل، حيث يكون للطين صوت وحلم وثورة. وربما يكون الليل الذي يتكلم في آخر نص هو أشهد الرواة: يرى كل شيء، يحفظ كل سر، ولا يحكم على أحد. هذا الكتاب يستحق أن يُقرأ مرتين: مرة لنعرف ماذا يحدث في قاع النيل، ومرة لنعرف أننا جميعاً أبناء هذا الطين، نحلم بقرموط لا يُصاد أبداً.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع