نظرة.. فى الزِّحام

محمد ممدوح

أتأمّل سحابةً فى مكان مفتوح، أو خلْفَ نافذة، موجةً داخل زجاجة أنثرها بكفّىّ للريح. أُحدّق فى حائط صامتاً، وأتجاوزه لجهةٍ أخرى مجهولة. أتأمّل غلاف كتابٍ، أقرأه، أو أقذفه بطول ذراعى لإحدى زوايا غرفتى. أُحدّق فى الصور، أشتم أصحابها أو أبتسم فى وجوههم. أنظر فى وجه طفلٍ، أخترع له حكايات حتى ينام، ثم أتركه وأمشى فى شارعٍ فارغٍ.

أفعل ذلك بأريحية وسهولة؛ لكننى أجد صعوبةً فى النظر للوجوه وسط الزِّحام.

عندما تنظر فى مرآتك، يسقط تاريخك الشخصىّ تلقائياً: خلفيتك النفسية والاجتماعية، مخاوفك وأحلامك، أحزانك وأفراحك، خيالاتك وكوابيسك، ملابسك القديمة، مقاعد دراستك، شوارعك التى تسير فيها بلا هدف، أصدقاؤك القدامى والجُدد، إخوتك، أقرباؤك الأحياء والأموات، أفكارك الطيّبة والشريرة، مطربك المفضّل، مكتبتك، إهاناتك الشخصية، لحظات زهوك القليلة.

المرآة بلا تاريخ شخصىّ، بلا إحساس بـ«ذنب النظرة» التى تكثّف إرثاً مشتركاً لا يريد أحدٌ تذكّره، لا تبالى بمَن يرى وجهه على سطحها الأملس، سيُستبدل فى دقائق بوجهٍ آخر، لن تبالى بمرآةٍ أخرى فى مواجهتها: يعكسان سطحين بلا روح، قد يظهر فى عمقهما حائطان لغرفةٍ كمنظرٍ بلا معنى، وعند إظلامها تختفى المرآتان إلى حين.

طريقة الجلوس ومكانها تحدّدان نوع النظرة.

فى عَرَبة مترو: أتجاوز النظر لوجوه الجالسين إلى أحذيتهم، أتأمّل ألوانها المتنافرة وأخمّن، من متانة جلودها، أيها سيصل أسرع من الأخرى. تهتز العَرَبة: معظم الرؤوس منكّسة؛ كأنهم فى زحمة صمتهم يخمّنون مصائرهم التى تنتظرهم فى معسكر اعتقال بقلب الصحراء. أسحب نظرتى لسقف العَرَبة، أنتظر اقتراب محطتى بفارغ الصبر، لأهرب من المصير المحتوم.

فى سيّارة: الطريق طويلة، والراكبون لا يعرفون بعضهم، يوجّهون نظراتهم لمؤخرات رؤوسهم، يُميلها النوم على صدورهم، ينقبض قلبى: وضعٌ مثالىٌّ للذبح، أُغمض عينىّ، أفتحهما فأرى نظرة السائق مصوّبة إلىّ فى مرآته الصغيرة، فيهما خوفٌ قَرَأه فى وجهى، أسحب نظرتى خلال النافذة المفتوحة، للفضاءات الفسيحة على جانبىّ الطريق، استعداداً للقفز.

فى ندوة أدبية: أحضر اثنتين فقط طوال العام، أجلس فى الصف الأخير منزوياً كالعادة، أكون آخر المتحدثين، فأختصر لجملتين حتى لا أكّرر ما قيل، المتحلّقون حول طاولة الندوة متآمرون بؤساء، يبقرون بطن الكتاب وبطن مؤلفه، أتحاشى النظر لوجوههم تفادياً لمشاعر ذنب قاتل مُدرّب، إلى ساق كاتبةٍ ملساء نُحتَتْ بعناية، ثابتة كالوتد أسفل الطاولة على عكس كتابتها، انتظاراً للحظة الهرب من باب القاعة عندما يُخرج المتآمرون مسدساتهم من حقائبهم ويطلقون النيران.

الشوارع، والشرفات، والميادين، والفضاءات الفسيحة، والأماكن المهجورة، «أرض نظر» محايدة بالنسبة إلىّ، أصحابها عابرون كالبرق، لا يتيحون فرصة لاختبار خزى إرثنا المشترك.

أتأمّل غلاف كتابٍ بسهولة، وأقرأ صفحاته بأريحية، بنظرةٍ خاليةٍ من الخوف والألم.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع