د. أشرف الصباغ
قبل فترة نشر الناقد الدكتور خيري دومة، على صفحته الشخصية في “فيسبووك”، قصة “موت موظف” للكاتب الروسي أنطون تشيخوف (1860- 1904). وهي قصة مهمة للغاية كتبها تشيخوف عام 1883، وتمتلك قيمة سردية وفنية وجمالية خاصة، إضافة إلى قيمتها الدلالية والإنسانية، سواء في الشرق أو الغرب، لأنها تحولت من مجرد “قصة قصيرة” إلى “دلالة” يتم استخدامها في الميثولوجيا الشعبية للإشارة إلى “حجم التملق والإحساس بالدونية” لدى البشر. وأعتقد أن الممثل المصري أحمد راتب كان قد قام ببطولة عرض مسرحي باسم “ومن العطس ما قتل” عن هذا النص القصير على مسرح “الطليعة” في أواخر سبعينيات أو أوائل ثمانينيات القرن الماضي. وتم تحويلها أيضًا إلى أشكال إذاعية ومسرحية أخرى مختلفة.
عادة ما يُترجَم اسم القصة بـ “وفاة موظف”. ولكنني أميل شخصيًا إلى تسميتها بـ “موت موظف”، لأن الأصل الروسي يتضمن كلمة “الموت” بشكل واضح وصريح وقاطع من دون أي تخفيفات عن طريق استخدام مرادفات أخرى للموت. وورود كلمة “موت” هنا ليس لم يكن عرضيًا أو اعتباطيًا. بل للدلالة على الموت المعنوي- الروحي قبل الموت الجسدي. وهنا تُستَخدَم كلمة “الموت” بكل قسوتها ومباشرتها ووقعها الحاد على النفس البشرية. وهذا بالضبط مثلما يتلاعب، أو يلعب تشيخوف، بالأسماء. فلقب الموظف هو تشرفياكوف. وتشرفياكوف من كلمة “تشرفياك” أي “الدودة” بكل حقارتها وانسحاقها و”زحفها”.
في الواقع، القصة تبدو بسيطة مثل كل أعمال تشيخوف القصصية، عدا طبعًا الأعمال المعقدة مثل “الراهب الأسود” و”كمان روتشيلد” و”المرأة صاحبة الكلب”، وغيرها من الأعمال التي ارتبطت بأحداث أو تحولات في سياقات لها طابع معين وَسَم النصف الأخير من القرن التاسع عشر. غير أن بساطة أعمال تشيخوف، تخفي وراءها مستويات من التعقيد الثقافي والوجداني، وتشير لنا بضرورة التسلح ببعض الأدوات المتعلقة ليس فقط بالنقد، وإنما بعملية “إعادة القراءة” و”إعمال القرينة الثقافية للقارئ أو الناقد على حد سواء”. والقرينة الثقافية بهذا المعنى، هي توظيف الحصيلة الثقافية وتراكماتها لخدمة عملية “إعادة القراءة”. بل وعدم الاقتصار على قراءة القصة، كعمل أو كنص أدبي يدور حول حدث معين ويتضمن بعض المشاعر والأحاسيس التي تمس الوجدان وتشحذ الذائقة وترفع من مستواها، بل وأيضا قراءة القصة عبر منظور ثقافي- اجتماعي، لا من أجل التوثيق فقط، بل وأيضا من أجل منح العمل الأدبي فضاءات إضافية جامعة وشاملة.
هذا التوجه يقودنا إلى الأفكار والقضايا المركزية التي يتمحور حولها العالم التشيخوفي البسيط والمعقد والمُربك. وقد يضع أيدينا على القضايا والأفكار المركزية التي يدور حولها معظم، إن لم يكن كل الإنتاج القصصي التشيخوفي. وفي الحقيقة، هي ليست كثيرة أو متنوعة أو متعددة. إنها فكرة مركزية يتم طرحها من زوايا مختلفة، وبأوجه متنوعة.
ولعل “الانسحاق والإحساس بالدونية” أحد أوجه الفكرة المركزية للعالم التشيخوفي، ويعتبر أحد فكرتين أو ثلاث تمثل الجوهر المركزي لعالم أنطون تشيخوف، وبالذات في إنتاجه القصصي. أي أن عالم تشيخوف القصصي يتمحور في أساسه على فكرتين أو ثلاث لا أكثر، من ضمنهم التركيز على:
– “الانسحاق والإحساس بالدونية، والانتهازية، والتملق”.
– “الحرية الداخلية للإنسان”.
– “التفاني في الحب والعمل وما يترتب على ذلك، أو على عكس ذلك”.
كل هذا على أرضية أساسية، تمثل العمود الفقري للعالم التشيخوفي ألا وهو مسألة “العبودية”، وأهمية فهم جذورها وما يتجلى عنها من سلوكيات وتصرفات قد لا يكون الشخص نفسه واعٍ لها.
إننا نلاحظ أن هذا العالم التشيخوفي لا يقترب من السياسة بشكل عام، ومن السياسة المباشرة تحديدًا. كما نلاحظ أن تشيخوف لم يقترب من الشعارات الكبرى، سواء كانت دينية أو وطنية. إنه، ببساطة، اختار طريقًا آخر للحوار مع العالم. وقرر أن يقتصر حواره مع “مواطنيه”، مع “شعبه” من خلال هذا الطريق. وهنا يكمن أحد أهم مراكز العالم التشيخوفي.
ومع ذلك، لا يمكننا تجاهل أن روسيا ألغت “القنانة” أو “العبودية الإقطاعية” في مارس 1861، أي بعد ولادة تشيخوف بعام واحد تقريبًا. وكان تطبيق قانون الإلغاء يواجه مقاومة عنيفة ليس من جانب الإقطاعيين، بل ومن جانب العبيد والأقنان أنفسهم، لأسباب كثيرة يعرفها علم النفس والتاريخ الاجتماعي للتحرر من العبودية. وعاش تشيخوف سنوات التكوين الأولى في ظل كل الظروف الاجتماعية والسياسية والقانونية المحيطة بعملية تطبيق هذا القانون. غير أن العملية الإبداعية لدى الكاتب الروسي لم تقع في فخ المباشرة أو “الهتافات”، بل تجاوزت ذلك وتجلت في حالات فنية مختلفة وجمالية ووجدانية ودلالية متنوعة.
هناك كُتَّاب يتم وصف أعمالهم، أو بالأحرى توجهاتهم الأدبية، بالتعالي، أو القسوة، أو إدانة الإنسان وتقريعه وفضحه، مهما كانت القصة شاعرية ووجدانية وتتناول حياة الإنسان البسيط ومشاعره وأحاسيسه. وأنطون تشيخوف من هذا النوع من الكتاب الذين يتميزون بالقسوة الشديدة، وخاصة بحق أبطاله، أو “مواطنيه”. وهو هنا ليس عدوًا للروس، ولا عدوًا للإنسان، ولا يحتقر مواطنيه، بل على العكس: إنه قرر ببساطة أن يقول لهم “أنتم عبيد ومنسحقون وانتهازيون وأوغاد وحياتكم ليست أفضل من حياة المواشي. وأنتم مسؤولون بقدر كبير عن هذه الحياة اللعينة التي تعيشونها”.

















