بولص آدم
أيها الشعراء، اكتبوا عن بعضكم بعضًا؛ فعندما تُجرى معكم الحوارات، نعرف أنكم تعرفون الكثير تنظيرًا: تتحدثون طويلًا عن الشعر، وعن المشهد، وعن ضرورة أن يُقرأ الكاتب في سياقه وأن تُلتفت التجارب الجديدة. لكن ما ينقص ثقافتنا ليس مزيدًا من الكلام عن أهمية النقد، بل مزيدًا من النقد نفسه. فلماذا لا تخرج بعض هذه المعرفة من أفواهكم إلى صفحات تضعون فيها تجارب زملائكم تحت الضوء؟ اكتبوا عن شاعر يكتب إلى جواركم، أو روائي لم يأخذ نصيبه من القراءة، أو ناقد شاب يحاول أن يجد موطئ قدم. عوّضوا بعض هذا النقص النقدي؛ فالمساحة التي تُمنح لكم للكلام يمكن أن تصبح، حين تكتبون عن غيركم، مساحةً لاكتشافهم أيضًا. وليس من العدل أن نظل ننتظر شهادة الموت كي نبدأ في منح بعضنا بعضًا شهادة القراءة.
حين يكون الكاتب حيًا، يكتب وينشر وينتظر قارئًا، وقد يمضي سنوات وهو يطرق أبواب الصحف والمجلات والملتقيات دون أن يجد من يتوقف طويلًا عند تجربته. وحين يغيب، تتسع المساحة فجأة؛ تُفتح الملفات، وتُستعاد الكتب، وتُقام الندوات، وتكثر الشهادات، ويكتشف الجميع أن الرجل الذي كان يمشي بينهم بالأمس كان، على ما يبدو، أهم مما ظنوا. كأن الغياب يمنح الصوت قيمة إضافية، وكأن الذاكرة لا تبدأ عملها إلا بعد أن ينتهي صاحبها من الكلام. وليست المشكلة في أن يُقرأ الكاتب بعد رحيله؛ فالكتب لا تموت بموت أصحابها، ومن حق الراحل أن يُعاد اكتشافه وأن يُنصف إذا ظُلم في حياته، وإنما المشكلة حين تصبح الوفاة موعدًا مؤجلًا للاهتمام، وحين يُمنح الغائب من الوقت والإنصات ما حُرم منه الحاضر.
ما يحتاجه الكاتب وهو حي ليس احتفاءً مجانيًا ولا مجاملة ثقافية، بل قارئًا جادًا وناقدًا صريحًا. يحتاج إلى من يقرأ نصه كما هو، لا كما سيبدو بعد أن تحيط به هالة الغياب؛ من يقول للشاعر إن قصيدته أخطأت طريقها، وللروائي إن بناءه تعثر، وللكاتب إن فكرته ما زالت تحتاج إلى عمل. فالنقد الذي يصل إلى صاحبه في حياته يمكن أن يتحول إلى كتابة جديدة، وقد تنقذ ملاحظة واحدة دقيقة كتابًا كاملًا من عثرة كان يمكن تفاديها. أما المديح الذي يأتي بعد الموت فلا يستطيع أن يغيّر في النص حرفًا. قولوا للشاعر إن قصيدته لم تصل قبل أن تتحول عثرتها إلى «اختيار جمالي»، وللروائي إن بناءه لم يكتمل قبل أن يصبح نقصه جزءًا من «خصوصية التجربة».
وهنا تظهر مسؤولية الذين يملكون مساحة الكلام. فالمقابلات والصفحات والحوارات ليست مجرد مساحة للظهور الشخصي، وإنما فرصة لصناعة حركة ثقافية أوسع. حين تُفتح نافذة للكلام، يمكن أن يدخل منها صوت آخر؛ شاعر يكتب الآن، وروائي لم يأخذ نصيبه من الضوء، وناقد شاب يحاول أن يصنع لنفسه مكانًا، وكتاب صدر بالأمس ولم يجد من يلتفت إليه. المساحة لا تفقد قيمتها حين تتسع، بل تزداد معنى حين تصبح نافذة لا مرآة. والمشهد الثقافي لا يحتاج إلى مزيد من الأسماء التي نعرفها بقدر ما يحتاج إلى شجاعة اكتشاف أسماء لم نعرفها بعد؛ لا إلى إعادة تدوير الضوء حول الوجوه نفسها، بل إلى توسيع دائرته لتشمل تجارب تستحق أن تُرى وتُقرأ.
لكن الكاتب الحي ليس مادة سهلة دائمًا؛ فهو يستطيع أن يعترض، وأن يصحح، وأن يسأل إن كانت القراءة قد أنصفته، بل يستطيع أن يكتب غدًا نصًا جديدًا يثبت أن الحكم السابق عليه كان متعجلًا. أما الراحل فقد أصبح صامتًا، ومن الصمت يمكن بناء صورة أكثر راحة وأقل مقاومة. ومع الغياب تتراجع التفاصيل اليومية، وتخفت الخصومات، وتبتعد التناقضات الصغيرة التي تجعل الكاتب إنسانًا لا أيقونة. يبقى النص، وتبقى الذاكرة، ويبدأ الزمن في تنعيم الحواف؛ ما كان عاديًا يصبح قابلًا للتأويل، وما كان ناقصًا يجد من يكمله بالنيابة عن صاحبه، وما كان موضع خلاف يتحول إلى علامة على «فرادته». وهنا تبدأ صناعة الأسطورة: لا يعود الشاعر صاحب قصائد متفاوتة المستوى، بل يصبح «شاعرًا كبيرًا» في المطلق، ولا يعود الروائي صاحب أعمال تتفاوت قيمتها، بل يتحول إلى «قامة روائية».
ليس في ذلك إنصاف للراحل، بل إضعاف لفعل النقد نفسه. فالوفاء للكاتب لا يعني وضع نصه في منطقة محرّمة، كما أن الإنصاف لا يعني التقديس. من حق الراحل أن يُقرأ بجدية، وأن تُذكر قيمته كما تُذكر مواطن ضعفه، وأن تبقى أعماله في مواجهة السؤال. فليس كل ميت عبقريًا، كما أن ليس كل حي عابرًا، ولا ينبغي أن يصبح الموت شهادة جودة أدبية أو أن تتحول جنازة الكاتب إلى أول مناسبة جادة للنظر في تجربته.
فما قيمة أن تمنح الكاتب مرآة بعد أن ينتهي من النظر إلى نفسه؟ وما جدوى أن نكتشف عظمة تجربته بعد أن يصبح عاجزًا عن الاستفادة من هذا الاكتشاف؟ وربما لو استطاع الكاتب أن يطلّ على ما سيُكتب عنه بعد رحيله، لقال ساخرًا: «يا سيدي، لا تكتبوا عني!» لا لأنه لا يريد أن يُقرأ، وإنما لأنه كان يريد أن تُقرأ كتابته وهو قادر على سماعها، والرد عليها، والاختلاف معها، وربما تعديل ما يحتاج إلى تعديل. كان يريد قارئًا يأتيه في الوقت الذي لا تزال فيه كلمته قابلة لأن تعود إليه وتدفعه إلى كتابة أخرى.
فالكاتب لا يحتاج إلى أن يموت كي يستحق أن يُقرأ. وربما تكون أفضل شهادة له ليست ما نقوله عنه بعد غيابه، بل ما نمنحه له وهو بيننا: قراءة جادة، ونقدًا صادقًا، ومساحةً تتسع لغيره، وفرصة لأن يكتب كتابًا آخر. ففي حضرة الموتى يغيب الأحياء، لا لأن الراحلين أقل أو أكثر استحقاقًا، وإنما لأن ثقافة اعتادت أن تكتشف قيمة الصوت بعد انقطاعه تنسى أن أجمل ما يمكن أن يحدث للكاتب هو أن يجد من يقرأه حقًا، وهو ما يزال قادرًا على أن يكتب من جديد.









