د. حمدي هاشم
استضافت مكتبة مصر العامة بالمقر الرئيسي (بالدقي)، مناقشة كتاب “نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة”، تأليف الدكتور “حاتم الجوهري”، الاثنين (27 أبريل 2026)، وكان يوماً ربيعياً بامتياز، هواء عليل مسكون برائحة التاريخ والنهر، وركائز الأمل المتجدد في القلوب. وللمكان إطلالة مؤثرة مع النيل هبة السماء، ذات بيئة حضرية رائعة، يتخذها الإعلاميين خلفية جذابة للتسجيل مع الشخصيات المؤثرة. أما المبنى التاريخي الذي يشمل المكتبة الحالية، تعود ملكيته لشخصية فرنسية بنكية، وبعد بيعه في ثلاثينيات القرن العشرين، اشتهر بقصر الطحاوية، وبعد قيام الثورة (يوليو 1952) شملته إجراءات الحراسة، ثم تغير بتحويله إلى مكتبة من تبعية رئاسة الجمهورية إلى وزارة الثقافة (1).
تعرفت بالدكتور حاتم الجوهري لأول مرة، في ندوة “التطورات في المحيط الجنوبي لمصر 2026″، مؤسسة “كيميت” بطرس غالي للسلام والمعرفة، النادي الدبلوماسي بالقاهرة (12 يناير 2026). وبعد أسبوعين، وجدته مهتماً بإهدائي نسخة من كتابه الجديد، في معرض القاهرة الدولي للكتاب، مجمع بلازا 1 (القلب الثقافي المباشر)، وذلك قبل فاعلية كاتب وكتاب “الببغائية” الذي كلفت بمناقشته (2)، وكانت هناك قاعة غريبة الأطوار، لوحتها مرفوعة ونوافذها محجبة، يحرسها أفراد مسلحون بأجهزة لاسلكي (أشباه روبوتات)، وعند محاولة استطلاع ذلك المشهد الثقافي (الانتقائي)، صدني حائط بشري عن مجرد الاقتراب أو الاستفسار. وأخبرني الدكتور حاتم الجوهري (3)، إنها ندوة كاتب وكتاب “الاتزان الاستراتيجي: ملامح من السياسة الخارجية المصرية في عشر سنوات”، للوزير الدكتور بدر عبد العاطي!
رافقني بأدب جم لمقابلة الأستاذة “ليلى يوسف”، إجابة عن تساؤلي عنها، والتي أعرفها منذ كانت مديرة البرنامج الثقافي المصاحب لدورة المعرض التاريخية (2019)، لأستعيد معها ذكريات فاعلية كاتب وكتاب، وحضورها مناقشة كتابي “جغرافية نهر الحياة: سيرة وأثر”، ثم سلمتني على المنصة شهادة شكر وتقدير نيابة عن رئيس مجلس إدارة الهيئة المصرية العامة للكتاب (4) (معرض الكتاب ـ اليوبيل الذهبي 2019). وبعد مرور نحو شهر، تلقيت من الدكتور حاتم الجوهري اتصالا هاتفياً، ينقل اختياره لي مناقشاً لكتابه، في نظرية الجغرافية الثقافية الرابطة، ويعلمني بالمطلوب لتسجيل ضيوف المنصة. واعتقد وراء هذا الاختيار تخصصي في الجغرافية البشرية، مع خبرة تراكمية على المستويين الثقافي والقومي (5).
وجدت مكاني (6) إلى جوار الكاتب المهندس “أحمد بهاء شعبان”، الذي أدار هذا اللقاء باقتدار، ثم الكاتب والدبلوماسي “سامي الزقم”، والدكتور حاتم الجوهري، والسفير “شريف شاهين”، وقد افتتح تلك الندوة الثقافية الهامة السفير “رضا الطايفي”، عضو مجلس إدارة مكتبة مصر العامة (ممثل وزارة الثقافة)، بتقديم مستفيض عن الكاتب والكتاب ومنصة الضيوف. وذلك بحضور نخبة من المثقفين والدبلوماسيين والاعلاميين (من مصر وليبيا واليمن) من المهتمين بمستقبل الثقافة العربية.
https://mpl.org.eg/discussion-of-the-book-theory-of-geography-the-cultural-link/
ويظل القصد من وراء نشر هذه الدراسة النقدية عن كتاب الدكتور حاتم الجوهري (بين رواد موقع الكتابة الثقافي)، توسيع المعرفة وتعزيز الفهم، بأهمية تقويم مسار العمل الثقافي والأدبي، ومناقشة مقترح اعتماد التحكيم العلمي الشامل (أكاديمياً وإجرائياًً)، ولا سيما مع الإعلان عن نظرية جيوثقافية جديدة، وذلك قبل العرض الجماهيري والإعلامي، ودخول العمل المطبعة.
وفي انتظار المداخلات والنقاشات لاكتساب فوائدها متعددة الجوانب.
فيما يلي دراسة تحليلية مبسطة حول فرضية الكتاب:
مناقشة كتاب نظرية الجغرافية الثقافية الرابطة
فقرة إسقاطيه لسؤال في الجغرافية الثقافية التخيلية
أنفقت بعض الملكيات الخليجية العربية، تريليونات الدولارات الأمريكية! لمجرد دعم سياسات خارجية لحماية استمرار النظام الملكي، وذلك بالتأثير على مسارات سياسية في المنطقة، وكانت هذه الملكيات قد دعمت قوى مضادة للناصرية (في ستينيات القرن العشرين) وما بعدها، اعتماداً على وسائل الهندسة السياسية لمنع انتشار النموذج الجمهوري الثوري، مخافة احتمالية مطالبة شعوب الخليج بإسقاط الملكيات. وتستهدف تلك الاستراتيجيات السرية أمن النظام أكثر من كونها مجرد سياسات خارجية، أي تقديس الملكية يفرض حجم الإنفاق والتحالفات! وكذلك الاستقواء بالقواعد العسكرية الأمريكية للحماية من أي خطر خارجي! ولكن الحرب العسكرية الجارية ضد إيران قد جاءت لتؤكد على الإطلاق حماية اللاكيان الإسرائيلي (7) على حساب الدفاع عن هذه الملكيات الخليجية!
وماذا لو انفقت تلك الأموال الطائلة في تطوير وتحديث المنطقة العربية بكل دولها في الاتحاد بالتكامل الاقتصادي وتأسيس قوة دفاع عربية موحدة؟ حيث يتصدر ذلك الفارق الحضاري بناء سردية عربية كبرى، “الكتلة الجيوثقافية الثالثة” كما أعلنها الكاتب، من أجل حماية المجال الحيوي للمتن العربي، وذلك في المنافسة بسردية عربية حديثة، مساهمة في الحضارة العالمية من المنظور الجيوثقافي.
الكاتب
من مقدمة الكتاب (بقلم الكاتب عن نفسه): الناقد الثقافي، الأكاديمي الممارس للمنهج الثقافي التطبيقي، صاحب مذهب الدرس الثقافي الحر، والمستشرف لمدرسة معرفية وعلمية عربية في الدراسات الثقافية والإنسانية. إنه الدكتور حاتم الجوهري (يعمل في الهيئة المصرية العامة للكتاب)، واصفاً مشروعه بالطموح لإعادة صياغة العلاقة بين الجغرافية والثقافة والسياسة، للانتقال من منطق الجيوسياسي (القوة العسكرية، التحالفات، والسيطرة على الموارد) في القرن العشرين إلى منطق “الجيوثقافي” (القوة الناعمة، الهوية، السرديات الكبرى) في القرن الحادي والعشرين (8).
الكتاب
يقدم مشروع ثقافي (ثوري)، لا يتأسس إلا في ظل قوة ناعمة عربية وسرديتها الكبرى (بحسب رؤية الكاتب)، وقد سبقه للمؤلف نفسه ثلاثة كتب: الدبلوماسية الثقافية البديلة (2024)، مدرسة الدراسات الثقافية العربية المقارنة (2025)، والسياسة الثقافية الثالثة (2025)، وذلك في إطار نظري يواكب التحولات العالمية، مستغلاً صعود الثقافة وقوتها الناعمة. وهو بذلك يطرح في جرأة فكرية بديلاً عن السرديات الغربية المهيمنة، وبناء سردية عربية جديدة، اعتماداً على “الجغرافية الثقافية الرابطة”، من خلال شبكة ثقافية عابرة للحدود، وجعلها في المركز لإدارة العلاقات الدولية وإعادة تشكيل المجال العام العالمي! استنهاضاً للأمل في بناء نظرية عربية في العلاقات الدولية، تنقل مركز الثقل من القوة الصلبة إلى القوة الناعمة (9). وبذلك يبقى الكتاب دعوة مفتوحة للنخب الثقافية والسياسية العربية لإعادة التموضع في النظام العالمي الجديد من منظور جيوثقافي.
اختيار معنون يصادر على المطلوب
قد يلفت كتاب “نظرية الثقافة الجغرافية الرابطة” الانتباه، دون الأهمية الموضوعية، ربما من جاذبية لفظية أو غير ذلك، ونظراً لالتباس مفهوم “النظرية” وفلسفتها عند شريحة كبيرة من جمهور القراء، الذين يعتمدونه “دراسة نظرية” تمهيدية لأطروحة تخيلية. أما القارئ المتمرس المدرك لشروط قبول نظرية جديدة (في أي علم)، بمعايير ومواثيق قاطعة، فالنظرية ليست مجرد رأي، بل إطار علمي موثوق يضيف للمعرفة الإنسانية (10). وكان قبل إعلانه نظرية جيوثقافية جديدة، ضبط مسيرة توكيد فكرته (11)، من خلال ما يلي: نشر علمي محكم، نقاش نقدي في المجتمع الأكاديمي، واعتراف مؤسسي، وأخرى. كل ذلك قبل صدور الكتاب، ولكن الكاتب رغم تمسكه بأنها نظرية جديدة، قد اعتمد على تداول ثقافي وإعلامي لمنحها حضوراً جماهيرياً، ويأتي تفعيل ذلك كعنصر أخير من متطلبات قبول تلك النظرية!
عنوان فرعي مثير للجدل
“مقاربة في السياسة الخارجية لاستعادة الأمن القومي لجغرافية الذات العربية”، يفتح الباب لنقاش نقدي واسع، خاصة تجاه مواجهة النظريات الغربية الكبرى في العلاقات الدولية. حيث يتحدى الكاتب بأطروحته نظرية الواقعية مباشرة، لكنها قد تتهم بالانفصال عن الواقع المادي للقوة العسكرية والاقتصادية (الصلبة)، خاصة في منطقة مضطربة مثل الشرق الأوسط. وبينما تراهن الليبرالية على المؤسسات الدولية، يراهن الكاتب على بناء سردية ثقافية عربية، وهو طرح أكثر خصوصية لكنه أقل قابلية للتعميم عالميًا. ويبقى للجوهري الانخراط في سلك البنائية باعتبار الأفكار والهويات محركاً للعلاقات الدولية، لكنه يضيف بعدًا جغرافياً (الذات العربية كحيز ثقافي) يجعلها أكثر تحديدًا وأقل شمولية!
يظل الكتاب نظرياً بدرجة كبيرة
يقدم الكاتب حلولاً لمعضلة الثقافة العربية، بإعادة تنظيم مفاهيم الأمن القومي، والسياسة الخارجية العربية، واستعادة الأمن القومي العربي بعيداً عن الأدوات الجيوسياسية، وإعادة تشكيل الهوية الجامعة بتعميم رابطة الجغرافية الثقافية، والتحفيز الوظيفي للقوة الناعمة، وترقية الثقافة من مجرد أداة مساندة إلى إطار حاكم للعلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين، ويشمل ذلك المفهوم الهوية والسرديات الكبرى، الذي يتخطى التصورات الأمنية التقليدية، مقدماً البديل العربي للسرديات الغربية، وواضعاً الثقافة في قلب السياسة الخارجية! وفي ظل غياب استراتيجية شاملة قابلة للتنفيذ، يظل الكتاب نظريًا بدرجة كبيرة، لأنه لم يقدم خطة لكيفية تحويل “الجيوثقافي” إلى سياسة خارجية ملموسة، والتي تتطلب وجود مؤسسات عربية قوية قادرة على إنتاج وتصدير الثقافة، وهو ما يفتقر إليه الواقع الحالي. بالإضافة إلى التركيز على “جغرافية الذات العربية” قد يميل بالفهم نحو الانغلاق الثقافي، بدلًا من فاعلية الانفتاح على العالم!
الجيوثقافي ليس مرادفاً للجغرافية الثقافية
تعد “الجغرافية الثقافية” فرع من الجغرافية البشرية (الجغرافية قسمين، طبيعي وبشري)، يدرس علاقة المكان بالثقافة (منذ منتصف القرن العشرين)، بينما مصطلح “الجيوثقافي” مفهوم حديث (في بداية القرن الواحد والعشرين)، يستخدم في سياقات القوة الناعمة والسياسات الثقافية العالمية. وقد أكد الكتاب بأنهما مترادفتان دون فرق جوهري بينهما، وهما ليس كذلك في الأساس، بل يمكن القول إن الجيوثقافي امتداد تطبيقي واستراتيجي للجغرافية الثقافية.
مجالات السياسات الجيوثقافية
الدبلوماسية الثقافية، الهوية الوطنية، التنمية المستدامة، التفاعلات الدولية، وحوار الحضارات لإبراز المشتركات الثقافية، وأخرى. ومن الأمثلة العالمية: تضع اليونسكو الثقافة في قلب سياسات التنمية المستدامة، مثل رقمنة التراث الثقافي، وحماية الحقوق الثقافية للعاملين في المجال. ويوظف الاتحاد الأوروبي الثقافة لتعزيز التماسك الاجتماعي داخلياً، وللتأثير خارجياً عبر برامج التبادل الثقافي. بينما تستخدم الصين البعد الجيوثقافي في مبادرة الحزام والطريق لتصدير ثقافتها وربطها بالاقتصاد والسياسة. ويمكن لمصر الاستثمار في ذلك لإبراز التراث الفرعوني والإسلامي في الدبلوماسية الثقافية، وربط ذلك بالتخطيط العمراني المستدام (مثل دمج التراث في مشاريع المدن الجديدة).
الخريطة لغة الجغرافية
مع اعتماد المدخل الجغرافي في متن أي دراسة بحثية، أو مشروع نظري، لا تغيب الخريطة عن دعم الأفكار والنتائج، وكذلك استشراف المستقبل، ولما حضرت الجغرافية في صلب عنوان الكتاب (نظرية الجغرافية الثقافية الرابطة) توقعت استعانة الكاتب بخريطة “نطاقات العالم من المنظور الجيوثقافي”، لتظهر لنا ذلك التماس الجيوثقافي في حوض البحر المتوسط، كمنطقة تفاعل أو صدام أحياناً بين النطاقين الأوروبي والإسلامي. وكذلك خريطة “برنارد لويس” لتفتيت الدول الوطنية الحالية بالشرق الأوسط، وإعادة رسم الحدود بناء على أساس الهويات الإثنية، والطائفية، والمذهبية، والقبلية. وربما خريطة أخرى قد تزيد من ترسخ فكرة الكتاب. وعلى ذكر فاعلية الخريطة، فقد استخدام نتنياهو في خطابه بالأمم المتحدة، خريطتين تبين التوسع الصهيوني المطلوب في المنطقة العربية! وأيضاً خريطة التقسم المصاحبة لمقالي “المصيدة الجغرافية وصراعات المنطقة”، صحيفة النهار اللبنانية. (12)
مراجع الكتاب
غابت عنه مراجع في صلب دراسة المنظور الجيوثقافي للمنطقة العربية، والتي تتطلب الجمع بين التراث الجغرافي التقليدي (المكان والهوية)، الدراسات الإقليمية (الخصوصيات المحلية)، والتراث الطبيعي والجيولوجي (البيئة كجزء من الثقافة) (13)، وذلك ليصبح البعد الجيوثقافي ليس فقط من منظور أكاديمي، بل أيضاً كمدخل لصياغة سياسات ثقافية وتنموية متكاملة.
وخلت كذلك من مراجع، أعتقد أنها من الأهمية في مجال الكتاب، ومنها:
- مركز دراسات المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة. المنظور الجيوثقافي: توظيف القوى الكبرى للثقافة في العلاقات الدولية (2023) (14). الذي يتناول الأبعاد الجيوثقافية للتنافس بين القوى الكبرى في النظام الدولي، من خلال استكشاف النماذج الثقافية.
- د. مصطفى النشار. الأورجانون العربي للمستقبل (2014). ويعد خارطة طريق للتفاعل مع تحديات الواقع وأزماته، وتوجهنا الى الكيفية التي نعمل بها ونتعامل لتحقيق المستقبل الأفضل.
- د. مصطفى النشار. في فلسفة الثقافة والنقد الثقافي (2012). وهو مرجع تحليلي يدرس الثقافة كإطار نظري للقيم والسلوك الجماعي، رابطاً بينها وبين الحضارة، والتقدم، وتحديات العولمة. علاوة على ترسيخ لفهم الثقافة كوعي متجدد، بينما يقدم النقد الثقافي لكشف الأنساق المضمرة.
تلاشي الخاتمة
افترشت خاتمة الكتاب تسع صفحات (نصف المقدمة تقريباً)! تتوارى خجلاً من استبعاد الإجابة عن الأسئلة الجوهرية، ومنها أنها لم تسفر عن خطة عملية تبين منهجية تحويل “الجيوثقافي” إلى سياسة خارجية ملموسة، من خلال استراتيجية شاملة قابلة للتنفيذ، لإنتاج وتصدير الثقافة، في حلقة الانفتاح التفاعلي مع العالم، من خلال تنافسية حضارية عربية. وكذلك لم تنتبه تلك الخاتمة الضعيفة إلى أهمية الكشف عن جدلية الذكاء الاصطناعي (15) كأداة جيوثقافية قوية، وقدرته على إعادة تشكيل هوية الشعوب، وتأثيره غير الأخلاقي على سرديتها الثقافية عبر أدوات القوة الناعمة، ومخاوف التلاعب بالسرديات التاريخية، على خلفية توفير المجال لتأثير عابر للحدود، يعيد صياغة العلاقة بين الثقافة والتكنولوجيا!
الثقافة والهوية
تظل الثقافة مستودع الهوية لإعادة هيكلة الأمن القومي العربي، من المنظور الجيوثقافي، وليست الثقافة والهوية مجرد أدوات مساندة، بل هي المحرك الأعمق لسلوك الدول والجماعات في تحديد استراتيجياتها وحدودها، التي لا تقتصر على الحدود السياسية الفعلية، بل تشمل الحدود الرمزية والافتراضية التي ترتبط بالانتشار التاريخي للعناصر التاريخية الثقافية، وذلك لإعادة النفوذ عبر الثقافة، سواء من خلال اللغة، التراث، الفنون، أو السرديات الكبرى.
بعض النماذج الواقعية:
– القوة الناعمة الأمريكية: استخدام هوليوود، الموسيقى، والجامعات كأدوات نفوذ عالمي.
– الصين: مبادرة “الحزام والطريق” مدعومة بمراكز “كونفوشيوس” لنشر الثقافة الصينية عالميًا.
– تركيا: توظيف الدراما التركية كأداة جيوثقافية للتأثير في الشرق الأوسط والبلقان.
– فرنسا: الاعتماد على الفرانكفونية كشبكة ثقافية تربط دولاً متعددة وتدعم نفوذها السياسي.
وما زال (مقترح الجوهري) يتخيل تحويل كتلة العالم العربي (المنقسمة على نفسها) إلى نموذج عالمي قادر على المنافسة بالثقافة والهوية! من خلال مشروع إعادة بناء “جغرافية الذات العربية” عبر الثقافة كأداة لاستعادة الأمن القومي. ولتلافي الاتهام بالمصادرة على المطلوب، فقد يطأ مقترح الجوهري المستقبل، بشرط تبني العرب علامة القوة في الاتحاد. وقد تم تحليل ذلك بين سطور الصفحات السابقة (العودة لقراءة هادئة).
استراتيجية عربية جيوثقافية (16)
أولاً: البنية المؤسسية
– تأسيس مجلس عربي للأمن الثقافي من وزارات الثقافة والتعليم، والإعلام، والدفاع، والخارجية.
– إنشاء مراكز دراسات جيوثقافية في الجامعات العربية لتطوير السياسات وتقديم الاستشارات للحكومات.
– وضع استراتيجية عربية موحدة للأمن القومي الثقافي تراجع دورياً وتتكيف مع التحولات العالمية.
ثانياً: التعليم والهوية
– إدماج الهوية العربية الجامعة في المناهج الدراسية، مع التركيز على اللغة العربية والتاريخ الجغرافي المشترك.
– تطوير برامج تعليمية للأطفال والشباب تعزز الانتماء الثقافي وتربطهم بالفضاء العربي الأوسع.
– دعم الترجمة والنشر لتوسيع دائرة التأثير الثقافي عالميًا، وإبراز الإنتاج الفكري العربي.
ثالثاً: الإعلام والدبلوماسية الثقافية
– بناء شبكات إعلامية عربية قادرة على إنتاج سرديات تنافس عالمياً وتعيد تشكيل صورة الذات العربية.
– إطلاق مبادرات ثقافية مشتركة (مهرجانات، منصات رقمية، معارض دولية) تعكس التنوع العربي وتقدمه كقوة ناعمة.
– تعزيز الدبلوماسية الثقافية عبر السفارات والمراكز الثقافية بالخارج لتكون منصات لنشر الثقافة العربية.
رابعاً: الاقتصاد الثقافي
– الاستثمار في الصناعات الإبداعية (السينما، الموسيقى، الألعاب الرقمية، الفنون البصرية).
– دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة في مجالات الثقافة والفنون وربطها بالأسواق العالمية.
– إدماج البعد الثقافي في مشاريع التنمية المستدامة والبنية التحتية، بحيث تصبح الثقافة جزءًا من النمو الاقتصادي.
خامساً: التكامل مع القوة الصلبة
– دمج القوة الناعمة مع القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية في استراتيجية شاملة للأمن القومي.
– الثقافة تمنح الشرعية والهوية، بينما القوة الصلبة توفر الحماية والقدرة على التنفيذ.
– بناء منظومة أمن قومي عربية تجمع بين الردع العسكري والانتشار الثقافي، بحيث يعملان معًا لا بشكل منفصل، وذلك بهدف بناء جيش عربي موحد.
وفي النهاية
تطاردني أفكار قراءة هذا الكتاب، من التباس في المفهوم العلمي الجغرافي، والربط غير الواقعي لإثبات المطلوب، وعدم مطاوعة العنوان لمحتواه، ويا ليته خلا من لفظة “نظرية”! وهناك اختيارات حضرتني قد تثمر في التناغم بين عنوان الكتاب والمتن، ومنها: “سردية عربية حديثة من المنظور الجيوثقافي”، ولا زلت أجدها أنسب عناوين هذا العمل الثقافي. وفي النهاية، تظل بين أيدينا محاولة جادة نحو فرضية عربية جديدة في العلاقات الدولية، بشرط تبني مشروع “الجيوثقافي” كأداة لإعادة التموضع العربي في النظام العالمي الجديد. وأترك للدكتور حاتم الجوهري التفكير في كيفية تكوين مرصد عربي جيوثقافي انطلاقاً من مصر.
الهوامش
- الفيسبوك، صفحة عرب الطحاوية، أصل وتاريخ المبنى، 3 مايو 2022.
- بتكليف شخصي من الأستاذ الدكتور حسين البنهاوي، عضو لجنة الكتاب والنشر بالمجلس الأعلى للثقافة.
- بحكم عمله، ومتابعته كتابه الجديد في دار أرفلون (نظرية الجغرافية الثقافية الرابطة).
- حمدي هاشم جغرافية نهر الحياة https://www.youtube.com/watch?v=9GHtBBWXwlw
- دكتوراه الجغرافية البيئية ـ جامعة القاهرة (2004)، عضو المجالس القومية المتخصصة (شعبة البيئة ـ 2009)، وعضو المجلس الأعلى للثقافة (لجنة الجغرافية ـ لجنة الجغرافية والبيئة) في المدة (2009 ـ 2023).
- بدأت الندوة بعد نحو ساعة من موعدها المعلن، لتأخر وصول ثلاثة من شخصيات المنصة، وكذلك كثير من الحضور، وذلك بسبب الغلق الجزئي والتحويلات المرورية بمحيط المحاور الرئيسية الرابطة بين القاهرة والجيزة، إلى جانب الكثافات المتحركة المعتادة بميدان الجلاء وشارع البحر الأعظم.
- حمدي هاشم. اللاكيان الإسرائيلي. النهار اللبنانية، ع 26830، الثلاثاء 16 نيسان/ أبريل 2019، ص 9.
- حاتم الجوهري. نظرية الجغرافيا الثقافية الرابطة. ط 1. القاهرة، دار أرفلون للنشر والتوزيع، 2026. المقدمة.
- حاتم الجوهري. المرجع السابق.
- أنظر: ما هي مكونات النظرية؟. https://www.sanadkk.com/blog/post/2542/%D9%85%D8%A7-%D9%87%D9%8A-%D9%85%D9%83%D9%88%D9%86%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9.html
- أنظر: https://www.sciencedirect.com/topics/social-sciences/theory-building
- حمدي هاشم. المصيدة الجغرافية وصراعات المنطقة. النهار اللبنانية، ع 26420، السبت 18 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، ص 9.
- حمدي هاشم. الثقافة الجغرافية والوعي بالتنمية. الملتقى الدولي تجديد الخطاب الثقافي، الدورة الأولى 29: 31 مايو 2016، اليوم الثالث ـ الجلسة الصباحية. المجلس الأعلى للثقافة، الثلاثاء 31 مايو 2016.
- دراسة ذات مرجعية جيوثقافية (مبكرة)، صدرت قبل سنة واحدة من صدور كتاب الدبلوماسية الثقافية البديلة للدكتور حاتم الجوهري.
- حمدي هاشم. الذكاء الجغرافي. الأهرام، ع 50129، الأربعاء 6 مارس 2024، ص 10.
- تم الاستعانة بعدة مراجع مدعومة بالذكاء الاصطناعي.






