مصري في بلاد فارس

علي حسن

1

يوم 25 ديسمبر 2010 هو أول يوم تطأ فيه قدماي أرض إيران. كنت سعيدًا لسببين؛ أنها جاءت بعد فترة انقطاع عن العمل ليست قصيرة، ولأني بعد ساعات، سوف اكتشف أرض فارس، أرض السحر والعظمة والتاريخ!
لكني في الوقت ذاته غادرت وطني مضطربًا! كنت أشعر بأن شيئًا ما سيحدث قريبًا! بداية لم أجد أي اعتراض من الداخلية أو المخابرات في مصر، بمجرد أنني سلمت إليهم خطابًا من الشركة يفيد بأن سفري إلى إيران لغرض العمل في مجال البترول، سهلوا كل صعب، وذللوا كل عقبة، سافرت عن طريق دبي، ثم في اليوم التالي توجهت إلى جزيرة “كيش” وما أدراك ما كيش!
“كيش” جزيرة إيرانية تقع في الخليج العربي، ضمن نطاق محافظة “هرمزكان” في الجنوب الإيراني، وهي قريبة جدًا من دبي (200 كم).
هبطت الطائرة؛ ومع أول خطوة داخل صالة المطار، تقدمت ناحيتي فتاة إيرانية جميلة، ترتدي ثوبًا تراثيًا مزركشًا. قدمت لي وردة حمراء “گل قرمز” تعبيرًا عن الترحيب الفارسي بالضيف. لست الوحيد الذي تلقى من الفتاة الجميلة ذات الزي الفارسي ورودها اليانعة، وإنما جميع الركاب، وفي كل مرة أصل إلى “كيش” تظل رائحة الوردة التي تُهدى إليَّ تفوح أيامًا في حقيبة ملابسي.
جزيرة “كيش” من خلال نافذة الطائرة، تبدو شاسعة، بيضاوية الشكل. ومن خلال نافذة الطائرة تستكشف الخضار والأشجار، تشاهد العمران في كل مكان، ڤلل، قصور، ميادين فسيحة، مبان عالية، مولات راقية لكنها مع ذلك لا تشبه دبي وأبو ظبي، ليس لشئ سوى أنها الأكثر هدوءًا، وهي تعد مركزًا تجاريًا ومنطقة حرة وحيدة في إيران، وتكاد  أن تكون لا علاقة لها بالدولة الأم.
“كيش” تختلف تمامًا عن كل مدن إيران، حتى طهران العاصمة. لا يحتاج السائح إلى تأشيرة دخول لها، حيث تحصل عليها مباشرةً، بمجرد وصولك إلى مطار “كيش”.
في كيش قضيت ليلة جميلة؛ شاهدت عن كثب كل هذا الجمال الذي لاح لي من الطائرة قبل الهبوط. ذهبت إلى “الأهواز”، وهو إقليم عربي داخل الدولة الفارسية!
لم أكن أعرف شيئًا عن هذا الإقليم، وعن قوميته العربية، كل ما كان لدي أنه امتداد طبيعي لمدينة البصرة، ويطلق العراقيون عليه اسم “الأهوار”. وصلت إلى الفندق؛ كان قريبًا من سوق “الإمام الخميني”.
السوق يشبه البواكي التي تجدها في حي “الكوربة” بمصر الجديدة، ويزيد عنها أن الشارع كله مسقوف، السقف عالٍ، يحجب زرقة السماء عنك حين تسير تحته، ويعزلك عن الأمطار الغزيرة، كذلك يشعرك بألفة ودفء وخصوصية، كأنك تسير بين جدران بيتك، إلا أنك تتأمل وجوه العابرين الغرباء!
خرجت من الفندق بعد حمام لذيذ؛ أنشد طمأنة زوجتي. إزدحام لا مثيل له، محلات لبيع المخللات التي تفوح رائحتها في كل مكان، كل أنواع المخللات التي تعرفها والتي لا يمكن أن تتخيل أنها توضع في بطرمان زجاجي بين ماء وملح وخل وكرافس وثوم وتفوح منه تلك الرائحة العطرة المميزة!
فواكه من كل صنف؛ تعددت أنواعها، ألوانها، أشكالها، مواسمها! محلات لبيع المكسرات، الفستق الإيراني الشهير، الكاجو المعتبر وعين الجمل والبندق اللذيذ!
كنت جائعًا؛ سوق الإمام الخميني، وما حوله تخرج منه أدخنة الشواء. لحم مشوي له رائحة زكية، لم ولن أنساها ما حييت. نسيت البيت وزوجتي والأولاد، ورضخت لصوت عصافير بطني التي أزعجتني، وفي الحقيقة، أصحاب المحلات والعمال يرتدون ثيابًا ناصعة البياض، ذقونهم محلوقة، وجوههم يشع البهاء منها وبسمات نضرة مرحبة تنتظر خطوتك العزيزة!
جلست على طاولة، فجاء إليَّ أحدهم؛ لم أفهم شيئًا مما قاله، لكنه فهم لغة بطني، فقدم لي قائمة بما لديه من طعام.
جوجيه كباب: وهو عبارة عن صدور فراخ مشوية، موضوعة فوق الأرز البسمتي المخلوط بالزعفران، وحبة طماطم مشوية.
چلو كباب: الچلو هو أرز إيراني شهير، مخلوط بالزعفران (الزعفران في إيران له سمعة طيبة كمقوي للقدرة الجنسية، والزعفران الأصلي هو الزعفران الإيراني فقط) وفوق الأرز يوضع الكباب. لحم خروف مفروم له رائحة زكية، مخلوط بالزعفران قبل الشواء، وحين يقدم يوضع مع الطبق بعض أعواد من الريحان.
كباب كوبيديه: لحم مهروس، أو مطحون يدويًا، يوضع فوق طبق من الأرز مع البصل والطماطم وكلاهما مشوي أيضًا.
أكلت من الكوبيديه لسهولة نطقه ووضوح اسمه، والسعر زهيد، لا يزيد عن دولار واحد، لكنك تشعر بعد الفراغ منه بالتخمة! يقدم لك المطعم أيضًا مشروب “الدوغ”، لبن رائب حامضي المذاق تم خضه وخلطه مع الملح والنعناع، وهو مفيد جدًا لتقليل الإحساس بالعطش، ويطلق العراقيون عليه اسم “شنينه” وهو مشروبهم المفضل في رمضان، تجده دائمًا على مائدة الإفطار عندهم.
خرجت بعدها يدفعني قلبي إلى الإطمئنان على أسرتي؛ دخلت محلا يبيع الموبايلات وشرائح الاتصالات التليفونية، كان التاجر شابًا، حدثته بالإنجليزية، فلم يفهم مني شيئًا، لكنه وضع أمامي شريحتين. واحدة هي إيرانسيل، والأخرى همراه أول.
كنا في وضع غريب، أحدثه فلا يفهمني، ويجيبني فلا أفهمه، فجاء وقت “البرطمة”!
التقط الرجل بعض كلمات قلتها بصوت عالٍ.. فقال أنت عربي؟
هنا انحلت كل العُقد، فسألني الشاب: أنت عربي؟
حين أخبرته أني مصري، وضع هاتفه المحمول أمامي قائلًا بلهجة عراقية جميلة:
“عيني.. احكي مع زوجتك.. طمنها”.
بعد إلحاح طويل، لا يهم القارئ طوله، استخدمت هاتفه وتحدثت مع زوجتي ما يقرب من دقيقة، خارج
المحل.
رجعت إليه داخل دكانته؛ شكرته، لكنه صرح لي بأنه حزين، لأنني لم أتكلم براحتي! وردد عبارته الحلوة: “نحن عرب أهل كرم، ومن العيب أن تخجل من أخذ حقك”!
أقسمت له أن تكلمت على راحتي، وكل شيئ على ما يرام.
قال لي أن بعض الشبكات هنا تعمل بصورة جيدة في أماكن معينة، والبعض الآخر لا يقدم الخدمة المطلوبة، ونصحني أن أسأل أين سأذهب للعمل ثم آتي إليه ليقدم لي الشريحة المناسبة.
رجعت إليه في مساء اليوم التالي؛ كانت الساعة السابعة مساء، فوجدت والده معه، رجل ستيني، بينما الشاب في أواخر العشرينيات. وقفا الرجلان حين دخلت عليهما، ثم قدم الابن الشريحة المناسبة، وعندما أردت الانصراف، قال والده بلهجته “العراقية”:
– عيني.. هسه (الآن) أريد منك طلب؟
– تفضل
– البنات وأم حسين ما يصدقن أن في الأهواز مصري! يصير تقابلهن ليسلموا عليك؟ البيت فوق
الدكان مباشرةً، ولو أنك لا تريد الصعود إليهن، يمكن لهن النزول إليك.
– أنا تحت أمرك وكذلك أمرهن.
حينها كنت في خجل شديد، لا أعرف ماذا أفعل، هل صرت تمثالًا أو قطعة فنية، يرغب الناس في رؤيتها؟
أرسل الرجل الشهم ابنه “حسين” إلى والدته وأخواته كي ينزلن إلى مدخل البيت. بعد دقائق، رجع وأذن ليَّ بالدخول إلى بهو المنزل “المدخل”.
دخلت خلف الأب؛ قدمني الرجل إلى زوجته وبناته. كن جميعًا يغطين وجوههن بطُرَح مصرية سمراء، لكن ملامحهن تشرق من وراء شيلانهن الحريرية. كنت أرى من خلف الطرحات السوداء بياض أسنانهن، عيونهن المحدقات فيَّ، كأنهن ينظرن إلى رجل قادم من الفضاء (في الحقيقة لست قادرًا على وصف فرحتهن) هن يشاهدن أفلامًا لعادل إمام، أحمد زكي، سمير غانم وغيرهم؛ وربما شعرن أني أحد هؤلاء النجوم!
في اليوم التالي؛ توجهت إلى الحفارة، كانت تبعد ست ساعات عن الأهواز. قضيت على البريمة شهرًا كاملًا، علمت خلالها أن هناك ثورة في مصر، وأن الوضع في بلدي متأزم جدًا. تواصلت مع زوجتي بعد عناء، كنت أشعر من خلال الهاتف أن هناك مَن يسترق السمع، شخص يتنصت على المكالمة، وهذا كان بديهيًا، فمصر في حالة غليان وإضطراب، وهناك شخص يتصل من بلد علاقتها يشوبها الكثير من التوتر والقلق.
من المستحيل نسيان صوت زوجتي؛ كان متهدجًا، خائفًا، يتملكها قلق يزلزل قلبها..
قالت: “مصر بقت غريبة يا علي، الناس طالعين بسلاح، هجموا على الأقسام، البيوت! مش دي بلدنا مصر اللي عرفينها أبدًا”!
كانت حزينة، خائفة.. وكنت أملك في جعبتي الكثير من الأمل والفخر وبراهين النصر.
بعد سجال؛ بعد صد ورد مع مدير الشركة في طهران، وشجار وعناد، كان إصراري على العودة إلى وطني بأي طريقة، وبأي وسيلة.. وفعلا تركت الحفارة عائدًا إلى الأهواز.
كان معي بعض الشباب الإيرانيين، الذين رافقوني لتدريبهم. كانوا حديثي التخرج، ليس لديهم أي خبرة في مجال البترول. رافقني أحدهم إلى الفندق. تلفاز الغرفة كان مفتوحًا، ينقل على الهواء مباشرة صلاة الجمعة. الزميل الإيراني كان مستلقيًا على السرير، بينما أنا أستعد للسفر إلى مصر.
لن أنس ما حييت كلماته التي قالها؛ كان مستلقيًا على السرير، مستندًا برأسه على ذراعيه. كان آية الله علي خامنئي يلقي خطبة الجمعة باللغة العربية! قال الشاب غاضبًا، مستهجنًا: “هذا الرجل يوجه إليكم “أنتم” وليس إلينا خطبة الجمعة! فهل تترجم لي من فضلك ما يقوله هذا الرجل”!
كان حديث “آية الله علي خامنئي” في خطبته، عن الثورة المصرية، عن الحرية، عن عظمة الشعب المصري. سبحان الله، كأن ست عشرة سنة أمست ليلة واحدة، بل هي سويعات من نهار!

2

بين كشك اليمن وثومة بلاد فارس

في أواخر السبعينيات، انتشرت خطب الشيخ “كشك” على أشرطة الكاسيت، تسجيلات رديئة الصوت، ومع هذا كانت مطلوبة ومسموعة، زاد من حجم توزيعها حديث الرئيس السادات عن هذا الشيخ!
جاء أبي يومًا بشريط كاسيت يحمل جعيرًا وصراخًا وعويلا لهذا الشيخ، لكنه كان يستمع بحذر، خافضًا صوت الكاسيت، ضحك والدي على بعض “إفيهاته”، كانت شطحات هذا الشيخ تشبه “نكات” أصحاب المونولوجات وفراتهم عن تقليد المطربين، أذكر أن والدي ضحك كثيرًا عندما قال “كشك”:
!”عجوز في السبعين تقول: خدني في حنانك خدني.. خدك ربنا”
كان كشك يقصد “السيدة أم كلثوم” بالعجوز! ضحك المصلون؛ كذلك ضحك والدي بستهزاء، لكنه كان استهزاء مرًا، لأني سمعت هذا التعليق بعد ذلك مرارًا وعلى لسان كثير من المصريين! “في السبعينيات والثمانينيات” انتهى بعدها بتحريم الفن، وإعلان الفنانات عن توبتهم من الجرم الذي اقترفوه، والفن الذي جسدوه، والذي قال عنه يومًا “يوسف بك وهبي”: “جهادي في الفن”!
مات كشك وماتت خطبه؛ اختفى جعيره إلا قليلًا، أكاد أسمعه اليوم في الأسواق، لقد عاد من جديد!
لقد عاد كشك وعادت شرائطه فعلًا! لكنه لم يقدم لمصر شيئًا يستحق التقدير.
إنه لم يقدم للإسلام شيئًا يستحق الإشادة؛ اللهم إلا إذا كان الميزان هو ميزان عمر عبد الرحمن الإرهابي القابع في سجون أمريكا، أما السيدة أم كلثوم فقد تركت لنا ولمصر وللعروبة وللإسلام الكثير والكثير.
الكاتب والباحث الموسيقي السكندري الشاب “كريم جمال” في كتابه (أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي) يذكر كل مجهودات السيدة كوكب الشرق في خدمة وطنها والعروبة بعد هزيمة ١٩٦٧ من واقع جرائد ومجلات مصر ما بعد النكسة.
قامت السيدة “أم كلثوم” بالتبرع للمجهود الحربي بكل ما لديها من حلي ومشغولات ذهبية، وقامت بجمع تبرعات، وصل حجمها إلى ١٠٠ كجم ذهب. وهو ما يساوي في ذلك الوقت مليون جنيه، وبسعر اليوم مليار جنيه مصري!
 تبرعت أيضًا بمبلغ ٢٠ ألف جنيه استرليني هو حصيلة حقوق إذاعة أغنياتها عبر راديو بي بي سي، (مليون جنيه مصري) وهو ما يعادل مليار ونصف جنيه مصري بأسعار اليوم!
قدمت سيدة الغناء العربي حفلات للمجهود الحربي؛ كانت أول حفلة في محافظة البحيرة، وكان المحافظ هو “وجيه أباظة” من حفلتها في دمنهور قدمت للخزينة المصرية ٧٠ ألف جنيه مصري، ثم من دمنهور إلى الإسكندرية، حيث قدمت للخزينة إيراد الحفل بقيمة ١٠٠ ألف جنيه، ثم بعدها ذهبت إلى المنصورة. انطلقت بعد ذلك في رحلات خارج مصر، قدمت في باريس حفلتين، ثم حفلتين في المغرب، حفلة في الكويت، ذهبت كذلك إلى تونس والخرطوم. السودانيون صلوا صلاة شكر لله في المسرح لأن الست “أم كلثوم” جاءت إليهم! كان ذلك مذهلًا؛ لسيدة الغناء العربي ولكل المصريين والعرب!
كان استقبال أم كلثوم استقبال ملوك ورؤساء دول كبيرة؛ كما قدمت العظيمة “أم كلثوم” دعمًا لا مثيل له للمصريين المُهجَّرين من مدن القناة، قدمت الطعام والبطاطين والملابس الجديدة للأطفال في الأعياد والمناسبات! لقد اختارها الشعب المصري رئيسة للجمعيات الأهلية، ثم أسست جمعية الوفاء والأمل في مدينة نصر والتي ما زالت قائمة بكل شموخ وإن لم تحمل اسمها، لكن الاسم ما زال منقوشًا في قلوب المخلصين من المصريين.
تلك هي السيدة “أم كلثوم” فمن هو “كشك”؟ ماذا قدم لمصر؟ ماذا قدم للشعب المصري غير الجعير والحزق والغل والحقد والكره؟
أول مرة أعمل في البترول خارج مصر كان في عام 1994؛ سافرت حينها إلى اليمن. وصلت إلى صنعاء، قضيت ليلتي الأولى في فندق “حدة” الشهير.
اليمن دولة جميلة؛ لها طراز معماري فريد، يصعب أن تكراره، ولن تجده في دولة أخرى. وصنعاء مدينة جميلة، ربما تبدل الحال اليوم، وفقدت أجمل ما تميزت به! كذلك فإن الشعب اليمني شعب أصيل، طيب، كريم، على سجيته، نقي.
اليمن دولة جبلية؛ جبال وهضاب، صخورها بركانية، طرقها وعرة، خطيرة! حين تصعد إلى جبل، تجد أن هناك جبلًا آخر، وفوق الجبل جبل، وبعد الجبل، هناك جبل!
الطرق معوجة، منحدرات وارتفاعات، منحنيات خطرة، كأنها مسارات ثعابين! خرجت إلى شارع “جمال عبد الناصر” وهو سوق عظيم، بالغ الروعة، تشعر حين ترتاده في المساء أنك قد دخلت إلى عالم “ألف ليلة وليلة” بما تحمله من سحر وجمال وغموض! صدمني في اليمن شيئين، أولهما القات، الذي بدأت أشاهده على مقاعد الطائرة اليمنية قبل أن تنطلق من “القاهرة” كذلك في جيب المقعد الذي أمامي، ثم سائق السيارة الذي كان ينتظرني، الجميع “يخزن” يضعون القات في أفواههم. ينفق اليمنيون أموالًا طائلة على القات وعلى ولوازمه، من مياه وسجائر وكوكاكولا!
هم يقضون من خمس إلى ست ساعات في التخزين! أنواع القات تتدرج من مئات الريالات اليمنية إلى آلاف الريالات، وتأثير القات يختلف حسب أنواعه وأسعاره. من القات ما هو منشط، يمنح الطاقة، ومنه ما يبعث على الخمول والنوم، الفرح، الحزن، نشاط زائد، ومنه ما يمنحك قوة جنسية جبارة.
إذا خزن التاجر، فإنه لن يتحرك من مكانه! لن يبيع لك شيئًا، حتى وإن ربح من هذه التجارة مليون ريال!
الشيء الآخر الذي لفت انتباهي في اليمن، هو صوت الشيخ “كشك”!
في اليمن لا ينقطع صوت كشك أبدًا؛ صوته يتردد في كل مكان، كل المحلات تستمع إلى تسجيلاته!
كان ذلك أمرًا لم أتوقعه، ربما لأن في مصر في ذلك الوقت كانت شرائط “كشك” ممنوعة.
توجهت بعد يومين إلى الحفارة؛ كانت السيارة مصفحة، أمامي سيارة للحراسة، وسيارة أخرى خلفنا للحراسة أيضًا، والحرس كانوا ينتمون إلى قوات أمريكية مدربة تدريبًآ خاصًا للحراسات الخاصة!
قامت الحرب الأهلية بين اليمن الشمالي واليمن الجنوبي في صيف عام ١٩٩٤ تقريبًا؛ كانت رحلة العودة إلى مصر صعبة جدًا، ربما يأتي وقت أتحدث عنها، المهم أنني في هذه الأيام كنت مرعوبًا! والأهم أن الأغنية التي كنت دائم الاستماع إليها ولا أمل منها أبدا هي أغنية الفنان “علي الحجار” “ماتغربيناش”!
بعد سنوات طويلة؛ تحديدًا في عام 2010، تعاقدت مع شركة للعمل في إيران. إيران دولة كبيرة ولها تاريخ عظيم، وشعبها طيب أيضًا، يحلم بأن ينفك هذا الحصار المضروب عليه من كل مكان، ويتمنى أن يستكشف العالم، ويسافر بعيدًا، إلى أوروبا وأمريكا، ينتظر أن ينعتق من هذا الأسر، وينتقل حيثما شاء، دون سيطرة من ملالي إيران وآياتها، ومن دون ممانعة أو رفض من دول أوروبا وأمريكا.
الإيراني يحب مصر وشعبها جدًا؛ عملت في إيران ما يقرب من أربع سنوات تقريبًا، لي فيها ذكريات جميلة، وأخرى صعبة، سوف يحين لحظة سردها للقارئ ذات يوم بإذن الله.
كنا ننتقل بالسيارة من جنوب إيران عند الخليج العربي من الأهواز إلى الشمال (الخليج العربي عندهم هو “الخليج الفارسي” وإذا نطقت بأنه العربي فإن عقوبة جريمتك ربما تصل إلى عدة سنوات داخل السجن) إيران دولة عظيمة المساحة، تجد جميع فصول السنة الأربعة في يوم واحد حين تتنقل من الجنوب حيث الحرارة مرتفعة جدًا إلى الشمال حيث الجليد!
في أحد المرات سافرت من الأهواز ذات الأغلبية العربية إلى “بندر عباس” عبر باخرة. والبواخر وسيلة عظيمة للسفر الداخلي في إيران. عندما خرجت من الباخرة إلى ميناء “بندر عباس” وقفت في انتظار سائق الشركة (ممنوع أن تركب سيارة غير سيارة الشركة). وجدت في الميناء الكثير من الإيرانيين يستخدمون الموتوسيكلات كوسيلة للتنقل مثل التاكسي.
سألني أحدهم: تركب؟ قلت شكرًا. قال:” أنت منين (شما أهل کجا هستید؟) قلت: مصري، قال: أنت مصري (شما مصری هستید؟).. ثم انطلق لسانه: “أروح لمين.. وأقول يا مين.. ينصفني منك.
سألته: أنت عربي؟ أجاب: عودت عيني على رؤياك.. وقلبي سلم.. سلم لك أمري
ضحكت ثم أعدت عليه سؤالي: أنت عربي؟
قال مغنيًا: الحب كده.. وصال ودلال.. وخصام.. وآهو من ده ودا.. الحب كدا.. مش عايزة كلام.. الحب كده!
كان يضحك ملء فيه! ثم أخيرًا قال: أنا فارسي.. أنا أحفظ كل مغنيات أم كلثوم.. أم كلثوم عاليه (عظيمة).. أم كلثوم خوب (جميلة).. خوب صداي (صوت جميل) أم كلثوم صداي فوق عاده (صوت رائع)

3

المرأة الإيرانية

المرأة الإيرانية ذات سلطة وقوة في بيتها؛ يقدرها الأب والزوج ويعتز بها الابن والأخ. لها رأي، حضور طاغٍ، وربما قوة شكيمة، فهي ابنة حضارة عظيمة، تعترف بفضلها وتقدر دورها الإنساني في المجتمع.
المجتمع الإيراني متباين الأعراق والقوميات، فرس، عرب، أكراد، تركمان، بلوش ولور، كلها قوميات تقدر المرأة، تعتني بتربيتها، تعليمها، تمنحها حرية تليق بها، وإن بدا ظاهرًا أن الدولة الدينية لا تمنحها دورًا يليق بها إلا تحت عباءة الملالي والآيات.
حين تذهب إلى إيران، يلفت انتباهك جمال المرأة الإيرانية، اختلاف أشكالهن، مواطن الجمال فيهن، لكنهن أيضًا يبعثن فيك سؤالًا لن تجد له إجابة!
أربع سنوات؛ تجولت خلالهم بين مدن إيران الكبرى، زرت القرى الواقعة عند سفوح سلسلة جبال زاجاروس، وتأملت عن كثب المجتمع الإيراني.
أول ما أثار انتباهي، هو أن المرأة الإيرانية، ليست طويلة، وليست سمينة، هي شديدة الاعتناء بمظهرها، وربما تعجبت من رؤية أغلبهن يضعن قطعة شاش ورباط لاصق صغير حول أنوفهن! بعدها عرفت أنهن أكثر نساء العالم إجراءً لعمليات تصغير الأنف في العالم، رغم أن أنوفهن صغيرات أصلًا!
والمرأة الإيرانية تلتزم الحجاب؛ كبيرات السن يضعن العباءة السوداء من الرأس إلى القدم، وذلك في المناطق العربية والكردية، بينما الفتيات والنساء فوق الأربعين في طهران وأصفهان لا تحكمن غطاء الرأس، وتتعمد إظهار شعورهن بألوانه الذهبية والكستنائية والسوداء، شعر ناعم “مُحنى” بعناية يبدو من تحت الإيشارب الذي ينسدل لأسفل دون أن يُقيَّد حول الرقبة!
والعائلات الإيرانية تحرص على تعليم فتياتهن تعليمًا راقيًا؛ ويتعلمن أيضًا الفنون بأنواعها من رسم وموسيقى ونحت تعليمًا خاصًا ومتميزًا! عندما بدأت العمل في إيران، قابلت على الحفارات كثيرًا من الشباب الإيراني، لفت انتباهي أنهم جميعًا على قدر عال من الثقافة، كذلك كنت اكتشف أن لكل واحد من هؤلاء الشباب علاقة حب بفتاة، جميعهم يمارس حياته كشاب أوروبي، لم أجد أغلبهم متدينًا أبدًا، فكل شيء موجود في إيران، لكن تحت غطاء لا يظهر على السطح أبدًا!
سألني أحد هؤلاء الشباب يومًا وكان شابًا لطيفًا: هل تحب عبد الحليم حافظ؟ قلت نعم.. طبعًا! فقال: والدتي لا تسمع أبدًا إلا أغنياته، تسمع عبد الحليم ليل نهار!
سألته هل والدتك تعرف العربية؟ قال: لا، لكنها تفهمها الآن بعدكا استمعت لعبد الحليم كل هذه السنوات الطويلة!
كان ذلك شيئًا عجيبًا؛ فسألته: هل والدتك متعلمة؟
كان جوابه صادمًا.. قال: والدتي طبية، وأستاذة جامعية، لديها عيادة للطب النفسي، تخصصت في الطب النفسي للأطفال. كان ذلك أمرًا غريبًا، إذ لم أسمع به من قبل في مصر في هذا الوقت (٢٠١٠).
أخبرني أيضًا أن والدته حين علمت بأنه يعمل مع مهندسٍ مصري، طلبت منه أن يخبرني بأنها تريد صورة بالحجم الطبيعي لعبد الحليم حافظ! نزلت مصر ورجعت إلى إيران مرات، في كل مرة كان الشاب الجميل يسألني هل أحضرت “صورة عبد الحليم حافظ بالحجم الطبيعي”؟ كان في كل مرة يقول لي أن أمه “تلح في هذا الطلب باستمرار وتنتظر أن أحقق لها هذا الرجاء”!
في أفراح الإيرانيين؛ داخل بيوتهم، ترقص الفتيات في طهران وأصفهان وشيراز على أنغام أغنيات عمرو دياب، ولن أستطيع أن أصف لك كيف استقبلوا أغنية “عودوني” ولا ماذا فعلت بهم؟ كنت أسمعها في كل مكان في طهران!
ينتشر الأكراد في منطقة كرمانشاه وإيلام؛ غرب إيران، وليس هناك في الوجود ما هو أجمل من هذه المناطق، الموازية لسلاسل جبال زاجاروس التي تمتد من إيران جنوبًا إلى تركيا شمالًا، وهي تبعد عن “طهران” العاصمة ٥٠٠ كم، وهي عبارة عن جبال يكسوها الجليد في الشتاء، والخضرة في الربيع والصيف، وترى شلالات المياه تنحدر من علٍ، بلونها الفضي، وعيون تجدها على الطريق أثناء سفرك نحو الشمال!
في غرب كرمانشاه، وتحديدًا مدينة “بيستون” الحضارة الساسانية منقوشة في صخور جبل “طاق بستان” انحناءات داخل الجبل تشبه المحاريب، عليها نقوش باللغة الفارسية القديمة، وتماثيل بالغة العظمة، يقصدها السياح من كل مكان داخل إيران.
ذات مرة؛ في الطريق إلى كرمانشاه” شعر السائق بالنعاس بعد رحلة سفر طويلة بلغت اثنتي عشر ساعة، خرجت مع السائق إلى أحد المراحيض العامة (كما أخبرني) كي نغسل وجوهنا، ونستعيد نشاطنا، مع البدايات الأولى للصباح.
المرحاض العام ليس إلا حمام “خمس نجوم” لدولة تعرضت وقتها لعقوبات أمريكية لأكثر من ثلاثين عامًا!
مساحة شاسعة، دورات مياه (بلدي -أفرنجي) غرف استحمام، أدشاش من أنواع جيدة، أحواض خاصة لكبار السن والمعاقين! أكوامًا من المناشف النظيفة في الناحية البعيدة من الحمام، صابون متاح، كذلك هناك الصابون السائل لمن يريد. لكن عليك بعد الاستحمام والتجفيف أن تضع الفوطة في صندوق حديدي ضخم كي يتم تطهيرها وغسلها بعد ذلك. ولن أكون مبالغًا إذا قلت لك أن أرض الحمام جافة دائمًا ومعقمة، أي أنك تستطيع النوم عليها وأنت مطمئن!
أول جهاز حفر استقبلني في إيران، كان عجيبًا؛ العمل في البترول يحتاج إلى لياقة عالية، ومهارات، واتباع صارم لكل نظم الأمن والسلامة وقدرة على الحركة بشكل طبيعي. لكني كلما دخلت أحد المكاتب على الحفارة، اكتشف أن كبير المهندسين، أو الموظف الذي يؤدي مهامًا مكتبية، مصاب بعاهة جسدية، والمدير المسئول عن جهاز الحفر يستخدم قدمًا صناعية!
اكتشفت بعدها أن هذه الشركة، أسستها الدولة الإيرانية من أجل دعم أسر شهداء ومصابي الحرب “الإيرانية العراقية”. كل ما تستخرجه الشركة من نفط أرباحها تذهب إلى دعم هؤلاء، عرفانًا بالجميل، وتكريمًا لهم!
هذا إلى جانب أن صور الشهداء الذين استشهدوا في تلك الحرب الشرسة كانت توضع في الميادين العامة بأسمائهم، كما أن الدولة الإيرانية، ما زالت تحافظ حتى الآن على الدبابات العراقية التي دمرتها أثناء الحرب، وتم وضعها فوق منصات إسمنتية، تراها على الطريق أثناء السفر، خاصة في مدينة عبدان.
زرت أثناء تواجدي في إيران ضريح سيدتين من نساء آل البيت، كانا على الطريق أثناء السفر الطويل إلى الحفارة أو العودة منها، وليس مستساغًا أن يمر السائق دون أن يصلي في الضريح ويقرأ الفاتحة، ثم يتوسل ويدعو.
الضريح الأول؛ كان للسيدة “بي بي حكيمة خاتون” ابنة الإمام موسى الكاظم الإمام السابع عند الشيعة الاثنى عشرية، وهي أخت الإمام محمد الرضا.
يقال إن السيدة “بي بي” هربت من جور واضطهاد حكام الدولة العباسية، وسكنت في أحد الكهوف ومعها جاريتها وخادمتها “گل گل خاتون”. يقع ضريح السيدة “بي بي حكيمة” في كهف داخل جبل “زرد” في قرية اتخذت اسم السيدة” بي بي حكيمة” اسمًا لها تشرفها وتعظيمًا، هذه القرية هي إحدى قرى مدينة “دوكنبدان” جنوب إيران.
أما الضريح الثاني فهو للسيدة “فاطمة المعصومة” ابنة الإمام “موسى الكاظم” أيضًا ولها مقام عظيم في مدينة “قم” المدينة المقدسة التي يحج إليها الشيعة.
“طهران” العاصمة الإيرانية، مدينة السحر والجمال، خضار حيث تسير، لا تقع عيناك في شوارعها إلا على أشجار أو زهور، مدينة كسائر مدن العالم “لا تعرف السهر” لا تشبه القاهرة جنونها وسهرها الدائم، القاهرة هي المدينة التي لا تعرف النوم أبدًا!
طهران مدينة نظيفة، يبدأ عمال النظافة عملهم بعد الفجر مباشرةً، يجتهدون في رفع القمامة من الطريق، والقمامة هي أوراق أشجار جافة، وزهور بديعة مختلف ألوانها!
أذكر أني في أحد الأيام كان عليَّ قضاء ليلة في أحد فنادق “طهران” بعدها أتوجه في الصباح إلى المطار، عائدًا إلى القاهرة عبر دبي. تناول العشاء في الفندق، ثم خرجت بعدها إلى اللوبي، وهو صالون صغير، ليس كما في فنادق القاهرة “ذات الخمسة نجوم”. تعرفت حينها على بعض العراقيين، أغلبهم -ربما جميعهم- من الشيعة، جاءوا إلى طهران لإجراء عمليات تصحيح إبصار أو إزالة الماء البيضاء أو الزرقاء!
سألتهم: كيف بعد سنوات الحرب، بعد كل هذا العداء والدم، يأتي العراقي ليضع رأسه بين يديَّ طبيب إيراني؟
لم يكن لدى أحدٍ منهم إجابة، ربما قال أصغرهم سنًا: “ليس في العراق أطباء!”.
سألتهم عن “صدام حسين” وأيامه؛ اتفقوا جميعًا في بغضه وصب اللعنات عليه، لكنهم -جميعًا- أقروا بأن صدام كان شريفًا ولم ينهب أموال العراق، وأذل إيران، التي يطلبون العلاج في مشافيها!
يعترف العرب بأن إيران دولة ليست صديقة، وأن نظام الملالي فيها لا يستطيع التخلي عن أطماعه في الخليج أبدًا، وتعلم مصر جيدًا أن النظام الإيراني يحاول التقرب إليها وطلب ودها، لكن هذه العلاقة الحرجة سريعًا ما تنكشف وتظهر على حقيقتها مع أول لحظة من لحظات الغضب.
هناك خطًا فاصلًا وعظيمًا بين النظام الحاكم في إيران وبين هذا الشعب العريق صاحب الحضارة الضاربة في أعماق التاريخ، فهم يعترفون بحب الشعب المصري، وأن التاريخ والحضارة يجمعان بيننا دون عائق، ولكن الكارثة تكمن في رغبات ومطامع الملالي. كذلك فإن في الخليج “العربي” وتحديدًا دولة الإمارات العربية المتحدة مئات الآلاف من الإيرانيين الذين يعملون دون تمييز.
ربما تكون الأيام القادمة حبلى بكثير من التغييرات الإيجابية التي تجعل منطقتنا بعيدة عن فوهة البركان الأزلي، ويعم السلام في هذه المنطقة المهمة من العالم!

 

 

علي حسن

24 مقال
كاتب وقاص وروائي مصري. صدر له: ١ - مجموعة قصصية بعنوان "قطعة صغيرة من الشيكولاتة" صادرة عن "الدار" ٢٠١٦ طبعة…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع