من سيرة الغريب

محمد ممدوح

فتحوا باب حجرتكَ في السادسة صباحاً وأيقظوكَ لصلاة العيد. قلتَ لهم: «سآتي خَلفكم». أغلقوا باب الشقة، وابتلعَ دَرَجُ السلّم أصواتهم. أغمضتَ عينيكَ؛ لكنك لم تنم. تأمّلتَ صديقكَ في السرير المجاور، وشخيره المُنغّم لم يزعجكَ. دقائق وامتلأتْ حجرتكَ بتكبيرات العيد. صبغتْ الشمس بحُمرتها واجهة بناية رأيتها عَبرَ زجاج شرفتكَ الجانبية. تذكّرتَ أنكَ لم تُصلِّ أيَّ عيد منذ عشرين عاماً، وشعَرتَ بارتياحٍ مُبهم تجاه هذه الحقيقة.

سَحَبتَ هاتفكَ من تحت وسادتكَ.

اخترتَ كُتباً عشوائية؛ الجزء الأول لموسوعة «وصف مصر»، حذفته من القائمة مُؤجّلاً قراءته لوقت آخر. انتقلتَ لرواية «لا أحد ينام في الإسكندرية»، وتوقّفتَ عند الصفحة 69، فقرتها الأولى حوارٌ بين «دميان عبد الشهيد» و«خير الدين» عن أخيه «البهي» الذي قُتلَ في مشاجرة بين فلاّحين وصعايدة. اقشعرّ جسدكَ عندما فكّرتَ في نهايتكَ: لو متَّ الآن، سيغطونَ جسدكَ بمُلاءةٍ قديمة، ويهبطون به الدَّرَج لأقرب حفرة وليمةً للدود.

عادوا بصخبهم بعد الصلاة؛ حجرتكَ تقع نهاية طُرقة طويلة، وبداخلها حمّام صغير بابه مُوارَب، فكّرتَ في حلاقة ذقنكَ. أزحتَ بابَ شرفتكَ الجانبية، والتقطتَ جورباً نظيفاً رُبط بدرابزين الشرفة الحديدي، وآخر متسخاً من حذائكَ، فتحتَ ضلفة دولابكَ وأخذتَ كيساً يحتوي: قطعة صابون، وماكينة حلاقة.

شعرتُ بحركتكَ عندما أغلقتَ بابَ الحمّام. ألقيتَ بالجورب المتسخ في الحوض، وعلى سطحه وضعتَ كيسكَ البلاستيكي. قضيتَ حاجتكَ، وضعفُ ماء القاعدة لم يغسل مؤخرتكَ، فغسلتها مُقرفصاً بسِرسوب ماء أخذته بكفّك من صنبور الحوض، حلقتَ ذقنكَ، وغسلتَ جوربكَ المتسخ، ثم ربطته بدرابزين شرفتكَ الحديدي.

وأثناء نزولك للعمل، شتمتَني في سرّك وتمنّيتَ موتي؛ فليس ذنبي أنّ شقتي تقع عن يمين الداخل من بوّابة العمارة، التي لم أقطع عنها الماء، وبُحَّ صوتي من الشكوى بسببها لرئاسة الحيّ.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع