أيار عبد الكريم
كلما وقفتْ داخل مطبخها لطهي الطعام؛ تملّك وجدانها المشروخ بهموم ومتاعب الحياة، شعورٌ باليأس.
لحظة غليان فقاعات الزيت وهي تقلي الدجاج، يجعلها تثور من داخل أعماقها. وعندما تسقط قطرة من قطرات الزيت المغلي على جسدها، تتأوّه وتصرخ بشدة؛ فتفتح صنبور المياة مسرعة، أو تضع قطعةً من الثلج تُهدئ من ذلك الألم الساخن الذي يجتاح جسدها بكل جوارحه، ربما تريد محاولة تهدئة أعصابها التالفة، أو ربما تذكرت في تلك اللحظة حدثاً قاسياً من حياتها المؤلمة.
تطاير قطرات الزيت المغلي على الجسد فجأة يشبه الحياة القاسية؛ عندما تتذكر تفاصيلها، تصرخ من أعماقكَ كصرخة لسعة الزيت ثم ما تلبث أن تهدأ اللسعة بعد مرور الأيام؛ وهكذا دواليك.
حقيقة أن اللسعة تترك ندبةً أو أثراً مُلوناً، ولكنها تتوقف عن جعل الشخص يتألم، وكأن خلايا تلك اللسعة قد توقّفتْ نهائياً عن التنفس والشعور بالحياة؛ فاختفى الألم كُليّةً.
خلال فترةٍ من حياتها، تشاطرتْ أعمال المطبخ مع صديقاتها اللائي كنّ يقطن معها ببيت الطالبات. مُهمة توزيعِ المهام على كل واحدةٍ منهنّ بالتبادل واختلاف الأيام، كانت تبعث داخلها شعوراً بالرضا والطَّمأنينة؛ لالتفاف صديقاتها حولها يُغنين، يتحدثن، ويَتمازحن برش الماء؛ وكأنهنّ يغسلن أجسادهنّ من آثار يوم مُنهكٍ، أو يتقاذفن بثمرات الطماطم عند صنع صلصة المعكرونة اللذيذة؛ ما خلق داخلها شعورا بالألفة وحب المكان الذي تبغضُه الآن، وكأنها تشتمّ منه رائحة كريهة على بعد أمتار عديدة. رائحة وحدتها عند فعل جميع الأشياء.. رائحة فراق الأصدقاء والأحبة.
لم يتملّكها يوما شعوريْ القرف والبغض لذلك المكان، الذي عشقته طوال فترة مراهقتها كطالبةٍ جامعيّةٍ. أما الآن، وهي تطهو في مطبخها بشعور الأم والزوجة، تفتقد ذلك الإحساس الجماعيّ بالألفة.
حاولتْ أن تجدَ رابطاً يُحبّبها في المكان، فهذا المكان الذي تكرهه تربطهما علاقة وطيدة كتوأميْن ملتصقين غيرَ متآخين؛ تدخله كل يوم لتحضير الطعام، وغسل الأواني. تعطي له من ملامحها وشخصيتها، ويعطي لها- هو الآخر- من هُويته وجدرانه كينونة ربّة المنزل؛ لذلك فهما شديدا الالتصاق.
كانت جدتها تعشق كثيرا تنظيف البوتاجاز. فسّرتْ لها ذلك العشق دوماً بعبارة ” الخير هيهلّ والمال هيزيد”
كانت تضحك على كلماتها دائما بشعور طفلةٍ مشاغبةٍ تحاول الاعتراض على كل شيء، وتستغرب تلك الكلمات، وكأن جدتها مسحورة أو مهووسة بذلك المطبخ، إلى الدرجة التي تجعلها تخلق افتراضاتٍ واعتقاداتٍ؛ كي تترسخ بعقلها الباطن كجذع شجرة قوي؛ لأجل شعورها بالرضا والقدر بحالها كربة منزل، ومن أجل أن يكون لديها رابط بعينه يُعينها على مواصلة مهام ربّة المنزل الشاقة المملة دونما ضجرٍ أو غضب.
أخذت تعصف ذهنها؛ لإيجاد رابط مثل جدتها الحكيمة. تريد خلقَ عاطفةٍ وفُقّاعة حيّة بينها والمكان؛ فقاعة تحاول الاحتفاظ بشكلها الكروي وكينونتها، دون فقد ملامحها وهويتها.
خطر على ذهنها أن تطهو وهي ترقص بحركات إيقاعية، كحركات الدعابة والمرح التي كانت تفعلها وصديقاتها المُقربات أثناء الجامعة.
في البداية، حاولتْ هزّ جسدها البض يمنة ويسرة عند غسل الأواني، حتى لا تظل على وتيرة واحدة. وعندما تطهو الطعام، تضع سماعة الأذن بأذنيْها، وتستمع إلى أغنية فيروز ” نسّم علينا الهوى، من مفرق الوادي” تحاول خلق حالةٍ نفسية جديدة مثيرة لم تعتدها من قبل.
وعندما تبدأ بتنظيف البوتاجاز مثل جدتها الحكيمة، تندمج مع أغنية ” متحسبوش يابنات ان الجواز راحة، ومتزعلوش يابنات ان قلنا بصراحة، إن الجواز عمره، عمره ما كان راحة” ، تُردد الأغنية وهي تملأ الإسفنجة بفقاعات الغسول، وتنظر إلى الفُقاعة مبتسمةً بسخريةٍ، قائلةً لذاتها:” فُقّاعتي، هي سر سعادتي”
…………………..
* من المجموعة القصصسة “سيناريو لم أتقمّصه”، الحاصلة على المركز الثالث في الدورة الثانية من جائزة محمد عبدالمنعم زهران في القصة القصيرة






