مدن صريحة

tameran mahmoud

 تاميران محمود

​فاحت رائحة الكلور تغسل الأبواب والسلاليم بعد أن حمل المسعفون جارنا وحيد السيكي من شقته إلى المستشفى بسبب إصابته بالكوفيد 19. وضعت الكمامة على وجهي ولم أعر لكلام أمي انتباهًا، ونزلت من الطابق الخامس حتى الثالث حيث شقة وحيد. أزحت الباب المفتوح ودخلت، كانت ليديا ابنته تجلس أمام الشرفة وحدها تبكي في صمت.

​لم أستطع إلا مواساتها بالكلام المكرر في مثل هذه الحالات؛ كلمات عربية تخالطها الإنجليزية، سجلت لها رقم هاتفي وطلبت منها ألا تتردد في الاتصال في أي وقت.

​كانت المرة الأولى التي تحضر فيها ليديا إلى القاهرة في زيارة مع أبيها، ويبدو أن القاهرة قررت الاحتفاظ بهما بعد انقطاع الطيران وتوقف الرحلات، فبقيا في انتظار الفرج، لكن للقدر كلمته دائمًا؛ ارتفعت درجة حرارة أبيها، فلم تتردد في طلب الإسعاف فورًا لنقله إلى المستشفى، ربما لا تعرف أن الصريين لا يتبعون دومًا هذه الطريقة، لكن ثقافتها الأوروبية حملتها على ذلك بوضوح اتباع النظام.

​عرفنا السيد وحيد من زياراته المتكررة إلى شقة جدته التي يملكها، وتكررت زياراته وحيدًا إلا هذه المرة جاء بابنته اليونانية لأول مرة في حياتها لترى القاهرة خالية!

​غاب وحيد عن البيت أسبوعًا، ترددت فيه على ليديا مرات قليلة؛ كلمات بسيطة وردود مترددة أمام باب شقتها ثم أصعد إلى شقتي فأخلع الكمامة وألقيها فورًا. وسط هوس أرقام المصابين بالمرض وتكدس المستشفيات تعيش أمي في رعب مقيم.

​تصدح أنغام البيانو كل ليلة من شقة وحيد. أعرف أن ليديا حزينة من مقطوعات شوبان الليلية التي تعزفها، أغمض عينيّ وأتخيلها وحيدة وباكية فينقبض قلبي. أعدت كوبًا من مشروب الشوكولاتة الساخنة وأخذت أشربه في محاولة للاسترخاء أمام مسلسل لوسيفر المعروض على قنوات نتفليكس، أحاول قتل الوقت فلم يُعد البيت جاذبًا قط، وحنين يتملكك للعودة إلى الحياة، لكن العالم الآن يحكمه الخوف والوحدة.

​في العاشرة مساءً اتصلت ليديا لتخبرني أن وحيدًا قد مات وأنها تبحث عن مقبرة! ربما لم تتوقع ليديا كل ما حدث لها في تلك الليلة، لكن دُفن وحيد بشكل محترم وسريع في الكفن الأسود المغلق نفسه، ولم نرَ وجهه أو نودعه، واكتفت ليديا بالبكاء الصامت أمام شاهد قبره المتواضع!

​اعتصر قلبي الحزن إنها وحيدة في بلد لا تعرفها وسط عالم من الركود والصمت الإجباري، حتى حزنها لا تجد مَن يشاركها إياه، اقتربت منها ووضعت يدي على كتفها أربت عليه فارتمت بين ذراعيّ تبكي بحرقة، فبكيت في تأثر حقيقي غير مهتمة بكل تحذيرات التباعد.

​لم أستطع أن أتركها وحيدة، فبت في الغرفة المجاورة لها؛ غرفة واسعة تطلُّ على النيل، تكومت في أحد أركانها مجلات موضة قديمة وبعض الكتب ودفاتر يوميات كلها خضراء الغلاف وتحمل اسم وحيد السيكي.

​دفعني الفضول لفتح واحدة منها لأرى ذلك العجوز الغائب بوجه جديد، ففتحت أجندة تحمل تاريخ سنة 1990 ليكتب فيها عن زيارته الأولى لمصر بعد هجرته وأسرته إلى اليونان في الستينيات.

​«حين عدت إلى عالمي اكتشفت أنه لم يُعد موجودًا، التحولات الصغيرة غير المرئية سرعان ما تشكلت واتحدت وتلاحمت، لتصير سدًّا منيعًا ما بين عالمي، وعالمهم المسكون بالصمت الغامض، والركود المقيت.

لم تكُن هناك مقدمات حقيقية لانتشار ثقافة أناقة الاخت البيرونية، لكنها انتشرت في كل شوارع المدينة، ولم تعُد الفساتين القصيرة أو التاييرات المشجرة مقبولة حتى اختفت. يمكنك مراقبة الطالبة الجامعيات اللاتي تحولن من لوحة متعددة الألوان أثناء خروجهن من الجامعة، وتسابقهن فوق كوبري الجامعة حتى مسجد صلاح الدين إلى اللون الأبيض أو الأسود وقليل من البني، معتمدات على التحشم الذي أصبح سائدًا.

​كان المنيل محافظًا قليلًا على سمته الغالب بالهدوء والأناقة الراقية حتى مطلع التسعينيات؛ يمكنك أن ترى المتجهات نحو محل التوحيد والنور لشراء خمار الرأس وملابس العيد المحتشمة، ومحاولاتهن إقناع أمهاتهن بنبذ الماضي الجاهل، والاحتشام طمعًا في الجنة».

​أعجبني ما كتبه فاتجهت إلى باب الغرفة وأغلقته جيدًا بعد أن تأكدت من نوم ليديا، أو لعلها تسبح في ظلام حزنها، غير أن الفضول دفعني أن أقرأ المزيد، فقلبت الصفحات في حذر لأقرأ «اختفى الشورت لصالح البنطلون أو الملابس الفضفاضة، وزادت أعداد المحجبات حتى في المدارس الابتدائية. لم يُعد للسينما الصيفية وجود بعد أن أغلقوها الورثة، رافعين شعار الفن حرام، وانتهت سهرات السينما المميزة، وكذلك تجمعات نادي النيل لصالح دروس الدين وحفظ القرآن بالتجويد، وصندوق تبرعوا لبناء مسجد، الذي سيطر على كل التجمعات والمناسبات.

​حتى المظاهرات الطلابية اختنقت داخل أسوار الجامعة ولم تُعد ذات تأثير سياسي مهم بعد أن تحولت شعاراتها إلى كلمات فضفاضة في ظاهرها تناصر القضية الفلسطينية، وباطنها انتهازية الجماعات الإسلامية.

​لم يسجل وحيد السيكي في مذكراته قط متى بدأت حكايته، لكنه لم يحبها بالقدر الكافي؛ يذكر كيف كان صوت جدته اليونانية وهي تتحدث مع أمه عن الموضة والرشاقة وتربية الأطفال والأفلام الأجنبية والمسرح العالمي والأوبرا، تتسابقان بالدراجات بمحاذاة النيل، وتشتريان الزهور من المشتل، وفي طريق العودة تشربان القهوة بعد العصر وهما تطرزان الليسيه وتستمعان إلى صوت فريد الأطرش وعبد الوهاب.

​يتذكر الدادة الريفية المكلفة برعايته بفستانها الشتوي الأزرق وحقيبة يدها الصغيرة، وهي تغني له بلكنتها الدافئة، وتصر أن يأكل كل يوم البيضة المسلوقة والفول المهروس المصفى وكوب البليلة باللبن.

​سجل في مذكراته كيف استعدوا للخروج من مصر؛ يتذكر بكاءه لوداع أصحابه وتركه للدراجة التي يحبها، ويصف ميناء الإسكندرية وازدحام الرصيف أمام الباخرة. يكتب بالعربية والإنجليزية والفرنسية واليونانية، لم يجد يدًا تلوح له بالوداع، فاتخذ نسيم البحر صاحبًا حتى وصل إلى أثينا. يصف سنوات عمله الطويلة في البحر وميناء ثيسالونيكي الوديع. ويسجل مشاهداته حول الانفتاح ومخاوفه من هذه المغامرات الاقتصادية غير المحسوبة. صورة شخصية له في البرج الأبيض وجزيرة رودس، وصور أخرى لشوارع المنيل وكنيسة ماري جرجس وقصر محمد علي وساحة الحسين.

​أخذت أتوغل في القراءة لأعرف عاداته في مصر، وتأكدت من عدم استيقاظ ليديا فأخاف أن تعرف بأمري، لكن الفضول كان قويًا والوقت مللًا. جررت أجندة جديدة وقرأت؛ كان يحرص في كل مرات زياراته على فتح شبابيك الشقة ووضع البخور في المدخل وتهويتها وتنظيفها والإقامة فيها لثلاثة أيام، ثم غلقها جيدًا وتأمين الشبابيك والبلكونة والسفر إلى الإسكندرية لزيارة قبر جدته المدفونة في مقابر الجالية اليونانية.

​وهناك يكمل إجازته أمام البحر، وهو الحقيقة الثابتة الوحيدة لديه. لم يُعد المنيل سوى ذكريات طفولة بعيدة باهتة ينقصها الكثير من التفاصيل؛ لذلك يجد نفسه أمام النيل محاصرًا بالذكريات منقوصة البهجة.

​يحفظ ألوان البحر ويهوى أمواجه المزاجية، يذكر رحلته الأولى في بحر إيجة، يقول في دفتره «يومها أشار ديانوس بيده نحو الأفق، وقال له: أربعون يومًا ونرجع مصر إذا أبحرنا. الآن، مرّ أربعون عامًا يا ديانوس!

​كان ديانوس مولودًا في الإسكندرية، وهاجر مثل الجميع بعد الثورة، ولم يُعد إليها بعد ذلك. لا أعرف لماذا أعود، لكني أحب أن أفعل ذلك وكأنه نداء خفي يجرني نحو الشرق». كتبها وحيد بالإنجليزية على جانب الصفحة يصف شعر ديانوس البني ولهجته الإسكندرانية المميزة حين يثمل، ومزاحه مع أم وحيد كلما طبخت لهم كفتة الأرز، وبكاءه يوم موت عبد الناصر، متذكرًا أنه رآه في صغره في المنشية يحتفل بعيد النصر».

​«لم تزر زوجتي اليونانية مصر قط، ولم أفكر في سبب لذلك، ربما لأني صرت هنا غريبًا سجين زمن مضى كأزمنة متعددة محفوظة داخل المتاحف».

​كانت هذه الملحوظة آخر ما سجلته يد وحيد في هذه الأجندة؛ حروفها مهزوزة، ربما فكر كثيرًا أن يشطبها أو يقطعها، لكنه تراجع شاعرًا أنه لا مشكلة من ورائها. لم يُعد الزمان نفسه ولم تُعد الكلمات تهز الأنظمة كما رأى في طفولته.

​استمر يدوّن مشاهداته عن كل زيارة ويحتفظ بالأجندات مكومة فوق بعضها، يكتب عن اليونان بمرح، ويسجل عن القاهرة بحذر، ويدور في شوارع وأزقة الإسكندرية مستمتعًا بإحساسه بأن اليونان قريبة من هنا. يمكنني أن أراه بعين الخيال يجلس في مقهى قريبة من البحر يدخن النارجيلة ويستمع إلى الحوارات الدائرة من حوله، معظم الجالسين من الشباب الذين لا يبدو عليهم الإحباط واللامبالاة، لا يتحدثون في السياسة ولا يكفون عن الضحك. شعر بالألفة فأصبح هذا المقهى ملاذ لياليه، مستمتعًا بالدفء المصري الذي يحبه، متجاوزًا خوقه من الغربة، وهو المغامر الذي لا يترك فرصة إلا واستمتع بها حتى النهاية.

​التقط أجندة تحمل تاريخ عام 2000 كتب في بدايتها بخط مزخرف «عشتُ لأرى الألفية الجديدة». كانت زيارته هذه المرة تبدو مختلفة لم يشكُ فيها من الوحدة أو القلق، كتب أن شارع المنيل يضج بالرأسمالية الحديثة، ومحلات الأكل السريعة، التي تبدو مقرفة مقارنة بالأكل المصري الذي يعرفه جيدًا، متعجبًا من أن اليونان استطاعت الحفاظ على جمال الأكل ودفء مطابخها، بينما تخلت عنه القاهرة بسرعة تحت ضغط سنوات العولمة الأولى.

​قلبت الأوراق متخطية بعض الأجزاء المملة، استوقفتني صور له في الأزهر ومسجد السلطان حسن والقلعة، ثم انتقل إلى الإسكندرية كالمعتاد في كل أجندة، وكانت هذه الزيارة تختلف حيث كتب بحروف عربية واضحة:

​«في طريق عودتي إلى فندق سيسيل رأيت سيدة في منتصف العمر تقف وحدها بجانب باب إحدى العمارات، يبدو من هيئتها أنها في انتظار سيارة تنقلها لمكان تقضي فيه ليلتها. تمهلت في خطواتي أمام كشك خشبي واشتريت بعض الحلوى وسجائر حتى الصباح وولاعة، وكذلك زجاجة ليمون وقفت أشربها، وأشعلت سيجارة، ونظرت بشرود نحو البحر.

​اقتربت مني السيدة وطلبت سيجارة، فمنحتها واحدة وقطعة لبان بالنعناع، قبلتهم دون تردد وسط نظرات صاحب الكشك المفهومة. أشعلت سيجارتها، ولم تتحرك. وقفت تدخنها بالقرب مني وأنا شارد نحو البحر الغارق في الظلام، ولم تحاول أن تتحدث ولم أكن مهتمًا، فتحركت خطوتين نحو حافة الرصيف تنتظر في صبر. ترتدي جوارب قديمة وحذاء رخيصًا، يبدو على جسدها أثر الغذاء السيئ مع انتفاخ واضح في بطنها حاولت مداراته بالكورسيه. لا أدري لماذا شعرت فجأة نحوها بالاهتمام.

​اقتربت منها في ثقة وسألتها إذا كان لديها مكان للمبيت، فهزت رأسها بـ «نعم». فعدت أسألها هل معك بطاقة شخصية، فرفعت حاجبها في ثقة وأجابتني نعم.

​جذبتها من يدها وتحركت نحو الفندق القريب، وحجزت لها غرفة حتى الصباح بوجبة الإفطار، ودفت الحساب مقدمًا. انكمشت وراء كتفي من النظرات المستهجنة التي جلدت جسدها المباح، حتى موظف الاستقبال كان يعرفها جيدًا، فمال على أذني يسألني: هل أنت متأكد؟ وأن سمعة الفندق لا تسمح. اتسعت ابتسامتي وأكدت له في لهجة قاطعة لن أغامر بأي شيء، ولن أخسر سوى ثمن الغرفة.

​تركتها تصعد إلى غرفتها وجلست في البهو أتصفح المجلات الأجنبية الموجودة ثم صعدت إلى غرفتي، وقبل أن أذهب في نوم عميق سمعت طرقًا خفيفًا على الباب لأجد موظف الاستقبال أمامي، يقف متحرجًا ويعتذر في أدب ويطلب مني أن أتبعه إلى غرفة السيدة لتهدئتها.

​سجل وحيد في مذكراته ما رآه حين ذهبا إلى غرفة السيدة، التي أسماها سيدة الرصيف؛ كانت غرفة واسعة مذهبة الأركان، عالية السقف، تحمل اسم سياسي شهير. «كان صوت بكائها مرتفعًا حتى إنه أقلق النزلاء، فاتصلوا بموظف الاستقبال الذي جاءني متحرجًا، فصعدت معه إلى غرفتها، وكنت قد طلبت لها الطعام للعشاء وزجاجة نبيذ، ويبدو أن التوتر جعلها تنفجر في البكاء. كانت تجلس فوق السرير باكية منتحبة، والأكل أمامها لم تمسه، وبينما نحن نقف أمامها عاجزين عن فهم سبب لهذا البكاء، اتجهتُ إلى زجاجة النبيذ وفتحتُها وصببتُ كَأسين؛ تجرعتُ الأول، وطلبتُ منها أن تنهض للعشاء فقامت وبدأت تأكل في أدب ولم تمس الكأس الآخر. نظرت إلى الموظف الواقف في ركن الغرفة وطلبتُ منه أن يفتح لها التليفزيون، ففعل. بدأت تُقبل على الطعام بشهية أكبر، وقد تعلقت عيناها بالشاشة الكبيرة الملونة.

​نهضت قائلًا بحزم «أنتِ سيدة طيبة.. ليلتك سعيدة». ابتسمت للمرة الأولى منذ رأيتها وشكرتني في أدب شديد، وخرجتُ بصحبة الموظف، ووقفنا ننتظر المصعد، وما إن دخلنا حتى سألني: الموضوع مربك جدًا، لماذا جئت بها إلى هنا؟

​فأجبته بصدق «كل إنسان يستحق الفرصة، دعها تعش ليلة سعيدة».

في الصباح أخبرني الموظف أن السيدة تناولت إفطارها وغادرت الفندق مبكرًا وحدها، ولم تطلب تاكسي، لكنها ركبت سيارة بيضاء مرت من أمام الفندق.

​فابتسمتُ وهززت رأسي شاكرًا، وجلست أشرب القهوة في هدوء، شاعرًا بالرضا من أجلها.

​انتهت القصة العجيبة. أغلقت الأجندة لأرى ضوء الفجر يتسلل من النافذة كما تسللت إلى مذكرات جاري الراحل، فأعدتُ ترتيب الدفاتر كما كانت، وألقيتُ برأسي على الوسادة لا أفكر سوى في هذا الرجل الذي رحل دون أن نعرفه، لكنه عرفنا بما يكفي.

……………….

*قصة من المجموعة الصادرة عن بيت الحكمة 2026

كاتبة مصرية. صدر لها: نداهة المنيل

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع