موعد تحت الجلد

NOUR ALHODA SAOUDI

نور الهدى سعودي

توقفت يد ضياء عند الجهة اليسرى من صدرها وهي تمرر المرطب بعد حمام سريع، أخذت تتحسس موضعا صغيرا أصلب من الجلد المحيط به، صامتا تحت الأصابع، يكاد يضيع بين حركة عابرة وأخرى، أبقت يدها عليه قليلا، وشعرها يقطر فوق كتفيها بينما البخار ينسحب ببطء عن الزجاج؛ من الممر وصل صوت ابنتها أمل تسأل عن المفتاح، قطعت الحركة عند صدرها، وخرجت من الحمام حاملة معها معرفة غامضة لم تجد بعد مكانا واضحا في يومها.

في الليلة التالية عادت يدها إلى الموضع، تحسسته من جديد، بقي في مكانه، بينما أخذت أيامها تتزاحم حوله؛ بريد ينتظر جوابا قبل الظهر، وشؤون البيت التي تفتح بابا بعد آخر، فيما ظل وجهها يظهر كل صباح في المرآة بالمقدار نفسه من الألفة، واحتفظ الجسد الذي عاش معها كل هذه السنوات بشيء جديد عليها. أثناء يوم عادي، وهي تهم بإرجاع طبق إلى رفه العلوي، شعرت بوخزة في صدرها، فتحت الهاتف وبحثت عن أقرب عيادة، حجزت موعدا عند الرابعة والنصف من يوم غد. وصل الغد وسط عمل متراكم، طال الإجتماع  فيه حتى تجاوز العصر. ظهر تنبيه المستشفى فوق شاشة الحاسوب ثواني قليلة، ضوء صغير في زاوية مزدحمة، يحمل كلمة « موعد ملغى» باللون الأحمر.

خلال نهاية الشتاء، وهي تعيد ترتيب الثياب الثقيلة إلى آخر الخزانة، ظلت يدها تلتقي الموضع كلما حركت ذراعها، تلمسه بحركة قصيرة وتواصل ما كانت تفعله، أحست بشي أصلب من قبل، نزعت قميصها القطني لتتأكد، لاحظت عقدة صغيرة جديدة تحت الجلد تجاورالأولى، لكنها محددة بما يكفي لتجعل يدها تتوقف عندها بتفحص لدقائق لا تذكر عددها. بقي القميص مفتوحا أمامها وقتا طويلا، وظهر وجهها في المرآة أعلى الجسد الذي حمل حملها وأرضع طفلة صارت الآن شابة تغلق باب غرفتها وتطلب الخصوصية.

اتصلت بالعيادة من المطبخ، والسكين في يدها فوق حبة طماطم توقفت عند نصفها، سألتها الموظفة عن سبب الموعد سمعت صوتها يقول: “شيء غريب في صدري”. خرجت العبارة من فمها صغيرة ورسمية، تخص وصفا طبيا أكثر مما تخص ذلك الموضع الذي حفظته أصابعها. دخل اسمها إلى جدول العيادة. بعد أيام جلست برداء مفتوح من الأمام داخل غرفة باردة، صدرها بين يدي طبيبة تعرف موضع البحث، وعيناها على آلة الفحص بالأشعة، إلى أن ظهرت كلمة «خزعة» في نهاية الموعد، وأخذت مكانها بين أشياء البيت التي تشغل بالها.

امتد انتظار النتيجة أياما، كانت أمل تتحدث عن امتحان قريب فيما تطوي سلمى الملابس إلى جوارها، تلتقط قطعة وتضعها فوق الكومة، يعود القميص نفسه إلى يديها وهي في شرود تام. في مساء من تلك الأيام تمددت ابنتها قربها، رأسها قريبا من الجهة التي أرضعتها منها قبل قرابة عشرين عاما، ظلت ضياء تنظر إلى الشعر المبعثر فوق الوسادة، تستعيد فم الرضيعة الصغير وهو يبحث عن الحليب، وتضع يدها عليه فوق الموضع نفسه، في صمت يتسع بين زمنين داخل الجسد الواحد.

حين ظهرت نتيجة الخزعة، كانت ضياء جالسة أمام الطبيبة والتقرير مفتوح بينهما، تحمل الصفحة اسمها في أعلاها، وفي السطر الذي أشارت إليه الطبيبة ظهرت كلمة «سرطانية»، استقر إصبع الطبيبة قربها، وبقي إبهام ضياء يمسح حافة حقيبتها في حركة متكررة، فيما عادت إليها فجأة صورة ذلك الشتاء، بخار الحمام والموعد الرمادي الذي عاش فترة قصيرة في تقويمها قبل أن يختفي بين مواعيد أخرى.

سألتها الطبيبة عن زمن ظهور التغير، فقالت: “منذ الشتاء”. خرج الشهر من الجسد هذه المرة، بعيدا عن التقويم، واستقرت العبارة في الغرفة. في موقف المستشفى جلست ضياء خلف المقود ويدها فوق صدرها، فيما تعبر السيارات من حولها إلى مخارجها المعتادة. أضاء هاتفها باسم أمل، نظرت إليه حتى انطفأ، وبقيت داخل السيارة فترة، تسمع صوت تنفسها وحده.

توالت جلسات العلاج لأشهر، صارت تعرف من ثقل الصباح  في رأسها أن موعدها كان بالأمس، وصار للمستشفى رائحة تسكن أنفها من الباب، اكتسبت الوجوه التي تعبر في تلك الجلسات ألفة من غير اسم. تعلمت ضياء أن تربط شعرها قبل الجلسة، وبعد مدة صار الشعر نفسه يتراجع عن المشهد، خصل قليلة فوق الوسادة في الصباح، ومنديل اختارته ابنتها بلون أحبته لم تكن قد ارتدته من قبل. في إحدى الجلسات جلست امرأة قبالتها تقرأ رواية سميكة، قلبت صفحات كثيرة بينما تسرب الدواء ببطء، بقيت تراقب أصابعها وهي تنتقل من صفحة إلى أخرى، معجبة بقدرة اليد على مواصلة القراءة وسط كل هذا.

عند نهاية جلستها العاشرة، جاء خبر الاستئصال بصوت هادئ من الجراح، عادت هائمة إلى البيت في ذلك اليوم، دخلت الحمام ووقفت أمام المرآة من دون أن تفتح الضوء كاملا. وضعت يدها على ثديها الأيسر، حملته بكفها كأنها تحفظ وزنه للمرة الأخيرة، وبقيت في ذلك الوضع إلى أن خرج صوت أمل مناديا للعشاء.

بعد العملية، استيقظت والضماد يحتل الجهة التي عرفت شكلها طوال حياتها، بقيت الأيام الأولى تمضي حولها ببطء مختلف عن سرعة الشتاء الذي سبقها. اقتربت يدها من موضع العملية بحذر، وتراجعت، إلى أن دخلت الحمام  في أحد صباحات، أغلقت الباب ورفعت القميص. وقف جسدها أمامها بنصف صدر وندبة ممتدة مكان الثدي، ظلت تنظر إليه طويلا قبل أن تضع أصابعها على طرف الندبة. بدت اللمسة الأولى غريبة، وعادت في صباح آخر لفعل نفس شيء، حتى صار للمكان ملمس تعرفه يدها من غير تردد. ومع نمو شعرها القصير، أخذت المرآة تستعيد شيئا من صورتها القديمة، فيما بقيت الندبة في مكانها، واضحة تحت الضوء، جزءا من جسدها الذي ألفت أن تراه كله.

عادت ضياء إلى جلسات المتابعة التي صارت تتباعد تدريجيا، في كل مراجعة تخرج من غرفة الطبيبة فتقف لحظة أمام مرآة الممر، تتذكر رحلة العلاج، وهي تتأمل وجوه جديدة في الجلسات، صدى صوت  الطبيبة المطمئن أن العلاج شارف على الانتهاء. يزور ندبتها قبل أذنيها، ندبة خف أثرها تحت الجلد واتحدت بلون الجسد.

بعد شهور، ظهر تذكير العيادة على الهاتف وهي تشرب قهوتها الصيفية. الموعد عند الرابعة والنصف، في مستطيل صغير يشبه ذلك الذي ألغته شتاء. ضغطت «تأكيد» ووضعت الهاتف قرب الكوب، قامت إلى المرآة تمشط بفرح شعرها الذي تجاوز كتفيها بأصبع إبهام.

في يوم المراجعة رافقت أمل أمها إلى العيادة، وعند انتهاء ضياء من زيارتها التفقدية، دخلت أمل للكشف المبكر، موعد قبل أن يتكلم الجسد، خرجت وهي تضحك تبعها صوت الطبيبة: “كل شيء سليم”. أضاء فرح صغير عيون ضياء وهي ترمق ابنتها بامتنان، مدت يدها نحوها. تشابكت أصابعهما قبل أن تمضيا معا إلى الخارج، دفء اليد في اليد، مثل وعد صغير عرف طريقه إلى الحياة.

 

 

 

كاتبة وباحثة من المغرب

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع