معايشة الحياة.. هكذا ببساطة

سعاد سليمان.. هكذا ببساطة

 شوقي عبد الحميد يحيى

من المعروف أن القصة القصيرة هي أقرب الأنواع الأدبية قربًا إلى القصيدة الشعرية، ولم يُطلق هذا المفهوم من فراغ، وإنما كان مخبأً في أعماق الكلمات التي يسطرها كاتب القصة القصيرة.

كما أن التجريب هو الصفة الدائمة في العمل الإبداعي، وإذا كان المبدع بطبعه يميل إلى الثورة على كل ما يقيده ويحد من حركته وانطلاقه نحو كشف هذا العالم الغريب الذي نحياه، فنراه ثائرًا على العادات والتقاليد التي تحد من حركته، بل يحاول الثورة على الجينات التي يحملها، دون إرادته، ويحاول أن يتغلب عليها.

فإذا كان ما سُمِّي بالقصة القصيرة جدًا قد واجه العديد من المواجهات التي عاقت حركته، لخلوه من (القص) الذي هو عماد (القصة)، والمستمد من (قص الأثر)، أي من التتبع والبحث، فضلًا على أن قاصَّ الأثر هذا ينظر إلى الأرض في عملية البحث هذه، فنحن أمام إنسان يبحث عن شيء مفقود، وينظر إلى الأرض التي يعيش عليها، ومن خلالها يبحث عما ينقصه، عن الفهم وعن المعرفة، فإن الإنسان لا يملك إلا البحث فيما تحت يديه، أي إنه لم يغادر الأرض، ولم يغادر البشر، الذين يبدو الكثير من تصرفاتهم غير مفهوم، خاصة العلاقة بين طرفي الحياة، الذكر والأنثى، وسلوكهما الذي يغيب كل منهما عن الآخر، وترك باقي المخلوقات للعلوم التي تعتمد على غير الأسلوب الشعري أو الوجداني الذي يميز الإبداع الأدبي.

وهو ما سعت إليه الكاتبة “سعاد سليمان” في أحدث مجموعاتها “هكذا ببساطة”، الذي يعكس شخصية الكاتبة شكلًا وموضوعًا، لتتناول أعمق أعماق الإنسان، وفي لحظاته الخاصة جدًا، والتي تكشف عن سلوكه ودواخله التي يخبئها عن الآخرين، فتضيء بعضًا من وجوده، وتكشف النقاب عن بعض من تصرفاته التي تبدو للغير غير مفهومة، مستخدمة التكثيف والإيحاء والتعبير عن المشاعر الداخلية، وكلها من عناصر الشعرية التي تكتنف كلمات القصة القصيرة.

فإذا أخذنا قصة مثل “خيوط حريرية”، حيث الحرير من الأشياء المحببة إلى المرأة، لذا غلفت به الساردة -في القصة- نفسها، لتتحكم في الخدعة التي يتصور الرجل أنه قادر -بكل سهولة- أن يخترقها، ويمتلك المرأة التي لا غنى له عنها. لكنه يفاجأ بأن تلك الخيوط شديدة التماسك، ورغم الشفافية التي تبدو عليها، فإنها سميكة، تخبئ تحتها ما لم يستطع أن يتخطاه.

ففي القصة سنجد مجرد موقف، علاقة بين شاب وفتاة؛ هو يحاول أن ينزع عنها ثوبها (الحريري) الذي لا يراه غيره، ولكنها عندما يصل إلى تلك: {الرعشة التي تسبق نهاية النشوة}، {لكنه أفاق على ضحكتها الماكرة تهمس في أذنه: أعدك أن تظل تدور في هذا الفلك، خلف أوهامك تسبح، تظن الارتواء قريبًا، لكنه العطش الأبدي لمن يريد أن يرتوي بالنور}.

فتخرج القصة من الحيز الضيق، الذي لم يُعرف فيه اسمها، ولم يُعرف اسمه، إلى حيز الوجود الإنساني العام، لتثبت أن المرأة (الماكرة) تلعب بالرجل، وتجره وراءها إلى ما لا نهاية. فالخيوط الحريرية هنا هي الوهم الذي يعيشه الرجل، ظانًا أنه يحيط بالمرأة. والخيوط الحريرية هي خيوط يسهل للرجل أن يمزقها، ويسهل له أن يخترقها، لكن المرأة لا تسمح له بذلك. فالأمر في النهاية يتوقف على موافقتها.

والكاتبة هنا، وهي التي تُعرف بثوريتها، وجرأتها على كسر كل ما لا تؤمن به، تثور على الموروث، خاصة في الصعيد الذي نشأت فيه. تثور على أن تصبح المرأة سلعة تُباع وتُشترى، وأنها إنسانة لها ما للإنسان من احتياجات ورغبات. فهي تهمس بالقصة القصيرة، أي بالإقناع الفني، لا بالكلمات الزاعقة والصارخة، فتخاطب ضمير الإنسان، وتضعه أمام تجربة حية، أو ما يشبه الطبيعة. فاختارت أقرب الأنواع الأدبية قربًا إلى الشعر، الذي هو أقرب إلى النفس الإنسانية، وهو الذي يصدر من الداخل، فلجأت إلى داخل المرأة، مستخدمة الشعور والانتماء الإنساني، فتقدم التجربة الإنسانية.

وهو ذاته ما اتبعته في الكثير من قصصها القصيرة جدًا، والتي عملت على التجريب فيها، خروجًا عما أُخذ عليها، لتصبح قصة قصيرة، بدون “جدًا”.

ففي قصة “رقصة منفردة” تعلن الكاتبة أنها ترى أن المرأة لا تحتاج إلى الرجل، وأنها تستطيع أن تشعر بالسعادة دونه؛ فإذا كان الرجل يمنُّ على المرأة بأنه هو الذي يختار، وهو الذي ينفق، وأنه هو من يملك الزواج والطلاق والزواج من أخرى وثالثة ورابعة، فهي: {تتلاقي عيونها وعيون السماء الناظرة إليها، تنصت لموسيقي الطبيعة العذبة، تنتظم حركة قدميها في شكل إيقاعي، تلوح بالجاكيت في الهواء، تراقصه برشاقة، حول نفسها تدور، تقلد رقصة سحرتها رؤيتها، ما اسمها؟ “لا يهم”}.

فليس يهم ما يدور حولها، المهم أنها تشعر بالسعادة، و{دقات رذاذ المطر على رأسها أن تكمل رقصتها، لا يهم، منفردة تكمل رقصتها}. فهي يمكن أن تخلق الآخر في خيالها، وتعيش معه البهجة، المهم أنها تشعر بالبهجة، حتى لو استنكر الآخرون تصرفاتها، وحتى لو كان هناك من يعوق الطريق، أو ما يعوق الطريق، فالشعور بالبهجة ينبع من الداخل، وليس من الخارج.

وفي قصة “رجل السيلوفان” تعرض الكاتبة أن الرجل هو المغطى بالسيلوفان، حيث تعرض لإحدى مشكلات المرأة مع الرجل، في اللحظة الحميمة، وحيث الرجل هو البادئ: {أثقلها بقبلاته، ضمها بذراعين حديديتين، لم تقاوم، دفنت رأسها في صدره، بسرعة مضطربة، خلع عنها كل ما ترتديه، أغمضت عينيها تستدعي اللذة، تكاد تقبض عليها، لم تجد سوى الفراغ، فتحت عينيها على اتساعهما، تأكدت أنه ما زال جاثمًا فوق صدرها، بحثت عن رأسه وشفتيه وعينيه، فلم تجدهما}.

ورغم ذلك، بحثت هي عنه فلم تجده. وهي المشكلة التي تقف حجر عثرة في العلاقة بين الرجل والمرأة، وتكون سببًا في الكثير من فشل الزواج، رغم أنه يُغفر للرجل ذلك، ولا يُغفر للمرأة؛ فتربية الولد غير تربية البنت، وهو ما يترسب في أعماق كل منهما بقية حياته. فكأنها دعوة مخفية، صمتت عنها الكاتبة، إلى تغيير تلك التربية التي تضع الولد فوق البنت منذ الصغر، ليظل ذلك يسكن أعماق كل منهما.

وفي قصة “مع الاعتذار للخط” تخرج الكاتبة عن الرؤية الداخلية، وتتسع للوطن بأكمله، حيث نلاحظ أن السيارة تناكف السائق، وعلاقته بضابط المرور ليست على ما يرام، والواضح أنه يدفع كثيرًا جراء مناكفات السيارة، وإصرار الضابط على توقيع الغرامة، وهو ما يعكس تمسك الضابط بحرفية القانون. وعندما قرر الضابط الالتزام بروح القانون: {من بين دموعه الغزيرة ألقى إليها نظرة عتاب مؤلمة، أنهضه الضابط برفق، مزق إيصال الغرامة، عاد إلى كرسي القيادة، مسح دموعه بطرف كمه، أدار محرك السيارة، تحركت في تمهل وانسيابية، تذكر أنها المرة الأولى التي يدفع فيها كل هذه الغرامات في يوم واحد، انتبه فجأة، الإشارة حمراء، توقف سريعًا، نظر حوله بدهشة، اتسعت ابتسامته، لم يتعدَّ الخط رغم أنه كان شاردًا}.

فالتحول هنا له علاقة بتحول الضابط، فهي حالة نفسية يعانيها الفرد مما يواجهه طوال يومه، خاصة أن السيارة هي مورد رزق السائق، لتتسع الرؤية من ضابط المرور إلى الضابط بصفة عامة، حيث تعكس علاقة الفرد من عامة الناس بالشرطة على الجانب الآخر.

وفي الوقت نفسه، يمكن النظر إلى القصة على أنها استكمال للقصة السابقة، وإلى أساليب التربية للبنت والولد، حيث تُعامل البنت بالخشونة، بينما يحظى الولد بكل الدلال. أي إنها دعوة إلى معاملة الولد كما تُعامل البنت؛ فاللين والتعامل برحابة الحياة يختلف في تلقي الإنسان له، ويبقى معه إلى نهاية العمر. وهو ما يؤكد أيضًا أن القصة عند سعاد سليمان يمكن تلقيها على أكثر من مستوى.

في قصة “بث مباشر” تعرض الكاتبة حالة المرأة عندما تُصاب في شعورها، عندما يغدر بها الحبيب. فبينما تود هي أن تعلن على الملأ أنها تحب فلانًا، وترتدي له أفضل ما يمكن، وتضحي بالمكياج الثقيل الذي تعودت عليه، وتستخدم المكياج الخفيف الذي يفضله، ويعلم الجميع أنها تحب فلانًا، يأتيها من يخبرها أن زواج حبيبها كان بالأمس.

وتخضع الكاتبة هنا لما تعارف عليه كتاب القصة القصيرة جدًا من خلق المفارقة بين البداية والنهاية. إلا أننا نظل في عرض الحالة النفسية التي تعاني منها المرأة، مثل أن المرأة تظل قابعة، وتنتظر المبادرة من الرجل. فها هي المرأة تبادر بالتضحية والإعلان للعالم كله، لكن الرجل هو الذي يتخاذل. فرغم أن مشاكل المرأة كثيرة، وفي الوقت الذي يعلم الرجل بها، إلا أنه لم يعشها، وبالتالي فهو لا يقدرها حق قدرها، فكان على الإبداع أن يدافع عنها. وهو ما يزيد من تلك المشاعر، وما يعدد دواعي الحالة النفسية التي تعاني منها المرأة، والتي ربما كانت سببًا لبحث الرجل عن غيرها.

حيث نظل نعيش لما بعد قراءة القصة، متسائلين: كيف كانت الحالة النفسية لتلك المرأة التي أعلنت الثورة على المألوف من التصرفات، وأعلنت على الملأ بأنها تحب فلانًا؟ فالثورة تكمن في الأعماق، والغضب يثير الصدور، ويثير الرغبات المكبوتة، وتبحث لها عن متنفس.

بينما نرى في قصة “ثلاثية البحث” تخطي الكاتبة القصة القصيرة جدًا، والتي حولتها لتصبح قصة قصيرة بدون “جدًا”، لتعبر إلى القصة القصيرة، فتتعرض هنا للأنا الأنثوية، وأنها هي المرغوبة، والرجل يبحث عنها.

ففي أولى الوحدات الثلاث التي تنقسم القصة إليها، نرى أن الرجل يبحث عن المرأة. فالرجل الكبير في السن يبحث عنها، لكنه لا يجدها: {طوال 48 ساعة أنهكه البحث المتواصل عنها، لم يذق لحظة واحدة طعم الهدوء والراحة، يقتله القلق، تنهشه الهزيمة، تُرى أين ذهبت؟ أين اختفت؟ لم يترك مكانًا يعتقد أنها تعرفه أو تتواجد فيه إلا ونقب عنها}، فيعيش مع أوهامه وتخيلاته.

وفي الوحدة الثانية نتعرف على الفتى الذي يصغرها، فتتصوره يحلم بها: {عارية، تتلمس الدفء في قلب الفتى، لم تهتم كثيرًا بأنه يصغرها أو تكبره، لا تعرف ما الذي جذبها إليه، رقته… هدوءه… غريب هذا الأمان الذي تشعر به معه، ألقت جانبًا بكل محاولات العقل، حتى بعدما اعترف لها أنه لن يتزوجها، لن يتزوج أبدًا، هناك شيء ما تبحث عنه في قلبه، كلما اقتربت منه وأصبح على مرمى قبضة اليد ضاع منها، أهو الأمان؟ أهو الحب؟ أم الظمأ الذي طالت سنينه؟}.

حيث الفتى يشبعها بعد أن طال الجوع، فاستسلمت له بعد أن فشل في الأداء، وهي التي لم تعرف الاستسلام. إلا أنها تستسلم له حين تتذكر الأكبر سنًا: {لابد أن صديقها العجوز يبحث عنها، بل يكاد يجن، ماذا تحرص عليه هكذا؟ لن تجيب على أسئلته، أرهقها هذا العجوز، لا، ليس عجوزًا إلى هذا الحد، ولكنه يكتم على أنفاسي، يزهق روحي بحكاياه المملة وهدوئه المميت، أشعر بالاختناق كلما مد يده لمجرد المصافحة، فما باله يريد أن يتزوجني}.

وفي الوحدة الثالثة تواجه المرأة من يناسب جوعها، لكنه: {مثل أي شاب يريد اكتمال نصفه الآخر، فتاة تشاركه أفكاره، أحلامه، أقصى ما قد يفعله معها أن يخطف منها قبلة أو لمسة يد، أربكه هذا التكوين الأنثوي الجائع، هي امرأة ذاقت الحياة، تعرف كيف تلتهم الرجل، لم يصدق أن كل هذه الأنوثة ملك يده، لأول مرة يرى امرأة عارية تمامًا، فقد وعيه بمجرد لمسها، أذابه لهيب شفتيها، وعمق أحضانها}، يبحث عن الدفء، وهي الجائعة، فيتمتم مع نفسه: {بقرار حاسم: لا… لن أراها ثانية، هذه آخر مرة، ما أبحث عنه براءة الأنثى، بساطتها، ألا يوجد في هذا العالم فتاة عالمها صغير بسيط، تكفيها قبلة ولمسة يد؟}.

فيهرب هو الآخر، لتظل الأنثى جائعة، ولا أحد من الرجال قادر على إشباعها. فالمرأة إنسان يبحث عما ينقصه، والرجل عاجز عن أن يقدم لها ما تحتاجه كإنسانة.

فإذا كانت القصة القصيرة تقوم على اللحظة الواحدة، فإنها هنا تقوم على البحث الذي يتطلب التنقل، فلجأت إلى استخدام المقاطع، التي تمنحها حرية الحركة والتنقل، إلا أن الرؤية واحدة، تلك التي تسير وراءها الكاتبة، وهي مشاكل المرأة، يربط بينها الجوع الذي تبحث عنه المرأة، الجسدي والعاطفي.

وإن جنحت هذه القصة، إلى حد ما، نحو المباشرة، حيث بدت التجربة وكأنها عقلية، بمعنى أن الكاتبة قررت أن تكتب قصة تحدد فيها أن المرأة تعاني مع الرجل، الذي لن يخرج عن تلك النماذج الثلاثة. فليس فيها إيحاء، أو استخدام للعناصر الجمالية في اللغة، وهو ما يمكن أن نطلقه أيضًا على قصة “زوايا السخرية”، والتي تتوقف عند تدوين الذكريات. فهي، وإن كان بها الكثير من العناصر الجمالية، إلا أنها تخلو من الحركة التي تعتبر جزءًا أساسيًا في القصة، فتتوقف عندما تجلس الساردة لتستعيد ما كان بينها وبين الحبيب المهاجر، فتتوقف عند مجرد الحنين.

وفي قصة “محاكمة القصة الأخيرة” هناك شيء قلَّ أن تجد من يعتقد به بين العرب، وإن كان فيه الكثير من الصواب، ولكن الكاتب/الكاتبة قليلًا ما يعترف به. فالأدب مستمد من تجارب الكاتب، تتسلل إلى أعماله. وصدق نجيب محفوظ حين سُئل: لماذا لم يكتب مذكراته؟ فأجاب بأن أعماله بها الكثير منها.

ففي قصة “محاكمة القصة الأخيرة” نجد زوج الساردة لا يحاكم القصة الأخيرة فقط، وإنما يحاكم زوجته على ما كتبت يداها: {: هو ده اللي بتسميه أدب، إبداع، فكر، ومش عارف إيه؟}، ونبرات صوته تهدر غضبًا: {ضاع الحياء؟ كيف تجرؤين على كتابة هذا الكلام الفارغ؟ وبتقصدي مين برجل السيلوفان؟ أنا؟ صح؟ ولما ده رأيك فيَّ، ليه عايشة معايا؟}.

بل ويذكر أيضًا: {: وإذا كنت أنا رجل السيلوفان، فمن هو رجل خيوط الحرير؟ وهل هو من شاركك الرقصة المنفردة أم غيره؟}. ونعلم أن كل هذه القصص كتبتها الكاتبة في مجموعتها.

وتتفجر المفاجأة عندما نعلم، في نهاية القصة، أن زوجها الذي قطَّع الأوراق وقذف بها أديب. لتفجر الكاتبة هنا قضية تظل محل خلاف؛ فإذا كان الأدب ليس نقلًا للواقع، وإنما لما هو متصور أنه الواقع، فما علاقة ما يكتبه الكاتب بالواقع؟

والرأي عندي أن الإنسان المبدع لا يمكن أن يبتعد عما يعيشه، فهو أولًا إنسان يعيش في مجتمع، ويخضع لعلاقات مفروضة عليه، ولتقاليد موروثة، وقوانين ليس له يد في صنعها، فضلًا على الجينات التي تحكم تصرفاته. فهو غير قادر على أن يجعل منها المثل، ويستمد منها مادته، وإن تجاوزها ليصنع رؤيته الخاصة.

فنحن هنا أمام ازدواجية الحكم، وهو ما لم تقله الكاتبة، وإنما يُنبئ به موقف الزوج في الحالتين. فنحن أمام الإنسان العربي الذي يقبل لنفسه ما لا يقبله لغيره، حتى لو كانت زوجته، بل إن الأمر أشد وطأة.

وهو ما يدعونا إلى القول إن المرأة، حتى لو كانت مبدعة، فإن إبداعها لا بد أن يرضي الرجل، زوجًا كان أو أباها أو أخاها، أي أن تكتب ما يرضي البيئة المحيطة بها، وإلا اعتُبرت نشازًا.

فالقصة هنا تخرج من داخل النفس وشعورها، وتخرج من البيئة المحلية، لتدخل الواقع المعاش في المجتمعات العربية، حيث يعيش الإنسان العربي ازدواجية المعايير، والخضوع التام للتقاليد والموروث، اللذين تعلن عليهما الكاتبة الثورة، مستخدمة الأساليب الجمالية المتمثلة في القصة القصيرة الشعرية، أو القصة الشاعرة، التي تخاطب الإنسان من داخله، وتعلن أن الحياة قائمة على الرجل والمرأة معًا، ولكل منهما دوره في الحياة، ولن تقوم الحياة إلا بفهم كل منهما للآخر، والعلم بأن لكل منهما تركيبة خاصة خلقه الله عليها، ولا يملك لها دفعًا أو ردًا.

فهكذا تعلن سعاد سليمان الثورة على التقاليد التي توارثها الرجل من جيل إلى جيل، وكأنها القانون الدائم، في الوقت الذي تتغير فيه القوانين لتلائم البشر، أينما وجدوا، وأينما كانوا.

فجاءت مجموعتها “هكذا ببساطة”، وكأنها ترى أن عملية التغيير هذه بسيطة، وكأنها شيء عادي يمكن تغييره، مثلما تتغير الحياة؛ فهي غير ملموسة، لكنها محسوسة.

 

كاتب وناقد مصري. من إصداراته: شعرية السرد في الرواية دراسات تطبيقية. القراءة السياسية للقصة المصرية القصيرة، الرواية في أكتوبر 73،…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع