بولص آدم
أنا المخ، وأطلب الرحمة.
ليس لأنني ضعيف، ولا لأنني لم أعد قادرًا على العمل، وإنما لأنني قضيت عمرًا كاملًا في خدمة رجل لا يعرف معنى الرحمة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بنفسه. هذا الرجل هو صاحبي، شئت أم أبيت، وأنا سجين مخلص في جسده؛ سجين لا يستطيع الهرب، ولا يملك بابًا يخرج منه، ولا يمكنه أن يطلب اللجوء السياسي في رأس آخر، ولا حتى أن يقدّم طلب نقل إلى جسد أكثر هدوءً. تخيلوا وضعي: أعيش داخل جمجمة الرجل نفسه، وأعمل عنده طوال اليوم، وأسمع أفكاره طوال الليل، وإذا أردت أن أقدّم استقالتي، اكتشفت أنني لا أملك يدًا أوقّع بها أصلًا.
ومع ذلك، يريد مني صاحبي كل شيء. يريدني أن أتذكر أسماء الناس، ومواعيدهم، وأرقامهم، ووجوههم، وما قالوه قبل عشرين سنة، وماذا كنا نرتدي، ومن كان واقفًا بجانبنا، ولماذا ابتسم ذلك الشخص ابتسامة غريبة. يريد مني أن أتذكر حتى الأشخاص الذين كان ينبغي أن أنساهم منذ زمن. وهذه أكثر نقطة تثير أعصابي فيه. الرجل ينسى أين وضع هاتفه، وينسى لماذا دخل المطبخ، وينسى اسم شخص قابله قبل دقائق، لكنه يتذكر واحدًا من أولئك الحثالات الذين مرّوا في حياته قبل ثلاثين عامًا، وكأنني حفظت له ملفه في خزنة من الفولاذ.
يا صاحبي، بالله عليك، ماذا تريد مني؟ هل تريدني أن أذكّرك بمن آذاك إلى الأبد؟ أن أحتفظ بأسماء الذين كذبوا عليك، واستغلوك، وخذلوك، وأهانوا كرامتك، وأفسدوا عليك سنوات من عمرك؟ ماذا ستفعل بهذه الذكريات؟ هل ستذهب لاسترداد عمرك منهم؟ هل سيعيدون لك ما أخذوه؟ هل سيجلس أحدهم أمام باب بيتك ويقول: «آسف، كنت حثالة، تفضّل السنوات التي أضعتها بسببي»؟
لا، لن يفعلوا.
ومع ذلك، تصرّ على أن أتذكرهم.
أنا، لو كان القرار بيدي، لكنت حذفتهم جميعًا بضغطة زر. لكنني لا أملك زرًا، ولا أملك حرية اختيار الملفات التي تحتفظ بها. أنت من يقرر ما تعيده إليّ كل ليلة. تفتح الأدراج القديمة، ثم تجلس تتفرج على محتوياتها، وبعد ساعة تسألني لماذا لم أنم. ثم تلومني لأن رأسك يؤلمك.
والله، إنني أحيانًا أشعر أنني أعمل في مؤسسة عقابية، وليس في جسد إنسان. صباحًا أُكلَّف بالتفكير، وبعد الظهر بالتذكر، وفي المساء بتحليل الماضي، وقبل النوم بإعادة محاكمة أشخاص لم يعودوا موجودين في حياتنا. وفي الثالثة صباحًا، حين أكون قد بدأت أستريح، يوقظني صاحبي بفكرة عبقرية جدًا: «ماذا لو أنني أخطأت في ذلك الموقف قبل خمسة عشر عامًا؟»
يا سلام! هذا بالضبط ما كان ينقصني.. نفتح الملف إذن. أين الملف؟ هنا. ماذا حدث؟ نعرف. ماذا قال؟ نعرف. ماذا قلت؟ نعرف. ماذا كان يمكن أن تقول؟ لدينا ألف احتمال. ماذا كان سيحدث لو تصرفت بطريقة أخرى؟ لدينا عشرة آلاف احتمال.
وبعد كل هذا العمل الشاق، يلتفت إليّ صاحبي ويقول: «لماذا لا أستطيع أن أنام؟»
لأنك جعلتني أعمل وردية ليلية في مقبرة الماضي، يا عزيزي.
ثم جاءني مؤخرًا بموضوع النسيان. بدأ يراقبني كما يراقب رجلٌ عداد سيارته في طريق طويل. «هل نسيت؟» يسألني. «هل هذا طبيعي؟» ثم يقرأ شيئًا عن الخرف وألزهايمر، فيعود إليّ بوجه المحقق الذي اكتشف أن موظفًا يختلس المال. يبدأ بتفتيش ذاكرتي: اسم نسيته، كلمة تأخرت في الوصول، مكان مفتاح، وجه شخص لم أتذكره فورًا. وكلما تعثرت في شيء صغير، رفع حاجبيه وقال: «آه».
وأنا أكره كلمة «آه» هذه. إنها قصيرة جدًا، لكنها تحمل اتهامًا كاملًا.
أحيانًا أريد أن أقول له: «يا رجل، أنا المخ، ولست تطبيق بحث. لا يمكنك أن تكتب اسمًا في مربع ثم تنتظر النتيجة في نصف ثانية. ثم إنك تطلب مني في الوقت نفسه أن أحفظ مواعيدك، وأن أتذكر طفولتك، وأن أراقب صحتك، وأن أحلل كلام الناس، وأن أتنبأ بالمستقبل، وأن أتخلص من الماضي، وأن أجد لك كلمة نسيتها منذ ثلاثين ثانية. كن منطقيًا ولو مرة واحدة في حياتك».
لكنه لا يسمع. هو يسمع خوفه. وهذا هو الجزء الذي لا أستطيع السخرية منه كثيرًا، لأنني أعرف أن صاحبي خائف فعلًا. ولذلك، عندما يقرأ عن التقدم في أبحاث الخرف وألزهايمر، وعن العلاجات التي تحاول الوصول إلى آليات المرض نفسها بدل الاكتفاء بمواجهة الأعراض، لا أضحك عليه كما أفعل عادة. أعرف أن وراء كل سؤال خوفًا من أن يفقد شيئًا عزيزًا، وربما خوفًا أكبر من أن يفقد نفسه.
لكنني أريد منه شيئًا واحدًا فقط: أن يرحم نفسه.
أن يفهم أنني، مثله، لست آلة كاملة. وأن النسيان ليس دائمًا خيانة، وأن الذاكرة ليست موظفًا ملزمًا بإحضار كل شيء في اللحظة التي نطلبه فيها. وأن بعض الأشياء التي نسيناها ربما كان من الأفضل أن ننساها، خصوصًا أولئك الحثالات الذين ما زالوا يحصلون على إقامة مجانية في رأسي، بعد أن انتهت صلاحية وجودهم في حياتنا منذ سنوات.
لقد سئمتهم… سئمت أسماءهم ووجوههم ومواقفهم وجملهم السخيفة. سئمت أن تعيد لي ما فعلوه بك، وكأنني أنا الذي كنت معهم. أنا لم أكن شريكًا في الجريمة، يا صاحبي. كنت فقط موجودًا حين حدثت، مثل كاميرا مراقبة سيئة الحظ لا تستطيع حذف التسجيلات.
ولذلك، إذا كان لي طلب واحد من صاحبي، فلن أطلب منه أن يتوقف عن النسيان. سأطلب منه أن يتعلم ماذا يستحق أن يتذكر. تذكر أمك. تذكر من أحبك بصدق. تذكر يدًا امتدت إليك عندما كنت في أسوأ أيامك. تذكر ضحكة جعلتك تضحك رغم حزنك. تذكر أنك نجوت من أشياء كنت تظن أنك لن تنجو منها.
أما الذين خربوا حياتك، فلا تعطهم شرف أن يعيشوا في رأسك بعد أن غادروا حياتك. لقد أخذوا ما يكفي من وقتك، فلا تجعلني أمنحهم بقية المساحة.
وأنا، صدقني، سأساعدك. سأحاول أن أنساهم.
فأنا، في النهاية، سجينك المخلص. لا إطلاق سراح لي، ولا هرب، ولا طلب لجوء في رأس آخر… لكن لدي حق صغير جدًا، أرجوك لا تحرمني منه: أن تمنحني، بين حين وآخر، بعض الرحمة.
فأنا المخ.
وأنت صاحبي.
ولستَ مضطرًا لأن تكون سجّاني طوال الوقت.







