جاد صلاح قرقوط
قرر أبي الزواج في يوم قائظ. “الأفضل أن أتزوّج”، قال. جواب على سؤال لم يسأله لنفسه. دوافع أبي للزواج مختلفة عن سائر الرجال. ليس الدافع الغريزي كان سببا في قراره ذاك. دافعه الأكبر كان الضجر! فـ “سبع الرجال” – شحاذة العلي – أصبح ضجرا. فقد ميراث أبيه فجأة، كما ورثه صدفة، فمن أورثه لقب سبع الرجال، تركه وحيدا. ولسوء حظّه، أصابه مصاب من المسّ لمِا أحسّه من التباس في مدارك عقله، فانتهى المطاف به واحدا من المجانين، يقتفي أثر بعَر الشياه، ينشد الأشعار، ويتصعلك مع الرّعيان. كل هذا بعدما كان لقب الرجل: سبع الرجال. بات رجلا واقعيّا لا تخدعه هواجس الحياة ولا أوهامها.
الإنسان في بلدتنا، إذا أراد أن يتّسم بسمة الرجولة والفروسية، لا بدّ له أن يدع التفكير لغيره ويلجأ للزواج متى ما سنحت له ظروف الحياة الجلفة الفاترة. وذات صباح رطب نديّ – صباح شمسه احتضنت حفيف الأثير الفاتر بالأوراق الصفراء، وقبل أن تلفح حاشية البلدة لكأنّما تغسل الأزقّة، كربّة منزل متواضعة رقيقة – “لا ضير في الزواج”، قال. لا سيما أنه فلّاح على حال من اليسر، فقد حظّه الله بقسط لا يستهان به من الملك، فالمال والبنون زينة الحياة الدنيا، كما يردد الناس…
كيف لرجل أن يعيش بدون أنس. النساء أنس كامل، وربما دواء للضّجر.
بيد أنّه، أقصد أبي، كان شابا طريّا، ما عرف أبدا من النسوة سوى أنهنّ حسناوات لطيفات. ولم يكن ليرى هذا بأم عينه، وإنما جاءته أخبارهن بفضل فضول اللسان، “فضيلة الكلام”، وما تيسّر من مشافهات الناس. فكلّما حضرت الخالة سعاد لزيارة جدّتي، يرد اسم سناء على لسانها: “هل تعلمين أنّ سناء – “، فتقاطعها الجدّة مستفسرة توّاقة: “من تكون سناء هذه؟!”، فتستطرد الأخرى: “سناء ذات الوجنتين المكتنزتين! تزوجت رجلا ميسورا مغتربا. تخيلي!”
جدتي تدعى في الحي ب “أمّ الصّبيان”، فلم تنجب إلا صبيانا كتب لهم البطولة منذ ولادتهم. ولا ريب أن أبي نال منها قدرا كافيا، حتى قيل: “هذا هو الفتى الذي أقدم، بكل فخر، على الزواج من ابنة الشيخ الموقّر!”. مع أنه كان طفلا ممتلئا كثير الشغب “ليّن القوام”.
مذ ولد، أخذت جدّتي تدوّن انطباعاتها في ذاكرتها، كأنها تحصي عليه الزّمان وتعدّ أيّامه لحظة لحظة. كانت الحياة حياة اللسان والذاكرة. “سبحان الله! تبارك الرحمن!”، هتفت يوما أمّ الصبيان، “طفلي يحب والدته أكثر من أبيه!”، ولا عجب! إذ ما يلبث أن يتمتم الطفل في بلدتنا لفظة “ماما”، حتى تظنّه “رعيته” “سقراط جرّ إلى القضاة رداء”.
كانت أمّي “نهيلة” تملك شيئا كافيا من الذكاء والدّلّ لتكون ربّة منزل. فقد كانت تجيد الكلام المعسول. اصطادت أبي كما أوقعت “شمهات” بـ “جلجامش”، “حيث تمسكنت فتمكنت”. هي ابنة شيخ موقّر في حيّنا.
قيل إنّ والد شحاذة، الملقّب بسبع الرجال، ردّ جيوشا من الاحتلال الفرنسي، لا بالسلاح والعتاد، بل بالتمرّد و”الدهاء”، ونتحفّظ هنا عن ذكر صفات أخرى، لربما تكون بعيدة كل البعد عن شخصه المحترم!
حياتنا حياة آلية تبدأ بمتلازمات لفظية رتيبة، تبسط بساطها على الكون الفسيح – “صباح الخير”، و”صباح النور”، “كيف الحال؟”، “جيّد؟” – لكأنّما الساعات ثابتة صلبة، تزحف رويدا رويدا كالسلاحف.
عندما زحف جنود فرنسيون إلى سفوحنا، ظنّ جدّي أنهم أجدادنا وأسيادنا. مثله مثل كثيرين من الطبقات المسحوقة الذليلة، اصطحب معه زادا من الألبان والأجبان، بضع حبات تين، وقربانا ليكفّر به عن ذنوبه. ولجدّي أخ من أصالة عريقة متجذرة في تراب تلالنا؛ وشاربان مرخيّان ينسدلان كأنهما ساقا نعامة شقية. ذهب وأخيه لملاقاة “ضيوفهم”، يغوران كل غور، يصعدان كل علم، هكذا، وظيفا وظيفا، حتى وصلا إلى سالف تلّ تربّع خلفه الجنود.
راح أسعد يمسّد شاربيه. أما سعيد فتسلق إلى أن وصل إلى القمّة. ويا لدهشته حين حدجه جندي بنظرة احتقار وازدراء: “من أنت يا أحمق؟”، ورنا الآخر إلى الجنديّ، وكأنه يقول: “أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي…”. أما أسعد الذي كان يصغره سنا، وأقلّ شجاعة…تعرفون ما يحدث في مثل هذه الظروف – لقد لاذ بالفرار، كأنه يطارد الريح، وظلّ يرخي شاربيه، يفرك راحتيه، ويتصبب عرقا!
كبرياء سعيد طاول الثريّا – بقي ثابتا صلبا عزيزا أمام وقاحة ذلك الجندي الجلف، كما راح ينذر: “تراجعوا فورا وإلا أطلقنا النيران. لدي جيش ينتظر رشق الرصاص وراء هذا الجلمود!”.
وهنا تأمله الجنود مستهجنين: قد يودي بنا هذا البهلول، إلى اللحد قبل أن نتنعّم بهذه الأوطان. بهذا، انسحب الجنود وتضاءلوا فوق طريق معبّد. منذ ذلك اليوم، أصبح جدي يعرف بـ “حمّال البيرق” سبع الرجال.
ولكن المجد لا يجابه الموت، إذ أطبق عليه صمت طاغ، فوق ذرى الأطواد نفسها التي صنعت له الخلود. كانت بلدتنا تحتفل بجلاء المستعمر، عندما خطفته المنية، وهو يناهز السبعين عاما، و”أنزله” الأبطال عن أكتافهم إلى عتمة اللحد، حيث الزوال والسكون المستريح.
يا ويحهم!
لكن القصص لا تكتمل دون الأحفاد، فزواجهما، أقصد أبي وأمي، كان “هنيئا” لا يخلو من بعض المغامرات النيّرة. نيّرة لأنها جعلت منهما خليلان يدركان معنى الحياة المشتركة. كسائر النساء تطلّعت أمي إلى إنجاب الأطفال، فـ “آه! كم تمنّت أن ترى طفلها يكبر أمام ناظريها، ثمّ يتزوّج، ليعيش حياة طويلة!”.
إلّا أن حياة شحاذة لم تكن كما أرادت لها جدتي أن تكون. إذ حلت به لعنة جعلته ينطوي على مجموعة من المنبوذين ذوي سمعة غير طيبة، جعلته محط سخرية في بلدتنا. وكان يقابل عجوزا مسنّا، يعتمر قبّعة رثّة، ويعلّم الفلسفة! وقد قيل إن شابا تعلّق بهذا الرجل تعلّقا شديدا، حتّى حفظ عنه أقواله، وراح ينشرها كما تعيث الفئران الفساد في مطبخ عربيّ تنبعث منه روائح القرنفل الزّكي والفلفل المنعش. وقد جنّ جنونه وعُثر عليه مضّجعا على صخرة بازلتيّة، يشكو للطّير همّه.
كانت ليلة الزواج الأولى تقليدية. كذلك الثانية والثالثة. وجاء يوم آخر. كان أبي قد عاد من عمله للتّو، ووجد زوجته تتمايل وتميس حسنا ودلالا، وتحدّثه مستأنسة بنغم ناعم سلس. إلّا أن السوداوية كانت قد لفحت روحه وأطبقت عليه، فخاطبها: “طول التعاشر بين الناس مملول”، وخلد إلى فراشه. منذ ذاك صار ينأى عنها أكثر فأكثر. نفسه في سقم من العزلة والتّقوقع. ولم يكن لديه خليل يشاطره الهمّ سوى ذلك الشّيخ الهرم يسرّ له، حتى انشغل في علمه وعمله، لا يأبه بهذا المسرح الشّاسع. قد يكون إنكار الذات والهوس بالعلوم ليس إلا تأجيلا للموت، أو طريقة لصرف النّظر عن الحياة ولقاء الموت في نهاية المطاف.
تتابعت الأيام، فأضحى يقول: إنه لا يحب هذا الهذر، بل يبغضه، ويفضّل البقاء وحيدا في مكتبته التي بدأت تأخذ طابعا ثقافيّا، وأضاف: “أريد أن أبلغ من الأماني ما بلغه جلجامش من هومي بابا!”. صار يهذي، “أريد من زمني ذا أن يبلّغني/ ما ليس يبلغه من نفسه الزّمن”، وتارة يغرق إلى صمت كامل، ينشد الأحزان مع الرّعيان. مضى ربيع وصيف وهو على حاله. لم يحفظ أبي الشعر فقط، بل أصبح يردد أشعاره للطيور المهاجرة، فآدم لم يحسن فهمه. كان قد تجرّأ، مرة، على مخاطبة قومه ليوقظهم من عتمتهم، قائلا: “أفيقوا يا أهلي! نحن المدائن المنصهرة، نحن الضمائر المستترة، خلف أوراق الحدائق، أوراق الوثائق، جرائد التاريخ، وأصوات الصريخ!”. ويا لخيبة أمله، فقد انفجرت الأقوام ضحكا! فاستبدل ذلك بـ “أوليس من الحكمة أن أغرق في سكر، وأموت من شدة الضجر؟! أنا عنق يمامة مزين بالعبير، كبرياء أمير مهزوم كسير، ساعة ميمونة بالرفق، ودهر مكدر عسير”.
أصبح والدي كالطفل الصغير، أو كهامة تطوف في سماء البلدة، أو بومة تبغم في ظلماتها.
أمي المسكينة، نهيلة، لم تعد ابنة الشيخ الموقّر؛ فهي لم تنجب أطفالا سواي، وتضاعف بؤسها إثر كآبة أبي. نهيلة لم “تعرف الأفراح” يوما بعدها – تزوجت من رجل ثري ثراء فاحشا، وأنجبت منه طفلين أصحّاء!
ونختتم هذه التراجيديا المملّة بوفاة أبي مرفوضا منبوذا، وكان قد قيل في رثائه: “هذا الذي لم يعرف صون مجد أبيه الخالد”.
أنا لا أصدّق أنني ولدت في خضمّ هذا الجنون كلّه!










