من الإبداع علما إلى الجنون معرفة.. قراءة في رؤى شاكر عبدالحميد

أمل سالم

عندما رحل الدكتور شاكر عبدالحميد عن عالمنا، في الثامن عشر من مارس سنة إحدى وعشرين وألفين، كان قد خلّف إرثا علميا من الكتب والدراسات توجب حضورا دائما ومساءلة مستمرة؛ فبالإضافة إلى أنه واحد من أبرز النقاد والمفكرين الذين جمعوا بين الحسّ الأدبي والرؤية العلمية فهو ايضا من أقلّة النقاد المصريين والعرب الذين عملوا بجدية على تأسيس جسر معرفي رصين بين علم النفس والنقد الجمالي. ولم يكن ناقدا تقليديا يقرأ النصوص من الخارج، بل كان يبتغي الوصول إلى قريحة المبدع والتغلغل في ذائقته ليتتبع كيفية تكوّن الفكرة، ثم كيفية أن تتحول عبرها التجربة الإنسانية المحضة إلى إبداع يخلب لبّ المتلقي، ويؤثر فيه، ويغيّر من نمط سلوكه البشري، وأخيرا أن يرتقي به إنسانيا. لذا فقد استندت دراساته على الجمع بين تحليل الظاهرة الإبداعية عقليا وفلسفة الجمال باعتبارها مدخلا لدراسة الإنسان ومن ثمّ المجتمع ككل. وقد وضع شاكر نفسه في النقد العربي الحديث كعلامة مميّزة بقدرته على وصل حقول معرفية مترامية الأطراف بعضها ببعض وهي: الأدب، والفن، وعلم النفس.

وتكمن القيمة الحقيقية لأعماله في عدة عوامل، يأتي كثرة أعماله في مقدمة هذه العوامل، ولكن لا يمكن إغفال تنوعها أيضا وتعدد مجالاتها، والأهم وضوح الرؤية الشمولية المتجاوزة لحدود التخصص، تلك التي جعلت من علم النفس أفقا معرفيا للفهم والتحليل والتأويل معا. وجعلت أيضا من أعماله مشروعا فكريا متكامل الأطراف.

-شاكر والمشروع

عندما نتحدث عن أعمال أحد المبدعين أو المفكرين، وحتى النقاد، فإننا نجد أنفسنا بصدد نوعين من الأعمال، الأول: مجموعة من الأعمال المقدمة التي تتناول موضوعا واحدا، وحتى مواضيع مختلفة، لكن ليس هناك ثمة خطاب ثقافي واحد يجمع هذه الأعمال بعضها البعض. والآخر: هو المشروع الثقافي الذي يتبلور من خلال رؤية منهجية متكاملة الأركان بهدف تفسير الواقع أو العمل على تغييره، ذلك من خلال الإطار الكلي أو التصور الشامل للمنظومة الفكرية المترابطة التي تخدم هدفا واحدا.

وبالنظر إلى أعمال شاكر نجد أننا أمام النوع الأخير؛ فنحن بصدد مشروع ثقافي/ فكري عُمل عليه منذ اللحظة الأولى. فقد استند مشروعه إلى علم نفس الإبداع باعتباره مدخلا لفهم العمل الإبداعي عبر المبدع نفسه، وكذلك إلى فلسفة الجمال لتتبع علاقة التلقي بالعمل الفني، وأخيرا إلى التحليل الثقافي باعتباره تجاوزا من المبدع الفرد إلى البيئة الاجتماعية.

وعلى النقيض من مدارس أخرى – التاريخانية الجديدة مثلا – تلك التي ارتأت أن الأدب لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق التاريخي والثقافي والسياسي الذي نشأ فيه باعتبار أن هذا السياق ليس خلفية محايدة، بل شبكة من الخطابات والقوي والمصالح التي تتفاعل مع النص وتعمل في تشكيله، رأى شاكر أن العمل الفني لا يفهم من الخارج، لا من شكله ولا تاريخه، إنما يجيء فهمه من الداخل، وبالتحديد من الدوافع الداخلية المؤدية إلى انتاجه، ومن ثم من بنيته النفسية؛ لذا اعتمد على التحليل النفسي والمدارس النفسية الحديثة. وما يحسب له حقيقة – وفشل فيه نقاد كبار – أن المفاهيم الغربية التي نقلها إلى بيئة النقد الأدبي العربي جرى العمل على يده توطينها وتكييفها مع البيئة الجديدة الحاضنة لها، فقضى بذلك على ظاهرة “التذبذب المصطلحي”؛ وهي الظاهرة التي تعتري المصطلح غير المنضبط عند تطبيقه دون تعايش حقيقي مع بيئة النصوص المنقل إليها، وتفقده قيمته النقدية..

-المنهج الجديد: من علم النفس إلى فهم الفن

يمكن أن نجزم أن أعمال شاكر النقدية جعلت من الفن مرآة مستوية للوعي الجمعي، ومن الخيال وسيلة لاكتشاف الذات في سياق ثقافي؛ ففي كتاباته المبكرة، مثل “دراسات نفسية في التذوق الفني” و”الأسس النفسية للإبداع الأدبي في القصة القصيرة خاصة”، وإن أشار شاكر إلى أستاذية مصطفى سويف فيما يخص الدراسات النفسية للأدب، إلا أن سويف نفسه في تقدمته لكتاب شاكر “في القصة القصيرة” قد أشار إلى فكرة المشروع المتسلسل التي يعمل شاكر عليها، حين أشار إلى علاقة موضوع الكتاب بموضوعين لكتابين سابقين عليه، وهما: “الإبداع في التصوير”، “الرسم عند الأطفال”. وهذا ما أعنيه: إن كل كتاب من كتب شاكر – وإن بدا قائما بذاته وحقّق التفرّد- إلا أنه كان يمثل لبنة في مشروع أكبر عمل عليه شاكر منذ البداية.

ففي كتابه “الأسس النفسية للإبداع الأدبي”، وهو رسالته للحصول على درجة الماجستير، طرح سؤالا مركزيا، وهو: من أين يأتي الإبداع؟ ومن ثم حاول الإجابة عليه عبر قراءته للنصوص باعتبارها تجليات للخبرة النفسية آن، وآن آخر بوصفها انعكاسات الخبرة التي يعيشها المبدع ذاتها، متجاوزا في ذلك اعتبار الأعمال الإبداعية مجرد منتجات لغوية فحسب، وهكذا غدت مجموعة الرموز تعبيرا عن اللاوعي الفردي والجمعي للمبدع المؤثر في العملية الإبداعية.

وقد يظن ظان أن هذا المنظور الذي ارتآه شاكر لرؤية الأعمال الإبداعية جعله قريبا من الاتجاه التحليلي في النقد، متأثرا بمدرستي فرويد ويونج، لكنه في واقع الأمر تجاوز الوقوع في أسر التحليل النفسي الجامد؛ إذ أعاد توظيفه لقراءة النصوص قراءة حية تضيء العلاقة بين الخيال والواقع، وبين الحلم والفن في وقت واحد.

ويتضح ذلك بجليّة أيضا إذا تطرقنا إلى الأمر الثاني، فبالنظر إلى عنواني الدراستين؛ دراسة سويف، ودراسة شاكر، سنجد أنهما معنيان بنفس الأمر، فكلاهما يحمل نفس العنوان بالضبط، فقد جاء كتاب سويف بعنوان: ” الأسس النفسية للإبداع الفني (في الشعر خاصة)” في طبعته الأولي عام 1951، بينما جاء عنوان كتاب شاكر: ” الأسس النفسية للإبداع الأدبي (في القصة القصيرة خاصة)” في طبعته الأولى عام 1993. وقد يظن ناظر باستعجال أن شاكر استعار فكرة أستاذه سويف مطبقا إياها على القصة بدلا من الشعر، لكن الأمر مختلف تماما، فبرغم تأثرهما بالمدارس الغربية في علم نفس الإبداع وبمنجزات فرويد وبول جيلفورد… إلا أن شاكر أبدى مزيدا من التأثر بالجشطلت، الذي يفرد له فصلا كاملا في كتابه “التفضيل الجمالي”؛ ليتناول الخبرة الجمالية ومستويات التلقي للعمل الفني، مطبقا على فنون التصوير والنحت والسينما، وكذلك تأثره ببارت وبياجيه بحكم السياق التاريخي المتأخر عن السياق التاريخي لسويف، فدراسة سويف كان الهدف منها دراسة تولّد التجربة الشعرية من البنية النفسية للمبدع، واتخذت من الشعر مجالا تطبيقيا باعتباره أصفى أنماط التعبير الوجداني، كما أن سياقها التاريخي يشير إلى صدورها في فترة ازدهار علم النفس التجريبي وتطبيقاته على الظواهر الإنسانية، ومن ثم اعتمد سويف على المنهجين النفسيين التجريبي والإحصائي مما حبا بالدراسة إلى جهة التحليل العلمي الكمي لعملية الإبداع الشعري. وعليه فإن النص عند سويف يدرس باعتباره تجليات للتداعيات الفردية، ويفسر بوصفه ناتجا عن سمات المبدع النفسية.

أما دراسة شاكر فتهدف إلى تجاوز التحليل الفرويدي عبر رؤية نفسية حديثة للإبداع الأدبي تعمل على الدمج بين البنيتين النفسية والجمالية للنص، كما أنها اتخذت من القصة القصيرة بيئة لعملها؛ لكونها أنموذجا لتكثيف التجربة الإنسانية في شكل سردي، مستفيدة من تطور كل من النقد النفسي وعلم نفس الإبداع في آن. ولذا اعتمد المنهج التحليلي -التأويلي، ولذا يدرس النص بوصفه بناء نفس/ جمالي يعكس لاوعي المبدع وبيئته الثقافية معا؛ فالنص والمبدع متكاملان فهو بنية جمالية معبرة عن تجربة ووعي جمعي.

وهكذا نضع أيدينا برويّة على العلاقة بين الدراستين وصاحبيهما، فسويف بذر بذرة علم نفس الإبداع الأدبي في الدراسات النقدية، بينما شاكر أنضج هذه البذرة، فأحالها إلى مشروع فكري متكامل يسبر أغوار العلاقة بين العلم والفن وما بينهما من الجمال.

ولا يمكن إغفال أثر يوسف مراد، وهو أستاذ سويف، في رؤية شاكر؛ فمراد هو أول من دعا إلى “التكاملية النفسية”، ويعني دراسة الظاهرة الفنية من منظور نفسي شامل، هذا المنظور النفسي تطور عند شاكر ليشمل الإدراك واللاوعي والخيال والتجربة الجمالية… بوصفها مساحات مشتركة بين الفن والنفس. فيوسف مراد وضع الفلسفة، ومصطفى سويف وضع العلم، وعندما جاء شاكر صنع الجمال والمعرفة من الفلسفة والعلم.

المنهج المطور: من فهم الفن إلى التذوق الفني

إن الفن في مفهوم شاكر ليس مجرد جمال شكلي، بل تجربة وجودية تعيد صياغة وعي الإنسان بذاته والعالم، لذا صبّ اهتمامه بالتذوق الفني في عدد من كتبه، وعمل على ربط التذوق الفني بالدراسات النفسية، وعلى ذلك فإن مفهوم “النقد” قد أخذ أبعادا جديدة لديه، شملت المتلقي أيضا؛ فمفهوم العملية الفنية عنده يظلّ منتقصا ما لم يكتمل بتفاعل الجمهور مع العمل الفني، لذا فإن التذوق لا يقوم على المعرفة الجمالية وحدها، بل على الاستعداد النفسي والانفعالي الذي يتيح للإنسان أن يتلقى الفن بعمق. والنقد الفني هو مساحة لتفاعل الذوق والعلم. وأصبح النقد الفني في رؤيته مساحة لتفاعل الذوق والعلم، وهذه المساحة هي التي تحدّ من دور الناقد كسلطة تفسيرية فوقية، وإنما يصبح الناقد شريكا في إنتاج المعنى، بمعنى أنه يعمل على كشف الأبعاد النفسية للدهشة والخيال والابتكار. هذا ما مكنه أيضا من تناول علاقات بين الجنون/ المرض العقلي والهوس أو الشغف باعتبارهم مؤديات لعملية إبداعية طبقا للمقولة: “المواهب العظيمة قرينة الجنون”، وأن الجنون نفسه مرتبط بالسياق التاريخي والاجتماعي والثقافي، فما يُحكم عليه في زمن ما أو مكان ما بالجنون قد يتغير هذا الحكم في سياق تاريخي أو اجتماعي أو ثقافي آخر.

هذه الرؤية للتذوق الفني أتاحت له طرح رؤية مغايرة للإبداع؛ فالثقافة ليست ترفا، بل سلاحا ضد التوحش الفكري والانغلاق النفسي، والإبداع فعل مقاومة بوصفه فعلا أخلاقيا ومعرفيا معا.

…………………………

المصادر

-عبد الحميد، شاكر. “الأسس النفسية للإبداع الأدبي (في القصة القصيرة خاصة)”. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط1، 1993م.

– عبد الحميد، شاكر. “التفضيل الجمالي (دراسات في سيكولوجية التذوق الفني)”. الكويت: عالم المعرفة، ع 267، مارس 2001م.

-سويف، مصطفى. “الأسس النفسية للإبداع الفني (في الشعر خاصة)”. القاهرة: دار المعارف، ط1، 1951م.

-مراد، يوسف. “دراسات في التكامل النفسي”. القاهرة: مؤسسة الخانجي، ط1، 1958م.

– عبد الحميد، شاكر. “المرض العقلي والإبداع الأدبي”. القاهرة: مجلة عالم الفكر، المجلد الثامن عشر، العدد الأول، “الجنون في الأدب”، الأول من أبريل 1987م.

 

أمل سالم

12 مقال
كاتب مصري ـ صدر له: ـ الرابع عشر من برومير ـ قصص ـ الملهمات التسع- ميوزيس، قصص

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع