أحمد عباس التونسي
“لطالما اختلف التاريخ حول العقائد والأفكار، لكنه يكاد يجمع على شيء واحد وهو أن الإنسان لم يتوقف يوماً عن الغناء.”
إذا نظرنا إلى الموسيقى من منظور علمي وتاريخي بحت، سنجد أنفسنا أمام حقيقة لافتة، فالموسيقى ليست مجرد فن أو ترفيه، بل هي نظام معرفي قائم بذاته يرتبط بالرياضيات والفيزياء وعلم الأعصاب وعلم النفس. لقد اعتبر الفيلسوف وعالم الرياضيات فيثاغورس أن النغم الموسيقي ليس مجرد صوت جميل، بل هو تعبير مسموع عن النسب الرياضية التي تحكم الكون، فقد اكتشف أن الأوتار المهتزة تصدر نغمات متناسقة عندما تكون أطوالها بنسب عددية بسيطة مثل 2:1 أو 3:2، وهذه النسب هي نفسها التي تحكم حركة الكواكب والتناغم الكوني. ولهذا السبب، وصفت الموسيقى في الحضارة الإسلامية والعصور الوسطى الأوروبية بأنها أحد فروع الرياضيات الأربعة إلى جانب الحساب والهندسة وعلم الفلك، بل أطلق عليها البعض “الفرع الخامس” أو “علم الموسيقى الرياضي”، إذ يمكن تحليل النغم والمقامات والإيقاعات وفق معادلات رقمية ونسب توافقية قابلة للقياس والتجريب.
على الجانب التطبيقي، تحولت الموسيقى في العقود الأخيرة من مجرد فن إلى أداة علاجية معترف بها علمياً، فقد نشأ تخصص أكاديمي يسمى “العلاج بالموسيقى” وهو برنامج دراسي معتمد في كبرى الجامعات العالمية، ويمارس في المستشفيات ومراكز التأهيل النفسي والعصبي. من الأدلة العلمية على فعالية الموسيقى علاجياً نجد تحسين الوظائف الإدراكية بعد السكتات الدماغية، حيث تساعد الإيقاعات المنتظمة على إعادة تدريب الدماغ على الحركة والكلام، كما تقلل الموسيقى الهادئة من القلق والتوتر قبل العمليات الجراحية إذ أظهرت دراسات أنها تخفض مستوى الكورتيزول هرمون التوتر بنسبة تصل إلى ثلاثين بالمئة. كما تعمل الموسيقى على تحفيز إفراز الإندورفينات المسكنة الطبيعية لتخفيف الألم المزمن، وتساعد مرضى ألزهايمر والخرف عبر تحفيز الذاكرة العاطفية والحركية، وتطور مهارات التواصل لدى الأطفال مرضى التوحد من خلال الأنماط الإيقاعية المتكررة. هذه التطبيقات لا علاقة لها بالغيبيات أو اللاهوت والاحاديث النبوية او الآراء الفقهية، بل تخضع للمنهج العلمي التجريبي من فرضيات وتجارب مضبوطة ونتائج قابلة للتكرار، فالموسيقى هنا ليست عقيدة بل أداة فيزيولوجية وعصبية لخدمة صحة الإنسان.
وقبل ظهور الأديان بصورتها المؤسسية وقبل تدوين النصوص المقدسة وقبل تشكل الفلسفات الكبرى، كان الإنسان البدائي يقرع العظام والأحجار ويستمع إلى أصوات الطبيعة ليخلق منها إيقاعات وأنماطاً غنائية، وقد كشفت الاكتشافات الأثرية عن آلات موسيقية تعود إلى عشرات الآلاف من السنين، مما يجعل الموسيقى واحدة من أقدم أشكال التعبير الإنساني. لا يعني هذا أسبقية الموسيقى على الدين من حيث القيمة، لكنه يكشف أن الحاجة إلى الإيقاع والنغم كانت جزءاً أصيلاً من التجربة الإنسانية، فقد لجأ الإنسان إلى الموسيقى كوسيلة للتعبير عن الخوف والرجاء والدهشة قبل أن يمتلك اللغة الفلسفية أو اللاهوتية. وهنا تبرز مفارقة أخرى وهي إذا كانت الموسيقى قد رافقت الإنسان في رحلته الطويلة، فربما ينبغي أن نتعامل معها كظاهرة إنسانية عميقة تستحق الفهم والتأمل، لا مجرد موضوع للجدل أو الاتهام. لست أسعى هنا إلى إعادة إشعال الجدل العقيم والمعتاد، بل إلى مناقشة الموسيقى من منظور علمي وفلسفي وتاريخي يتجاوز اختزالها في الجانب الغيبي أو الديني، فالموسيقى ليست مجرد أصوات وأنغام بل تعبير عن طبيعة الإنسان نفسه، ما هو الجمال ومن يملك سلطة تعريفه؟ ما يراه شخص تجربة روحية عميقة قد يراه آخر ترفيهاً عابراً، وما يعتبره إنسان ضوضاء قد يجده آخر لغة تتجاوز قدرة الكلمات.
فعبر تاريخ الفلسفة لم يتفق البشر على تعريف نهائي للجمال، ورآه بعض الفلاسفة صفة كامنة في الأشياء ورآه آخرون نتاج علاقة بين الإنسان والعالم، ولهذا يبدو الإصرار على تعريف واحد للجمال يناسب كل البشر أقرب إلى الرغبة في توحيد التجارب الإنسانية المتنوعة منه إلى وصف دقيق للواقع. ما يثير الدهشة حقاً أن الموسيقى حضرت في أكثر لحظات الإنسان قداسة كما حضرت في لحظاته الدنيوية، في المعابد المصرية القديمة والطقوس الإغريقية والترانيم الكنسية والحضرات الصوفية والاحتفالات الشعبية، في مناسبات الفرح والحزن على حد سواء. الأداة واحدة لكن الاستخدامات متعددة ومتنوعة، وهذا يدفعنا إلى التساؤل: هل تحمل الموسيقى معنى أخلاقياً ثابتاً في ذاتها، أم أنها مثل اللغة محايدة في جوهرها وتكتسب معناها من السياق الإنساني الذي توضع فيه؟ منذ العصور القديمة حاول الفلاسفة فهم علاقتها بالنفس البشرية، فرأى أفلاطون فيها قوة تربوية قادرة على تشكيل الشخصية والأخلاق، واعتبر أرسطو أنها وسيلة للتطهير الوجداني تساعد الإنسان على التعامل مع انفعالاته، واتفقوا جميعاً على أن الموسيقى ظاهرة إنسانية عميقة تستحق الدراسة الجادة.
وما دفعني إلى كتابة هذه المقالة في الأساس هو أنني شاهدت مؤخراً حلقة من بودكاست “ظلال” على موقع يوتيوب استضافت الدكتور أحمد بلقيس، وهو باحث في العلوم الشرعية، وكنت أتوقع نقاشاً عميقاً حول الفلسفة والجمال وعلم النفس والعصبيات، لكن مع تقدم الحوار تبين أن القضية لم تكن فهم الموسيقى بل إصدار حكم مسبق ثم البحث عن مبررات لهذا الحكم. لا يمكن إنكار أن الدكتور بلقيس طرح بعض الأفكار الصحيحة مثل كون الفن ليس محايداً تماماً وأن الموسيقى تؤثر في العواطف والسلوك، لكن المشكلة بدأت عندما تحول هذا الوعي بالتأثير إلى تخويف أخلاقي، وكأن الموسيقى تحمل خطراً كامناً فيها وكأن بعض أنماطها تؤدي حتماً إلى الانحلال أو فقدان الهوية. ثم جاءت اللحظة الأكثر إشكالية: الحديث عن “تأنيث الرجال” بسبب موسيقى البوب الكورية، حيث ترك التحليل العلمي مكانه لتحليل أيديولوجي يخلط بين المظهر الخارجي والهوية الجنسية والتأثير الفني، دون تقديم أي دليل تجريبي واحد يثبت أن الاستماع إلى هذا النوع من الموسيقى يغير الهوية الجنسية. هذا ليس علماً، بل هو تطرف أيديولوجي يلبس قناع النقاش الموضوعي.
التاريخ لا يدعم فكرة أن الموسيقى تحمل طبيعة أخلاقية ثابتة، فالألحان نفسها التي استخدمت في الترانيم الكنسية استخدمت أيضاً في الأغاني الجريئة، والمقامات التي يتعبد بها الصوفية قد تستخدم في اللهو والرقص، النغم لم يتغير بل السياق الإنساني هو من يغير المعنى. لذا لا يصح تحميل الموسيقى وزر ما يفعله البشر بها، وإذا كان هناك من يخاف من تأثير بعض الأنماط الموسيقية، فالمعالجة العلمية السليمة تكون بتحليل ذلك التأثير كتأثير الإيقاع السريع على الجهاز العصبي أو تأثير الكلمات على التفكير وليس بإصدار حكم مطلق وشامل بالتحريم. الفلسفة الحقيقية تبدأ حيث ينتهي اليقين المغلق، فهي تقوم على التساؤل والنقد الذاتي والاعتراف بإمكانية الخطأ. أما التيارات التي تطلق أحكاماً مطلقة على ظاهرة إنسانية معقدة دون الرجوع إلى الأدلة العلمية والتاريخية والنفسية، فهذه ليست فلسفة بل أيديولوجيا متشددة أو لاهوت وعظي يخلط بين النص المقدس وتفسير بشري واحد، ثم يفرض هذا التفسير على كل الناس.
في العالم العربي المعاصر، غالباً ما يختزل النقاش حول الموسيقى في سؤال فقهي ضيق هل هي جائزة أم محرمة؟ وهذا الاختزال يفقر النقاش، لأن الموسيقى ظاهرة متعددة الأبعاد نفسية وعصبية واجتماعية وجمالية وتاريخية. عندما يدرس عالم الأعصاب تأثير الموسيقى على الدماغ، أو يبحث عالم النفس في علاقتها بالعواطف، أو يتتبع المؤرخ حضورها في الحضارات، فإنهم ينظرون إليها من زوايا مختلفة، والفهم المتكامل يتطلب الحوار بين هذه الزوايا لا إقصاء أحدها. ومن المهم التمييز بين الفن كتجربة إنسانية أصيلة وبين الصناعة الثقافية الحديثة التي تخضع لمنطق السوق والخوارزميات، فوجود أعمال موسيقية سطحية أو تجارية لا يلغي وجود أعمال أخرى عميقة أثرت في وجدان البشرية، كما أن وجود كتب رديئة لا يدفعنا إلى إدانة الأدب كله. كما ينبغي ألا نفترض أن التجربة الروحية يجب أن تكون واحدة لدى جميع البشر، فبعض الناس يجدون السكينة في الصمت وبعضهم في الصلاة وبعضهم في الشعر أو الموسيقى أو الإنشاد، والروح البشرية متنوعة ومعقدة.
المطلوب بدلاً من التحريم أو التقديس هو بناء وعي نقدي وعلمي تجاه الموسيقى، يقوم على فهم كيفية عملها وتأثير الإيقاعات المختلفة على موجات الدماغ وارتباط النغمات بالجهاز الحوفي المسؤول عن العواطف، والتفريق بين المحتوى والقالب، واحترام التنوع البشري، ورفض الخوف المطلق، لأن المنع الشامل لا يصنع إنساناً واعياً بل يجعله خاضعاً للخوف، وهذا يتناقض مع جوهر التكليف الذي يقوم على الاختيار والمسؤولية.
في النهاية، الموسيقى ليست بديلاً عن الدين ولا نقيضاً له بالضرورة، وليست علاجاً سحرياً ولا سماً قاتلاً، إنها أداة علمية وجمالية يمكن تسخيرها للخير أو الشر، للعلاج أو للترفيه، للتعبد أو للهو، والفارق لا يكمن في النغم بل في الإنسان الذي يختار كيف يستمع وماذا يفعل بما يسمع. لعل السؤال الأجدر بالطرح ليس ما إذا كانت الموسيقى جيدة أم سيئة، فقد حسم التاريخ بقاءها، بل كيف نفهم هذه الظاهرة العريقة فهماً أعمق وأكثر إنصافاً واتزاناً، لأن الجمال أوسع من أن يُحتكر وأغنى من أن يُختزل في تعريف واحد.
وبالنهاية، أجد نفسي أعود مرة أخرى الى السؤال الاهم وهو.. متى أصبح التطرف الأيديولوجي وجهة نظر فلسفية؟
اقرأ أيضاً:









