مصر التي.. اسم مصر وحده يكفي

saad alkersh

صفاء الليثي
مصر التي… هل التكملة «في خاطري وفي دمي» التي غنتها أم كلثوم من شعر حافظ إبراهيم؟ أم مصر التي أصبحت ما هي عليه الآن، بما حدث للمصريين من ضياع للهوية وفقدان الاعتزاز بالذات والخصوصية؟
كتابات الأديب سعد القرش تدل على ذكاء تحليل سياسي واجتماعي يكشف عن ثقافة موسوعية، وذاكرة قد تستدعي الرجوع إلى العديد من المصادر؛ للتأكد من صحة الأسماء والتواريخ. ولكنه على الأرجح يمتلك ذاكرة قوية. في صفحة 48 من كتابه «مصر التي..» الصادر في القاهرة عن دار الثقافة الجديدة، يكتب سعد القرش: «ذاكرتي احتشدت بهذا كله، وبغيره من فائض المواقف».
كان يعلق على تداعي أفكاره منتقدًا ما سمّاه غواية الهلْودة، حين أصر ممثل مصري على التحدث بالإنجليزية رافضًا العربية، ليثبت أنه أصبح نجمًا عالميًّا، بعد ظهوره في فيلم لمخرج أجنبي من أصل عربي.
في بداية الكتاب ينتقد المؤلف ما سمّاه التشويم، وهؤلاء الذين يكتبون بصيغة أهل الشام، وتكتب الجيم المصرية بحرف الغين، حتى لا تنطق الجيم بالتعطيش، كأغلب العرب من غير المصريين. وأعقبه بفصل عن الخلجنة. أثناء القراءة تذكرت ما كان يكتبه الأديب الكبير يوسف إدريس في باب المفكرة بجريدة الأهرام. لا يغيب عن بالي مقال عنوانه «أهمية أن نتثثقف يا ناس» وفيه قال: «إننا ننحدر ثقافيًّا وبالتالي سلوكيًّا بدرجة خطيرة، والغوغائية ـ نتيجة لانعدام الثقافة ـ تسود إلى درجة تهدد فيها باكتساح وجودنا كله. ومع وجود هذه الكميات المخيفة من البشر في هذا الحيز الضيق للوجود، فإننا ذاهبون إلى كارثة محققة ـ لا قدر الله ـ إذا لم نولِ رفع المستوى الفكري والثقافي للشعب الأهمية القصوى الجدير بها». مقال إدريس أعيد نشره، فصلًا في كتاب حمل عنوان أكثر المقالات شهرة وبقاء في الذاكرة «أهمية أن نتثقف يا ناس». وبسببه وبسبب مقال لم يحسب له يوسف إدريس حسابًا ولم يتوقع منه جلبة، فتحت عليه النار، ووجهت مدافع النقد إليه من قبل مدعي الثقافة المصريين من الكتاب والفنانين، وعلى رأسهم وزير الثقافة المصري آنذاك عبد الحميد رضوان الذي كتب مقالًا هاجم فيها إدريس الذي انتقد النخبة المثقفة بمصر والعالم العربي، حيث عدَّهم عالة على عموم الشعب يضللونه ويأخذونه في طرق سطحية باسم الفن والمسرح والتلفزيون مرة، وباسم الدين مرة أخرى.
كنت أتابع مقالات إدريس في الأهرام، وأجد بها نفس جاذبية قصصه القصيرة الرائعة. أتذكر كيف تأمل اتفاق الناس في كل بقاع العالم على تبادل تحية صباح الخير، دون اتفاق، وأحزن لو عاش بيننا الآن ووجد بعد المتنطعين يصرون على الرد على صباح الخير بعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
في كتاب القرش «مصر التي..» عين التأثير الذي يبدأ بانتقاد ظواهر مجتمعية لدى المثقفين، ثم يأخذ القارئ في تصاعد إلى انتقاد ظواهر أكثر عمومية، وأكثر خطرًا مع الأسرلة والأمركة راصدًا «عقدة الأطراف» تجاه مراكز الكون في عصرنا الحالي.
الكتاب في أبواب ثلاثة تأخذنا تدريجيًّا، مع كشف ظواهر تغضب الكاتب يوجه لها سهام نقده، للأفراد أولًا ثم يصل إلى ما سمَّاه «فرط التدين وفرط الوطنية» حين يصف الإصرار على عزف السلام الوطني في غير محلة بالتنطع الوطني الذي ينزع عنه الهيبة.
الباب الثاني بعنوان «زوايا» يكون الانتقاد فيه للسلطة وأساليب الحكم، والحديث عن الدكتاتوريات الصغرى والكبرى. كل عنوان يمثل رأيًا قد يتفق فيه مع كثيرين غيره، ولكنهم لا يمتلكون تدفق المعلومات وهذا الإيجاز الذي يختم به فصوله ملخصًا على طريقة الرياضيين حين ينتهون بفقرة (وهو المطلوب إثباته)،  فمثلا حين ينهي نصه المعنون «المصريات لا يعرفن تحرير المرأة» باستنتاج: «أما المصريات الحقيقيات فكنَّ شقائق الرجال في البيوت والمصانع الصغيرة، والغيطان ولا يخجلن من كشف وجوههن».
في الباب الثالث المعنون «طي السجل للكتب» قراءة في عدد من الكتب وجد محتواها يتوافق مع رؤيته في عدد من موضوعات تشغله، وتشغل الكثيرين منا، كما في وصية أحمد السيد النجار في عاصفة الاقتصاد، وقضية النيل وتبديد المقابر وغيرها. والختام جاء تأملًا اسم بلدنا، وسؤال يشغله: لماذا لا نكتفي باسم مصر؟ دون تحديد نظام الحكم ملكية أو جمهورية، ودون أيضًا وصفها بالعربية؟ موضحًا أن مصر اسم أيقوني مكتفٍ بذاته.
كتاب القرش تأملات في الأحوال خاصة وعامة، ورجاء بأن تعود مصر باسمها، وحده يكفي.

قاصة وكاتبة وناقدة سينمائية من أعمالها: ـ مونولوج ـ قصص ـ القيم الاجتماعية كما تعكسها أفلامنا ـ وجوه الحقيقة اتجاهات…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع