نخلة عالية.. وقمر

عصام أبو الغيط

عصام أبو الغيط

هل كان لابد أن يموت الشيخ رفقي حتى تصعق بحالتك الراهنة؟! تهتم بأشياء تخص الرجال، ومستكينًا تستدفئ بشمس طوبة، على مقربة منك صدفة ذات الرجلين، إحداهما في الدنيا والأخرى في الآخرة، جأرت بالشكوى في مرارة: هو الموت ما بيبطلش! ولا تتذكر أيَّ متوفٍّ انفلت لسانك مستفهمًا عنه، مقتحمًا حديثهم عن عائلته وأولاده والطين الذي تركه: هو كان في الجيش؟ وتنطلق الضحكات والردود الهازئة: ده شوية عضم في قفة… كان بيحارب في هوجة عرابي… وأنت الصادق في سيلا (يقصد سيناء).

ملولًا تتابع لعبة ابتدعناها: أعواد القش أفقية في أيديهم، تصب منها الطلقات، يجسدونها بضم الشفاه، ودفقات هواء متذبذبة إلى حد الصفير، والآخرون يتعجلون الموت، فيتساقطون على الظهور والبطون والأجناب مبتسمين، نسوا أنهم إسرائيليون، والموت لا فرحة فيه، وتصعد نظرتك إلى أسطح الدور حيث رايات سيناء ترفرف مكتئبة.

البداية متميعة: أول جنازة مثل الأخيرة.

تنشد موتًا متعارفًا عليه، له مقدمات تتداولها الألسنة، يبدأ من الفراش سالكًا غرب القرية، نافِرًا من طريق موتى الصناديق.

تصحبني أمي لنكون أول من تقر أعينهم برؤيته.

الوقت صخرة. نزهق من اللعب، ونقصد النساء، فلا نجد غير التجهم، فإذا ما استنمنا إلى ظلام الدار بصَّ الأمل بعودة عوض مصطحبًا خالتي فتحية، وأم الفرح محمولة على ذراعي شقيقها أمين، تشيعهما الزغاريد، وتفقد مجموعتنا أحمد وباسم، الشقيقين، تاركين حسرة وخوفًا ومجهولًا ننوء به، فأزعق فيهما مقهورًا: وحياة أبوك أنت وهو… إياك أشوف العلم بتاعكم.

الموت يقتسم القرية شرقًا وغربًا، والرايات لا تزال ترفرف.

– وحدووووه.

– لا إله إلا الله.

– امشِ بأمر الله.

يتوهمون أنه يعمد إلى الإبطاء؛ فحاملو النعش لا لوم عليهم، روحه تختلف. وفيما بعد تترى الأكاذيب: أحدهم ادعى أنه توقف أمام داره مدة تضاهي تدخين سيجارة؛ فالمرحوم اعتاد أن يتناول غداءه معهم بعد صلاة الجمعة، وآخر أقسم أنه ألقى السلام على أبيه بالعطر الذي تميز به حيًّا وميتًا، ولم يشتمه غير رفيق عمره.

الشيخ رفقي أعادني إلى الجنازات، فلن يضن علينا بكرامات في موته كما في حياته: الجلباب الأحمر، والطاقية الحمراء، وسيفه المشهر، وعدوه فجأة كالصواريخ التي زلزلت الشاشة، يجوب الحقول غير عابئ بالظلام، والرجال والأولاد عبثًا يحاولون اللحاق به، فيفاجئهم متسلقًا النخلة العالية في يسر، كأنها ظل ملقى على الأرض، واقفًا فوق شواشيها، وسيفه يشرق على ضوء القمر… فوق رأسه بالدقة.

قد يختفي أيامًا وشهورًا: شخص يؤكد أنه رآه في محطة سيدي جابر ولا أحسن أفندي، وعم سمارة دعا على نفسه أن يتفحم في جمرات الجوزة إن كان كاذبًا في قوله، فقد كان أحد عابري القناة، كتفاهما متلاصقان، ولم يستطع أن يتفوه من هول المفاجأة، هو عسكري كما يقول الكتاب.

– لا إله إلا الله.

– لا إله إلا الله.

– الشيخ رفقي حبيب الله.

– الشيخ رفقي حبيب الله.

البعض يستنكر؛ فيجب أن يذهب إلى مثواه بلا ضجيج. وأتغاضى عن الأجساد الناشفة، والتراب المثار، متابعًا روحه الطاهرة وهي تجوب أرض مصر التي لا آخر لها، وتنقب عن بقية جثث أبناء قريتنا الضالة في سيناء، وتعيد الأحياء.

العربة الضخمة تتهادى مثيرة ترابًا كثيفًا، أعطيناه – نساءً ورجالًا وأولادًا – ظهورنا وقلوبنا واجفة. ما إن برزت من الفتحة الخلفية سحن غريبة حتى هزت أمي قشعريرة: البيادات والبذلات الميرية والصندوق الخشبي… يا رب ترجع لي بالسلامة يا زهران… ابنك زين مقطع نفسه علشانك. وكاد يغشى عليها من أثر صمتهم، لولا أن شتم الضابط أحد الجنود، وسب أبا الدنيا، فأدركت أنهم منا وليسوا اللهم احفظنا.

أقتحم الجمع لأستوثق من الشهيد العائد برمله وترابه، شاكًّا في أنهم لفقوه لقريتنا، أهمُّ وأتراجع، فلا ألمح سوى حروف غير مترابطة، فأصرخ مستنجدًا. وأمام المقبرة كنت شغوفًا برؤية العلم يلف جسده، فأنتشي بالألفة بيننا وقد تجسدت وجاءت من آخر الدنيا، وتبحث نظراتي عن أسطح البيوت، فتعشي الشمس عيني، وأرتد إلى المقابر المتراصة، غير أن المئذنة السامقة تنبئ عن موقع دارك، وتبتسم في أسى، ساخرة من خيالك الذي زيّن لك يومًا أن تعلق رايتك فوق هلالها.

يدك في السيالة الشمال… تقبضها أم تبسطها! والأخرى تتابع اهتزازها، مستحضرًا مشية أبيك… ما بال الخطى مضغوطة والروح مقيدة! وكل ما يصدر عنك في آلية ينفثئ: صلاة الجنازة، والوضوء، ومتابعة النعوش، والحزن رغم تمسكه بتلابيبك تضيق به، وانتقاماتك من رافعي الرايات في وقاحة، حتى روبيل الذي استشهد أبوه في الحرب التي نشبت، إبان مولدي، في أرض أخرى غير سيناء، كما أرخت خالتي فاطمة، هاضمين حق أبي، لم تنفذ.

لا تغفل عن أي حركة أو نأمة، بركات الشيخ تسري، خلجاتك تنبئ عنها، قد ينتهي اللحاد من دفنه، وبينما نقدم التعازي، يدهمنا بجلبابه الأحمر، شاهراً سيفه، ولا يكف عن الجري.

تتجاوز الحاج حامد، خبطت ذراعه أم تود! تشمئز من هاتف يتردد بقوة بأنه قاتل موتى الصناديق، ولا يكتفي بالمشي في جنازاتهم، بل يؤم الناس للصلاة عليهم… أبويه هييجي إمتى يا عم الحاج؟ ويرد باقتضاب: كله بأمره.

القمر متوارٍ، وضوء اللمبة نمرة عشرة المعلقة على مسمار حائط وسط دارك المفتوح بابها، يصل إلى تجمعنا واهنًا. أطرقت وتململت وملت ناحية اليمين، لحيتك التيلة، التي في طول نصف المسطرة، تبدو متدلية من بريق عينيك اللتين تتابعان طائرتين تشقان السماء.

– بصوا يا ولاد… الحرب.

– حرب مين؟

– الأعداء.

– إسرائيل.

ننصرف، وتظل تؤنس وحشتنا بصوتك حتى نعتاد الظلام. خوف كالتنميل يفزعني، تتضاءل حياله عفاريت العتمة، وهزمتها من حيث لا أدري. حسام بجواري، رغم أن داره ناحية مسجد «القيط»… والحرب دي هتقعد كتير؟ وننفجر في البكاء، منتظرين أيدي أبوينا تطامن لوعتنا… اسكت بقه… اسكت أنت الأول. يكف عن النهنهة، ويرتعد جسدي من شدة النشيج، ويربت على كتفي ويحضنني كأننا رجلان.

الشيخ رفقي أروع منك، أضفى على أبي نورًا:

الطريقة التي يقودها بالطبول والدفوف تجلب البيارق بألوانها الزاهية ونقوشها، والصاري المنتصب في شموخ تزين أعلاه الراية الخضراء ذات النقوش الصفراء كالكوفية التي تلف رأسك، فتتفتح مسامي، ويتجسد الجندي الذي رأيته على الشاشة يمزق علمًا لم أتبينه، رافعًا علمنا الذي نحييه في طابور الصباح في إباء وقوة، ناسيًا ابنه زين وفلاحي قريته الذين يحلفون بغربتهم إذا ما اضطروا للذهاب إلى المحلة… فركة كعب، وأصيح منتزعًا الاعتراف: أبويه… فتنفجر قهقهاتهم ساخرين، يشدونني إلى الجوزة، والدخان، والأسنان المسودة، وباب المقهى الكالح، وهنيهة تسمح بشحذ نفسي: والله العظيم… أبو… يسقط نازفًا دماءه، والعلم في قبضته، وأجهش في البكاء: مش أبويه… مش أبويه يا ولاد الكلب. يكيلون كلمات الإشفاق، ويتساءلون عن هويتي، أهفو إلى حروف اسمه مترددة على ألسنتهم.

هو من رفع العلم، وصنعت من جلبابه القديم راية، فصرخت أمي من الفأل السيئ، وغرزتها في كومة القش فوق سطح الدار.

الشيخ رفقي سيأتي بك حيًّا.

الكدر يشملك لما تجد ولدًا يترصد الجنازات؛ فلم تهنأ بأي تفرد. رفعوا راياتهم، وضعت أنت مبتدع الفكرة. تجمعكم ينبه الرجال إلى طفولتكم النشاز. تود أن يتفرقوا حتى لا يضل الميت طريقه. تتمزق نظراتك بين الحاج حامد والنعوش، والأولاد يبدون نقطًا صغيرة وسط الأرجل كالطائرات الورقية المبعثرة هناك في سماء سيناء، وكل ولد كتب عليها اسم أبيه، ولم أنسَ نقطة الزاي. وكرهت الفن لما تجاسر حسام ورسم أباه على رايته، يعلن أننا حمقى وكذابون. وتمر طائرة حربية بجوار طائرة عيد ولا تسقطها، فيغيظنا أيامًا، ونشتعل حقدًا حين خاط علمًا بهيًّا يربض في جزئه الأبيض النسر القوي.

– الدور عليّ بكرة في الريّ؟

– لأ… عليَّ أني.

– أني قلت أخلص من البت الصغيرة وأسترها بالمرة.

– بتتلكع ليه يا شيخ رفقي؟! امشِ… هتوصل هتوصل… مافيش فكاك يا حلو…

جهّز كراماتك ومزق كفنك، لقد تماوت كثيرًا ورجعت، لا أصدق أن النعش يخصك، انعطف يمينًا حيث الساحة المتناثرة فيها كومات السباخ أمام دار جدي حافظ… ستجدنا مشتعلين بالحرب – كحالتك، شاهِرًا سيفك – وقد انقسمنا فريقين، نتنازع للفوز بفريق الأبطال، سمينا القناة قناية، وبالحصى نشكل شاطئيها، ونجلب لها الماء، ونتنافس في صنع المراكب الورقية، وبأصابعنا الصغيرة نحركها، وينسى سيد ويعوق مسيرتنا، اغتظت وحثثت الأولاد أن ينادوه: «يا إسرائيلي»، فبكى وملأ حجره ترابًا وطاردنا، وفيما بعد تركنا نعبر في هوادة ونذيب الكومات واحدة بعد الأخرى، ونخطو بأناملنا على أرض سيناء، وعود حطب نربط في أعلاه، حيثما اتفق، خرقة بالية، ونغرزه، ونكبر في حماسة.

وفي الليل نعيد بناءها، وأغري العيال باعتلائها حتى نقصر المسافة… وكل ولد يعكف على واحدة، محاذرين انهيارها، ومستمتعًا أراني في طول أمي، نتفق على تحية الطائرات المصرية المارقة من ناحية «شبرابابل»، والجانب المقابل، ليتنا نقذفها بالحجارة، نتقانع أنهم تعمدوا شق سمائنا، واللمبات المتذبذبة يبلغوننا عبرها أنهم يسمعوننا… يا به.. يا به… بص لي يا به… أني ابنك عيد، ويحاربون من أجلنا، وأنهم عائدون، ومن فوق النخلة تباركنا: السيف في يدك، وضوء القمر يغمرك، والنجوم مختفية، ونمني أنفسنا بنزولهم بالمظلات؛ فالساحة تلائمها.

حين تظلم السماء نقعد زهقانين نناجيهم: أخبرت أبي أن أمي لطمت عندما رغبت في التبرع بدمي، ويؤكد عليّ أنه صام خمسة أيام رغم القيظ الشديد، وذهب إلى حقل الذرة حيث سيناء خضراء لما لعبنا لعبة الحرب هناك، ومكث حتى الغروب، وحين أوبته قابلته رائحة المحشي، وزعق: محشي كرنب اللي بتحبه يا به.

تجتاحني الرغبة في إثارة التراب، وأجزع لرائحته التي تضمخني، وأستدير هاربًا، فأجد الولد حسن يعيّرني، لا أدري علامَ؟ النكوص عن المشاركة في طقوس اعتدناها صار وصمة، والعنف ديمومة حتى في اللعب، هل أتودد إليهم باثًّا خيبة ما ندأب عليه، كما أعلنت انتزاعي رايتي معللًا بأنه ثبت أن الجندي من قرية أخرى، وحين أطمئن إلى نكس راياتهم أعاود رفعها متكئًا على كرامتهم الآبية محاكاتي مرة أخرى. غير أن خبثي اليهودي – كما نعتوني فيما بعد لما بحت – لم يثمر، واعترفوا بدورهم أن رايتي تراءت لكل منهم أول الغيث، والصدق لمن يصر، فاضطررت ذليلًا لمعاودة رفعها.

– يا عقلي يا خويه… يا حبيـيـيـ… بي.

الصوت المدوي الممتلئ أسى اعتدنا عليه. أحد الرجال يزجرها، وما يؤرقني وجود الراية أعلى أحد المنازل رغم أنه خالٍ من الرجال، حتى دار (أبو حلاوة) الحديثة البناء، ما إن وضعت اللبنة الأخيرة حتى زينت بواحدة.

– وحدووو… ه.

– لا إله إلا الله.

أين مرحك وخروج العفريت الكامن؟! … حقل صديق إلى الشمال، تصر على مشاكسته جزاء إقصائك عن مجلس الرجال، مستمعين إلى صوت أبيك والجنود عبر المذياع… خطوات ثم نصعد المدق المفضي إلى أولى المقابر.

– هات الأمانة يا جدع.

– بهدوء يا إخوانا.

يوارونه التراب، وصورتي في حلقة الذكر متصنعًا إغماءة، آملًا انتزاع أخبار من الحاج حامد تخرج لحصاد رحلتي لسانها، فتدب سكينة اليائس متعكزة على العبث المستفحل، وتتردد أصوات تشغلني عن شخص المتوفى بآخر، وأن ما ساورني مع حسن سيحدث مع حسنين، أو حدث، وما الدليل أنني في جنازة الشيخ رفقي؟ هل مات بالفعل؟! التكرار بخر مني الحياة، وروعتها تفسد بالتمعن، وما جدوى تشبثي بأشياء تخرج مني وترتد إليّ، والخير أن نتركهم – الكبار – يلعقون الطريق ذهابًا وإيابًا، وحينما تغادرهم أحزانهم حتمًا سيطالعون رايات سيناء، وتهولهم كثرتها وتراوحها ارتفاعًا وانخفاضًا وأشكالًا وألوانًا، ورائحة الطعام وأثره تنضح في العديد منها، عندئذ ستبكي النساء، لنجعل المبادرة للمرأة ذات الجملة الشهيرة: يا عقلي يا خويه… يا حبيبي، والرجال حتمًا سيجارونهن، مدركين أن أرواح موتانا تخرج بسهولة مندفعة ببركة هذه الرايات، وعندما ينسبون بعضها إلى الدور والشهداء، ويقرون أن قريتنا هي سيناء، سترفرف راقصة مشعة نورًا، حينئذ تنهمر دموعهم، حتى – دع نفسك تتصور – تملأ عدة قنايات لا قناية واحدة.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع