الأدب في زمن الخوارزمية.. من يصنع الذاكرة الثقافية؟

abd allah al salayma

عبدالله السلايمة

لم يعد رحيل الأديب حدثًا ثقافيًا خالصًا، بل أصبح، في كثير من الأحيان، اختبارًا لحجم حضوره داخل المجال الرقمي. فطريقة تفاعل المؤسسات الإعلامية والمنصات الإلكترونية مع غياب الكُتّاب لم تعد تعكس القيمة الأدبية وحدها، بقدر ما تكشف أيضًا عن طبيعة العصر الذي تُصنع فيه الشهرة والذاكرة والاعتراف الرمزي.

وقد أعاد رحيل الشاعر سيد العديسي طرح سؤال قديم ومتجدد: ما المعايير التي تحكم حضور الأديب في وسائل الإعلام؟ ولماذا تحظى بعض الأسماء باهتمام واسع، فيما تمر أسماء أخرى ذات قيمة أدبية حقيقية بصمت نسبي؟

لا يتعلق الأمر هنا بالمفاضلة بين التجارب الأدبية أو التقليل من شأن أي اسم، بل بمحاولة فهم التحولات التي طرأت على مفهوم الحضور الثقافي نفسه.

ففي الماضي، كانت المؤسسات الإعلامية تمتلك صفحات ثقافية أكثر حيوية، ومحررين يتابعون الحركة الأدبية بوصفها جزءًا من الوعي العام. وكان الاهتمام بالأدب نابعًا من إدراك لدوره المعرفي والرمزي، لا من حجم التفاعل الذي يحققه اسم ما على المنصات الرقمية، ولا من قدرته على النفاذ إلى دوائر التأثير الإعلامي والرقمي.

أما اليوم، فتبدو الثقافة العربية، شأنها شأن مجالات أخرى كثيرة، وقد دخلت عصر الخوارزمية؛ حيث أصبح الانتشار السريع والتداول الإلكتروني عنصرين مؤثرين في تحديد من يظهر في دائرة الضوء ومن يتراجع إلى الهامش. فخوارزميات المنصات لا تقيس القيمة الأدبية أو الأثر الثقافي بقدر ما تقيس معدلات التفاعل والمشاركة والجدل، وهو ما يجعل بعض الأسماء أكثر حضورًا في الفضاء الرقمي، بغض النظر عن وزنها الإبداعي الحقيقي.

ولا تخص هذه التحولات مؤسسة إعلامية بعينها، بل تعكس واقعًا أوسع يعيشه الإعلام العربي عمومًا، وليس الإعلام المصري وحده. فكثيرًا ما يقترب الإعلام من الأدب عندما يتحول الكاتب إلى حالة جدلية لسبب ما، بينما يبقى عدد من الأدباء الذين راكموا تجاربهم بهدوء خارج دوائر الضوء، رغم ما تركوه من أثر حقيقي في الثقافة. ولعل تجربة الأديب السكندري الراحل مصطفى نصر تمثل مثالًا دالًا على هذه المفارقة بين القيمة الأدبية وحجم الحضور الإعلامي.

ومن هنا تبدو القضية أكبر من مجرد خبر نعي أو تغطية عابرة. فوسائل الإعلام لا تنقل المشهد الثقافي فحسب، بل تساهم أيضًا في تشكيل الذاكرة العامة. وحين تحتفي برحيل أديب، فإنها تمنحه مساحة من الاعتراف أمام جمهور واسع، وحين تتجاهل آخر، فإنها تساهم، ولو بصورة غير مباشرة، في إضعاف حضوره داخل الوعي الثقافي العام.

وتتجلى هذه الإشكالية بوضوح في العلاقة بين المراكز الثقافية والأطراف داخل العالم العربي. ففي مصر مثلًا، قدّم الصعيد عبر تاريخه الحديث عشرات الشعراء والروائيين والنقاد، لكنه عانى في أحيان كثيرة من ضعف التمثيل الإعلامي مقارنة بالمركز الثقافي في العاصمة. وهي ظاهرة لا تقتصر على مصر وحدها، بل يمكن ملاحظتها في بلدان عربية عديدة، حيث تظل المسافة بين المركز والهامش عاملًا مؤثرًا في فرص الانتشار والاعتراف.

لذلك يخوض المبدع القادم من الأطراف، وسيناء أحد أبرز أمثلة ذلك، معركتين متوازيتين: معركة الكتابة نفسها، ومعركة الوصول إلى مساحة الظهور.

وإذا كانت الأجيال السابقة تعرف الأدباء عبر الكتب والصحف والندوات، فإن الأجيال الجديدة تتلقى جانبًا كبيرًا من وعيها الثقافي عبر المنصات الرقمية. وهنا تصبح العدالة الثقافية أكثر إشكالية؛ لأن ما لا يظهر إعلاميًا يكاد يختفي من التداول العام، مهما بلغت قيمته الفنية أو الفكرية.

ولم تعد المنافسة داخل المجال الثقافي تدور فقط حول جودة النصوص أو عمق التجارب الإبداعية، بل أصبحت جزءًا مما يُعرف بـ«اقتصاد الانتباه»، حيث تتنافس الأسماء والموضوعات على جذب أكبر قدر ممكن من المشاهدات والتفاعل. وفي ظل هذه المعادلة، يجد الأدب نفسه أحيانًا في موقع غير متكافئ أمام المحتوى الأسرع انتشارًا والأكثر قدرة على إثارة الجدل، حتى وإن كان أقل قيمة من الناحية الثقافية.

ومن هنا يبرز الفرق بين الشهرة والتأثير. فليست كل شهرة دليلًا على الأهمية الثقافية، كما أن غياب الشهرة لا يعني غياب القيمة. وقد عرف تاريخ الأدب أسماء لم تحظَ بانتشار واسع في زمنها، لكنها بقيت أكثر حضورًا في الذاكرة الثقافية من أسماء ملأت المشهد ضجيجًا لفترة قصيرة ثم تراجعت مع تبدل الاهتمامات وتغير موجات الاهتمام العام.

ولا تقع مسؤولية حفظ الذاكرة الثقافية على الإعلام وحده. فالمؤسسات الثقافية والأكاديمية مطالبة هي الأخرى بالقيام بدورها في التوثيق والتعريف بالتجارب الأدبية الجادة، بعيدًا عن منطق الرواج الآني. فكلما تراجع دور هذه المؤسسات، ازدادت قدرة المنصات الرقمية على احتكار صناعة الحضور والغياب داخل المجال الثقافي، وأصبح الاعتراف بالأدباء أكثر ارتباطًا بقواعد الانتشار من ارتباطه بمعايير الإنجاز والإبداع.

المشكلة إذن ليست في اهتمام مؤسسة إعلامية باسم معين، فهذا حقها الطبيعي، بل في غياب معايير ثقافية واضحة تضمن قدرًا من التوازن والإنصاف في الالتفات إلى التجارب الأدبية المختلفة. فالثقافة لا ينبغي أن تُدار بالكامل بمنطق التفاعل اللحظي، وإلا أصبح الضجيج بديلًا عن القيمة، والشهرة بديلًا عن التأثير.

نحن لا نعيش فقط أزمة قراءة، بل أزمة ذاكرة أيضًا؛ ذاكرة تتشكل بسرعة عبر المنصات الرقمية، وتخضع أحيانًا لقوانين الانتشار أكثر مما تخضع لمعايير الإنجاز الثقافي الحقيقي.

وفي ظل هذا الواقع، يصبح السؤال ملحًا: من يملك اليوم سلطة منح الاعتراف الرمزي للأدباء؟ المؤسسات الثقافية؟ الإعلام؟ أم الخوارزميات التي باتت تتحكم، بدرجات متفاوتة، في حركة الضوء والغياب؟

ربما لم يعد رحيل الأديب وحده هو ما يحدد حضوره الأخير في الوعي العام، بل مقدار الصدى الرقمي الذي يرافق ذلك الرحيل. وهنا تكمن واحدة من أكثر مفارقات الثقافة العربية إيلامًا: فبعض الأسماء لا تغيب لأنها أقل قيمة، بل لأنها خسرت معركة الظهور في زمن أصبحت فيه الخوارزمية شريكًا خفيًا في صناعة الذاكرة الثقافية.

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع