مجموعات المساجين عبر منصات التواصل الاجتماعي في الجزائر.. ثورة صامتة في سوسيولوجيا السجن

 ـ مقاربة سوسيولوجية ـ

تشكيل

مراد غزال

لم تعد جدران المؤسسات العقابية في الجزائر كافية لفرض العزل المادي و الرمزي على نزلاء الهامش الاجتماعي؛ ففي الوقت الذي تأسست فيه فلسفة السجن تاريخياً على بعد راديكالي صارم قائم على “الانضباط والمراقبة” كما وصفها “ميشيل فوكو حيث يُسلب السجين فضاءه ليُقصى تماماً عن الفضاء العام أحدثت الطفرة الرقمية اختراقاً بنيوياً حوّل مفهوم “الزنزانة” من معنى معزول إلى فضاء تفاعلي داخل شبكة افتراضية عابرة للولايات.وتتبدى هذه الطفرة السوسيولوجية بوضوح في تنامي ظاهرة “مجموعات المساجين” عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتي تُدار بخلفيات اجتماعية معقدة من طرف مديري هذه الفضاءات, إن هذا التحول من المعطى المادي الراديكالي إلى المعطى الرقمي قد نزع عن السجن سمة “العزل الكلي” فلم تعد هذه المجموعات مجرد صفحات عابرة لتبادل صور الاستعطاف، بل تحولت إلى بنى تنظيمية موازية ومنابر إفتراضية تملك أكوداً بصرية وصوتية موحدة مشحونة بأغاني “المظلومية والصلابة “لتحدي الوصمة الإجتماعية ومن هذه المقاربة الجديدة يجب أن نتساءل بعمق عن هذا المعطى الرقمي الجديد الحامل لآليات التضامن والمقاومة ونقلها من طوابير الانتظار الواقعية أمام بوابات السجون إلى فضاءات إفتراضية منظمة جغرافياً عبر ولايات الوطن؟

ما دوافع هذا البناء السوسيورقمي الجديد؟

 إن التحليل السوسيولوجي لظاهرة مجموعات المساجين بوسائل التواصل الإجتماعي عبر الولايات يفرض علينا تفكيك “الدوافع الخلفية” التي تقف وراء تأسيس هذه الفضاءات الرقمية من طرف الأهل أو مديري المجموعات. هذه الدوافع ليست مجرد رغبة بريئة في النشر، بل هي ردة فعل حتمية لضغوطات إجتماعية ونفسية ومادية يعيشها مجتمع الهامش المتمثل في محيط المسجون.فتتجلى أمامنا الدوافع النفسية-الاجتماعية في إدارة ومواراة الصدمة والوصمة، فعائلة السجين هم الضحايا الغير مباشرين للعقوبة، فتشارك في إنشاء أو تحفيز هذه المجموعات بدوافع نفسية كالتخفيف من “الموت الرمزي” وكسر العزلة عن كينونة المسجون الرابضة خلف القضبان فتُنشئ العائلات هذه الصفحات لإبقائه حياً في الذاكرة الجمعية٫ بل يتعدى هذا التواجد الرقمي ( الافتراضي) إلى محاولة التخلص من عقدة الذنب التي يعاني الأهل عندها من تمشكل الوصم الإجتماعي المزعج و بهذا يصبح التواجد الدائم بمجموعة تضم عائلات مساجين أخرى يمنحهم “الملاذ النفسي الآمن”، حيث يسقط الحكم الأخلاقي، ويتقاسم الجميع نفس الوضعية دون خجل أو شعور بالعار وتلعب رموز التعاطف و لو تملقا كتعليقات”ربي يطلق سراحه ” أو “شدة وتزول” التي تتلقاها العائلة عند نشر صورة ابنها كمسكن نفسي يُعين الأمهات على تحمل مرارة الانتظار.كما نجد دوافعا نفعية بالمجموعة كالاستفسار عن مواقيت النقل، الفنادق القريبة من السجن، وسائل النقل المتاحة، والمستندات المطلوبة للزيارة و ووضعية السجون البعيدة عن مقر سكناهم والتي تورط فيها اولادهم و بروتوكولات( القفة, نوع الأكل، اللباس، السجائر) فالمجموعات هنا تؤدي دور “المستشار ” لتبادل الخبرات.وكذا الاستفسار عن المحامين الأكفاء في قضايا أولادهم، وتبادل النصائح حول إجراءات “الإفراج المشروط” أو طلبات العفو، بل يمتد الأمر أحياناً لجمع تبرعات لعائلات مساجين معوزة عاجزة عن تأمين مصاريف التنقل أو القفة. كما تتحرك المجموعات خاصة من طرف الأصدقاء والمشرفين من نفس الوسط بدافع صناعة هوية موازية ترفض السقوط الأخلاقي وتنتج “هوية رقمية جديدة للمسجون ” تنظر إلى الصمود في السجن كعلامة على “الرجولة” و”المعدن الصلب” في محاولة لتحويل السجين من “مذنب يعاقبه القانون” إلى “بطل يتحمل المحنة “مما يحفظ كرامته وهيبته وسط جماعته في الشارع.ناهيك عن تحدي “الشماتة” الذي يغوص عميقا بالمخيال السوسيونفسي الجزائري فالمنشورات غالباً ما تكون موجهة لخصوم السجين و عائلاتهم أو الوشاة في الشارع.

قراءة في جغرافية المجموعات: لماذا لكل ولاية مجموعة؟

تقسيم المجموعات حسب الولايات (عنابة، وهران، الجلفة، ورقلة…) لا يرجع لـ “الجهوية”، بل يخضع لمنطق سوسيولوجي وعملي صارم فالمساجين من ولاية واحدة غالباً ما يتم توجيههم إلى المؤسسات العقابية القريبة جغرافياً فالأهل هنا يتقاسمون نفس المسارات الحياتية، نفس المحاكم، ونفس المعاناة اليومية في النقل والزيارة و يشتركون في لغة رمزية واحدة، وكذا لكل منطقة في الجزائر كود لغوي وخلفية ثقافية وتراثية خاصة بها وكذا حيز قيمي مشترك. فالمجموعات الخاصة بولايات الجنوب تختلف في نبرتها وتراثها الصحراوي عن مجموعات ولايات الوسط أو الغرب ذات الطابع المديني. هذا التمايز يخلق “مساحة آمنة مألوفة” للأهل يجدون فيها أنفسهم.فقد كان لقاء عائلات المساجين وتضامنهم يتم في “طوابير الانتظار” أمام بوابات السجون يوم الزيارة وما فعلته التكنولوجيا هو نقل “طابور الانتظار الواقعي” إلى “فضاء افتراضي دائم” ليتحول من لقاءات عابرة إلى شبكة دعم منظمة ومستمرة على مدار 24 ساعة. مما يدفع ذلك التكتل البشري ( إفتراضيا ) إلى صناعة “رأس مال اجتماعي بديل” كما وصفها السوسيولوجي بييربورديو، يقاوم “الوصمة الاجتماعية” ونبذ المجتمع الرسمي لهم الذي يحاول سرقة رأس مالهم الاجتماعي التقليدي ,هنا تأتي مجموعة الولاية لتعوضهم بـ رأس مال اجتماعي بديل؛ حيث يصبح “مدير المجموعة” وعائلات المساجين الآخرين هم العائلة الجديدة التي تقدم الدعم، النصيحة القانونية، والمعونة النفسية دون إطلاق أحكام مسبقة.ذلك التضامن الواعي الذي تصنعه مجموعات المساجين بكل ولاية يفرخ مفهوم”محكمة الشعب الافتراضية” فإنشاء مجموعة لكل ولاية يخلق مساحة موازية لـ “العدالة الرسمية”. في هذه المجموعات، يعاد تدوير القضايا والاتهامات بنظرة المجتمع الهامشي ويُعاد تعريف السجين هنا ليس بناءً على “محضر الضبطية القضائية”، بل بناءً على “أخلاقه في الشارع والحي” ولد فاميليا، خدّاع، محڤور، راجل فالمجموعة تمنح صكوك الغفران الاجتماعي التي تحمي عائلة السجين من الانهيار النفسي أمام ضغط المجتمع الخارجي بإبقاء الأوصاف التي تليق بمظلوميته و تقوم بحذف كل اوصاف تشينه. بل يتعدى دور مدير الصفحة إلى “عرّاب رقمي” يمتلك سلطة رمزية؛ يقرر من يُنشر صورته ومن يُرفض، و يختار الموسيقى التي ترافق صورة المسجون ويقود حملات التضامن والطلب الجماعي لدعاء الفرج.إذن هو فاعل سوسيولوجي رقمي،بل أهم فاعل في صناعة التطبيع الجديد مع صورة للمسجون.

تفكيك المتن الغنائي لمجموعات السجون : تمثّلات الحرية، المظلومية، والعدالة خلف القضبان.

1_مرحلة الصدام ونزع الشرعية (أغنيةياسيدي الجوج )

يا سيدي الجوج.. لالا ما طبّقتش ميزان العدالة

يا سيدي الجوج.. حكمت عليا وضيعتلي الحالة

يا سيدي الجوج.. لالا ما طبّقتش ميزان العدالة

حكمت عليا بالشرع.. وضيعتلي الحالة

ظلمتوني يا ناس.. وأنا خاطيني

بين أربع حيوط.. خليتوني نعاني

بين أربع حيوط.. والشبكة والحديد

تفكرت ميمتي.. والدمعة في اليد

يا سيدي الجوج.. لالا ما طبّقتش ميزان العدالة

حكمت عليا بالشرع.. وضيعتلي الحالة

الليل عليا طال.. والشموع ذابت

واللي عشقتها.. في أول يوم غابت

خلاتني في المحنة.. وراحت لغيري

يا سيدي الجوج.. شوف واش صرا في صغري

يا سيدي الجوج.. لالا ما طبّقتش ميزان العدالة

حكمت عليا وضيعتلي الحالة

السيلون ضيق.. والغمّة لداخل

واللي ظلمني.. برا راهو يتباخل

يا ربي فرّج.. على كل مسجون

ورجّع كل غريب.. لماليه مغبون

يا سيدي الجوج.. لالا ما طبّقتش ميزان العدالة.

هذه الأغنية بالذات، “يا سيدي الجوج (القاضي) لالا ما طبّقتش ميزان العدالة”، تُمثّل ذروة الصدام السوسيولوجي بين “المجتمع الرسمي”ممثلاً في جهاز العدالة والقضاء و”مجتمع الهامش”ممثلاً في السجين وأهله. إن هذه الأغنية هي “خطاب احتجاجي مباشر” يمسّ شرعية الحكم القضائي نفسه. وعندما ينشرها الأهل أو مشرفو المجموعات كخلفية لصور المساجين، فإنهم ينقلون النقاش من “طلب الاستعطاف” إلى “التشكيك في عدالة العقوبة”.ففي المخيال الشعبي لبيئات الهامش غالباً ما يُنظر إلى القوانين الصارمة على أنها أداة تُطبّق على الضعفاء فقط، بينما يفلت منها أصحاب النفوذ. كخلفية ابستمولوجية لمفهوم “الميزان المختل” فعبارة”ما طبّقتش ميزان العدالة” هي إتهام صريح بأن القاضي لم يزن القضية بميزان دقيق، أو أنه ظلم المتهم بناءً على تقاريرغير منصفة أو بسبب إنتمائه الإجتماعي.فمن خلال وضع هذه الأغنية خلفيةً للصورة، يحاول الأهل إقناع أنفسهم والمجتمع بأن ابنهم ليس “مجرماً”، بل هو ضحية خطأ قضائي أو ضحية نظام قانوني لم يرحم ظروفه مما يساعد العائلة نفسياً على تحمل الوصمة الاجتماعية، فابنهم في نظرهم “مظلوم” وليس”مذنباً”. أما البعد الأخطر هو مواجهة “السلطة” إذ نجد في التراث الجزائري وحتى في أغاني الراي القديمة وغيرها كان القاضي ووكيل الإدارة الاستعمارية ثم الوطنية دائماً موضوعاً للأغاني الاحتجاجية.أما مناداة القاضي بـ “يا سيدي الجوج” تحمل مزيجاً من التهكم والرجاء المكسور. إنها مواجهة رمزية لا يستطيع الأهل أو السجين فعلها في قاعة المحكمة أمام مطرقة القاضي، فيفعلونها في “المحكمة الافتراضية” عبر منصات التواصل حيث يملكون هم سلطة منح النعوت والمقامات.أما الصور المرافقة لهذه الأغنية تحديداً عندما يختار مديرو المجموعات هذه الأغنية، فإن الصور المرفقة غالباً ما تحمل سياقاً بصرياً دقيقاً فترفق غالبا مع صور من “جلسات المحاكمة”،وتركب الأغنية على صور السجين وهو يرتدي بدلة رسمية أو لقطات مأخوذة له أثناء نقله بـ “الفورغون” سيارة نقل المساجين التابعة للشرطة أو الدرك، أو صور أمام مقر المحكمة هذا البناء البصري يصنع مخيالا عميقا بالمظلومية وخصوصا إذا كانت صور لشباب في مقتبل العمر و في سن المراهقة والرسالة البصرية هنا تدعم الكلمات: “كيف لقاضٍ أن يحكم بسنوات طويلة من السجن على شاب ما زال في مقتبل العمر؟ أين هو ميزان العدالة والرحمة؟”

2_مرحلة الإنكسار والأنسنة :أغنية (طريق الزاوية)

_كلمات الأغنية (النسخة التراثية البدوية)

رنّي رنّي يا طريق الزاوية رنّي رنّي والڤلـب مـكوي كية

رنّي رنّي يا طريق الزاوية رنّي رنّي والـمـحنة تـاع الـمـاضي فيّا

يا مـاشي للـمـزار بـلّـغ سلامي لأهل الـمقام والناس الـڤاوية

قولهم الـڤلـب راه بـاكي ومـجروح وعيوني من الدمع ماهيش صاحية

رنّي رنّي يا طريق الزاوية رنّي رنّي والڤلـب مـكوي كية

يا طـيـر الـلي طـاير في السماء العالي حطّ الـجناح وهبّط الـمـنـادي

فـكّرني في الـمـولى والـمـشـايخ الـكبار لـي جـوارهم يـبـرّي الـعـلّة الـخـافـية

رنّي رنّي يا طريق الزاوية رنّي رنّي والـمـحنة تـاع الـمـاضي فيّا.

_كلمات أغنية “طريق الزاوية (نسخة المساجين )

رنّي رنّي يا طريق الزاوية زاوية بعيدة والوحش قتلني..

رنّي رنّي يا طريق الزاوية رنّي رنّي والوحش قتلني..

تكلّمي.. تكلّمي وحلّوا باب الحبس بكات عيوني.. حلّوا باب الحبس بكات عيوني

رنّي رنّي يا طريق الزاوية رنّي رنّي والوحش قتلني..

يا مّا.. يا مّا بقاو عيوني أعطيني نشربها.. أعطيني نشربها

سبع سنين وقدرت نعقبها (نفوّتها) يا مّا يا مّا وقدرت نعقبها..

مشّوني رجليّ ورايا في كبدي صغار يا اللي تروحوا وقولوا صبروا

يا ليلة وروحوا وقولوا الشفاء.. قولوا الشفاء ذاك الشّاب عمره ما خفى..

السيلون (الزنزانة) مسمومها.. قعد بالصورة يوصل كورة فرفورة..

حسبتوني محڤور ورايا وشي كورة؟

قولوا للبلبل يروح روعة.. إيه يردّي الديار.. يردّي الديار

زاوية بعيدة يا ليل والوحش ڤار (ڤتل)

زاوية بعيدة والوحش قتلني..

يا وبابّ الحراش (سجن الحراش) كبر يا صباشة….

الأغنية تبدأ بالعبارة التراثية “طريق الزاوية” لكنها سرعان ما تتحول لوصف مرارة السجن (حلّوا باب الحبس) وألم الفراق عن الأبناء والصغار (ورايا في كبدي صغار) والدعاء بالفرج لكل المساجين (ربي يطلق السراح ويفرّجها)

تحوّل أغنية “رنّي رنّي يا طريق الزاوية” من طابعها الصوفي/البدوي التراثي ,أغنية تراثية صوفيةإلى “أغنية سجون” تعبّر عن واقع الهامش والمساجين، يمثّل ظاهرة سوسيولوجية وثقافية تستحق الدراسة العميقـة.إن إعادة إحياء أغنية “طريق الزاوية” بروح السجون هي دليل على أن التراث الجزائري مرن للغاية، قادر على التكيف ليعبر عن آلام كل جيل، حيث تحول “الأنشود الروحي” إلى “صرخة إحتجاجية حزينة” تلخص واقع فئة تبحث عن الخلاص والحرية.فتحول متن الأغنية من “المقدس” إلى “المُهّمش” ففي السياق القديم( الزاوية ) كانت الأغنية تمثل جغرافيا الراحة الروحية والمقدس و ملاذ الخائف، ومطعم الجائع، ومكان التوبة والسكينة.أما السياق الجديد (السجن/الحبس) تم إسقاط جغرافيا الهامش، العقاب، والعزلة على الأغنية. وتحولت “طريق الزاوية” من طريق يمشيه المريد طواعية للتقرب من الله، إلى طريق يمشيه السجين مجبراً نحو العزلة (سجن الحراش، السيلون) فاستعارة مفهوم”الزاوية” داخل السجن تعكس رغبة السجين في تحويل مكانه المظلم إلى مساحة للتكفيرعن الذنب، وانتظار “المعجزة” أو الفرج الإلهي (إطلاق السراح) تماماً كما ينتظر زائر الزاوية البركة والشفاء. أما إدخال عبارات مثل “يا مّا بقاو عيوني” و”ورايا في كبدي صغار”يعكس بنية الأسرة الجزائرية، حيث تظل “الأم” هي الرابط الروحي الأخير للسجين، ويظل الأبناء هم الوجع الأكبر مع إقحام كلمات مثل”السيلون”، و”محڤور” يعكس اختراق لغة الشارع المعاصر للنص التراثي البدوي، مما يجعله أكثر واقعية وصدمة للمستمع.ودفع هذه الأغاني عبر سياقات تكنولوجية حديثة هو نوع من الإنتاج الموسيقي ذا إيقاعات حزينة جداً لخلق جو من الكآبة الفنية تعكس ضيق الزنزانة.ونشرها بمنصات التيك توك والريلز مرافقا للأغنية ك”خلفية صوتية” لآلاف الفيديوهات حيث تتحول الأغنية إلى “النشيد الرسمي” لهذا العالم البديل ( الزنزانة).وكذا الصور التي تُنشر مع أغنية رني رني طريق الزاوية (نسخة المساجين) ليست عشوائية، بل تحمل كوداً بصرياً موحداً يتكرر في جلّ المنشورات.لإثبات الوجود ونفي “الموت المدني” فنشر السجين لصورته مرفقة بالأغنية هو صرخة كسر للعزلة، ورغبة في القول: “أنا لا أزال حياً، أنا موجود خلف هذه الأسوار”. الأغنية بكلماتها الحزينة “الوحش قتلني”، “حلوا باب الحبس” تعمل كـ “مكبّر صوت” للمشاعر التي يعجز السجين عن إيصالها عبر الزيارة القصيرة.أما التعليقات على صور المساجين المصحوبة بهذه الأغنية تكاد تكون موحدة”ربي يطلق السراح”، “تعدي يا خويا زكارة في العديان”، “خويا الراجل”. هناك إنتاج مكثف لخطاب التضامن الذي يفتقده السجين في المجتمع الرسمي الذي ينبذه.

 3_مرحلة المقاومة و صناعة الكبرياء(أغنية:كلش يكمل واللي راجل راجل )

الأغنية التي تؤديها غالباً طبوع “الراي الشاوي” أو الـ Dark Studio مثل الشاب خليل، الشاب مومو، أوالشاب فيصل الصغير وغيرهم، مأخوذة من الكلمات الشهيرة للشيخ الناني: “كلش يكمل والّي راجل راجل” تُعدّ ركيزة أساسية ثانية في المجموعات الافتراضية للمساجين وأهاليهم. فبينما تركز أغنية “طريق الزاوية” على البعد العاطفي التراجيدي، فإن أغنية “كلش يكمل واللي راجل راجل” تأتي لتغطي بعداً سوسيولوجياً ونفسياً مختلفاً تماماً هو بعد المقاومة، التحدي، وصناعة الهوية الصلبة.فالعبارة الأولى في الأغنية تنطوي على حمولة فلسفية شعبية بالغة الأهمية فعبارة “كلش يكمل” ( كل شيء ينتهي) هي آلية دفاعية نفسية يستخدمها الأهل لطمأنة أنفسهم وبث الأمل في روح ابنهم. السجن في نظرهم ليس نهاية العالم، بل هو “عقوبة مؤقتة” والسنوات مهما طالت ستمر.فالأغنية تعمل كوقود للتهوين من شأن السجن، الأغنية تعيد صياغة الزمن داخل الحبس و التركيز ينتقل من “مرارة اللحظة الحالية” إلى “حتمية الخروج والحرية في المستقبل”.

أما المقطع الثاني (والّي راجل راجل ) فلإعادة إنتاج مفهوم “الرجولة” في مجتمعات الهامش، إذ يُعد “الحبس” الاختبار الأقصى لـ “الرجولة والمعدن الحقيقي”. فإختيار هذه الأغنية لها دلالات سوسيولغوية عميقة، “الراجل” في مخيال هذه المجموعات هو الذي يدخل السجن برأس مرفوع، لا يشتكي، لا يشي بأصدقائه، ويتحمل مسؤوليته. نشر الأهل لصورة ابنهم مع هذا المقطع هو صك براءة أخلاقي وتأكيد على أنه “نجح في اختبار الصلابة” ناهيك عن البعد الذي يسعى لمواجهة “الشماتة” والعديان فخلفية الصورة هنا تكون مشحونة برغبة في تحدي الخصوم أو من تسببوا في سجن ابنهم (العديان)أما الرسالة المبطنة فتبعث للمتلقي أن “لقد سجنتموه، لكن السجن لم يكسر رجولته، بل زاده قوة”. أما صور “الخروج من السجن” تُستخدم هذه الأغنية بكثرة كخلفية لفيديوهات لحظة معانقة السجين للحرية عند باب السجن، حيث يلتقي بأمه وأصدقائه. هنا تكون الأغنية بمثابة إعلان انتصار: “لقد انتهى كل شيء (كلش كمل) وخرج كما دخلراجلاً”.كتحدي بصري لكل السلط الإجتماعية والرسمية.

4_ مرحلة الحصانة الاجتماعية واسترداد القيمة (ما تقولّيش هذا مسجون ما عندو قيمة.. شحال من مسجون غا مظلوم وبلا جريمة)

هذه الأغنية بكلماتها المباشرة والصادمة والتي تبتدأ ب”ما تقولّيش هذا مسجون ما عندو قيمة.. شحال من مسجون غا مظلوم وبلا جريمة”،والتي ربما تكتفي الفيديوهات القصيرة بهذا المقطع أحيانا، تأتي لتضرب في العمق السوسيولوجي لأكبر هواجس السجين وعائلته على الإطلاق، وهو: “فقدان القيمة الاجتماعية والوصمة الأبدية”. إذا قمنا بتركيب هذه الأغنية داخل “البنية التنظيمية” لمجموعات المساجين عبر الولايات، سنجد أنها تؤدي وظيفة سوسيولوجية ونفسية حاسمة، وهي “إعادة هندسة القيمة الاجتماعية” وضخ الكرامة في بيئة تُعاني من “الموت الرمزي”. لمحاربة” الوصمة الاجتماعية” في سوسيولوجيا الانحراف، إذ يتحدث العالم إرفينغ غوفمان عن “الوصمة” باعتبارها علامة تُفسد الهوية الكاملة للإنسان وتحوّله في نظر المجتمع من “مواطن عنصر خطير لا قيمة له”.وكذا محاولة رفض التجريد من الإنسانية عبارة “ما تقولّيش هذا مسجون ما عندو قيمة” هي خط دفاع أول يرفض به الأهل تهميش ابنهم. إنهم يصرخون في وجه المجتمع الرسمي ليقولو “دخول السجن لا يعني فقدان الآدمية أو الكرامة” فيبحثون عن “الشرعية البديلة” من خلال هذه الأغنية التي تحاول كسر ربط (سجين = مجرم عديم القيمة) وتستبدلها بتلازم آخر وهو (سجين = قد يكون ضحية أو مظلوماً)أما الصورة وسياق النشر في مجموعات الولايات فاختيار مديرو المجموعات عبر الولايات هذه الأغنية تحديداً كخلفية لصور المساجين، فإن المنشور يتخذ صبغة دلالية محددة فارفاقه بصور “الهندام النظيف” والملامح الطيبة على عكس أغنية “كلش يكمل” التي ترافقها صور القوة والوشوم، فإن هذه الأغنية غالباً ما تُركب على صور يظهر فيها السجين مبتسماً، بملابس أنيقة ونظيفة، أو صورقديمة له في وسط عائلي محترم. الخلفية البصرية هنا تتعمد نفي صورة “المجرم النمطي لتقول للمشاهد انظروا إليه، إنه شاب محترم وذو قيمة، والسجن لم يلوث نقاءه.فعائلات المسجون يُفضلون هذه الأغنية بكثرة في المجموعات؛ لأنها تعكس حرقة قلب الأم والأهل التي ترى ابنها أفضل الناس بينما يراه المجتمع خارجاً عن القانون.

الميثولوجيا الرمزية المكتملة للهامش ( مقارنة الاغاني الاربعة):

إن مجموعات المساجين عبر الولايات تستخدم هذه الرباعية الموسيقية لـ “عقلنة وتطبيع تجربة السجن” الموسيقى هنا ليست أداة طرب، بل هي “الهندسة الصوتية” التي تحول الفشل الاجتماعي والانحراف من “عقوبة وعار” إلى ” ملحمة إنسانية وكبرياء موازٍ” يعبر فضاءات الديجيتال ليفرض شروطه الأخلاقية على المجتمع.هذه الأغاني الأربعة لا تشتغل فرادى، بل تمثّل “جبهات مواجهة أربع” يتكامل فيها النص البصري مع الصور التي ينشرها االآدمينات عبر مجموعات الولايات لتركيب استراتيجية دفاعية متكاملة ضد المجتمع الرسمي وهدا الشئ لا أعتق أنه اعتباطي بل هو صناعة واعية جدا.وتتمثل هذه الهندسة أو الربط السوسيولوجي بينها عبر أربعة أبعاد متتالية:

  1. مرحلة الصدام ونزع الشرعية (أغنية : يا سيدي الجوج): تبدأ الدورة السوسيولوجية من لحظة المواجهة الأولى مع الدولة ومؤسساتها القضائية.هذه الأغنية هي “عتبة المسار”. عندما يوضع مقطع “ما طبقتش ميزان العدالة” خلفيةً لصورة الشاب، فإن الأهل يمارسون عملية “إنكار للمسؤولية الجنائية. الأغنية هنا تؤسس للمرحلة اللاحقة؛ فبما أن القضاء “ظالم” والميزان “مختل”، فإن السجين يتحول تلقائياً من “منحرف” إلى “ضحية”. هذا التبرير الأولي هو الشحنة الأخلاقية التي تسمح للمجموعة الرقمية بالانتقال إلى الخطوة التالية دون شعور بالعار.
  2. مرحلة الانكسار والأنسنة (أغنية: طريق الزاوية): فبمجرد أن يُقفل باب الزنزانة وتتحول العقوبة إلى واقع مادي، يسقط السجين وأهله في فخ العزلة. هنا يأتي دور أغنية “رني رني يا طريق الزاوية”هذه الأغنية تمثّل “جبهة الوجدان والاعتراف بالمعاناة”. بعد اتهام القاضي بالظلم، ينكفئ الخطاب نحو الداخل “الوحش قتلني”، “ورايا في كبدي صغار”. الربط هنا ذكي جداً أنثروبولوجياً؛ فالأغنية تستعير جغرافيا “الزاوية” (المقدس والتوبة ) لتسقطها على السجن، مما يمنح الأهل وسيلة لـ “أنسنة السجين” وتصويره كابن بار مشتاق لأمه، أو أب مكسور مشتاق لأطفاله، لاستدرار تعاطف “محكمة الشعب الرقمية” ودعائها.
  3. مرحلة المقاومة وصناعة الكبرياء (أغنية: كلش يكمل واللي راجل راجل) بما أن السيناريو الحزين والانكسار “طريق الزاوية” قد يؤدي إلى تحطيم معنويات السجين وظهوره بمظهر “الضعيف” أمام خصومه في الشارع (العديان) كان لابد للمنظومة الغنائية أن تُفرز آلية توازن وقوة. هنا يتدخل مقطع “كلش يكمل والّي راجل راجل” هذه هي “جبهة القوة والردع الرمزي. ينتقل الخطاب هنا من “البكاء” إلى “التحدي” فالاغنية تعيد تعريف الحبس باعتباره “مرحلة مؤقتة ستزول” كلش يكمل,وتستغل هذا الوقت المستقطع لتحويل السجن إلى “مختبر للرجولة”. ا الآدمينات يربطون هذه الأغنية بالصور ذات النبرة الحادة والصدور العارية ليقولوا للشارع “السجن الذي أردتموه كسرًا له، هو المكان الذي صقل معدنه وأثبت رجولته”.
  4. مرحلة الحصانة الاجتماعية واسترداد القيمة (أغنية: ما تقولّيش هذا مسجون ما عندو قيمة)تُختتم الدورة بالهاجس الأكبر الذي يهدد السجين حتى بعد خروجه، وهو “الوصمة الأبدية” وفقدان الكرامة في عيون الناس. تأتي أغنية “شحال من مسجون غا مظلوم وبلا جريمة” هذه الأغنية هي “مرحلة إعادة التأهيل والمطالبة بالاعتراف”. إنها النتيجة الحتمية للأغاني الثلاث السابقة؛ فبما أن القاضي لم يطبق ميزان العدالة بالأغنية 1وبما أن السجين عاش المعاناة وتطهر منها بالأغنية 2وصمد فيها صمود الرجال بالأغنية 3 فإنه يخرج للمجتمع محصناً وذا قيمة بالأغنية 4,الأغنية الرابعة هي “البيان الختامي” للمجموعات الرقمية عبر الولايات لفرض ابنهم على المجتمع كعنصر “شريف ومحترم” رغماً عن أنف السجل العدلي الرسمي.

الإنعكاسات السوسيولوجية:

إن هذه الهندسة الجديدة المدروسة والإعتباطية أحيانا هي بناء سوسيوثقافي جديد للمسجون والسجن ومؤسسة العدالة وهذا البناء (المجموعات + الكود البصري للصور + الأغاني الموجهة) أحدثت “ثورة صامتة” في سوسيولوجيا السجون بالجزائر.فقد نجحت عائلات المساجين في “أنسنة” أبنائها وحماية تماسكها النفسي ضد التهميش، لكنها في المقابل -ومن حيث لا تدري- ساهمت في تطبيع ثقافة الانحراف وجعل السجن “ثقافة فرعية مألوفة” ومحببة لدى فئات من الشباب. و الموسيقى لم تعد هنا مجرد وسيلة تعبير، بل أصبحت الأداة الرمزية التي تحوّل الفشل الاجتماعي والجريمة إلى قصة كبرياء تستحق النشر والمشاركة.فرغم الانعكاسات الإيجابية (منظور التضامن والأنسنة) كتخفيف العبء النفسي على “عائلات الهامش”الذي يعد أكبر انعكاس مباشر في كسر عزلة الأهل (الأمهات والزوجات تحديداً) فهذه الصفحات خففت من “صدمة السجن” وعقدة الذنب والوصمة و تحول الأهل من فئة معزولة تخجل بوضعها، إلى جزء من “جماعة رقمية” تتقاسم نفس الألم؛ مما قلل من حالات الانهيار النفسي والاجتماعي للعائلات.و خلق شبكات تكافل اجتماعي عابرة للولايات و فضاءات لعرض الصور والأغاني كهامش إغاثة وتخفيف حقيقي. فاصبحنا نرى عائلات من ولايات مختلفة تنسق فيما بينها فنجد عائلة من وهران تساعد عائلة من قسنطينة جاءت لزيارة ابنها المحبوس في سجن الغرب، تبادل المعلومات حول(القفة)، أو حتى جمع تبرعات مادية لتأمين مصاريف محامٍ لشاب فقير.

أما الأخطر فهي الانعكاسات السلبية (التطبيع مع الجريمة” وعقلنة الانحراف) فتكرار نشر صور المحبوسين مرفقة بأغانٍ تبرزهم كأبطال تراجيديين أو مظلومين (يا سيدي الجوج ما تقولش مسجون ما عندو قيمة) يساهم في أنسنة وتبرير الفعل الإجرامي. الخطورة هنا تكمن في أن الجيل الصغير (المراهقين المتصفحين لهذه المواقع) يبدأ في رؤية السجن ليس كعقوبة رادعة أو عار، بل كـ “محنة يمر بها الرجال” و”مرحلة بطولية تزيد من هيبة الشخص”.ناهيك عن إضعاف القوة الردعية للمؤسسة العقابية فعندما يتمكن السجين من إيصال محنته من منظور أهله والصفحات للخارج، ويقوم أهله بنشرها متلقياً آلاف التعليقات التي تمجده وتدعو له، فإن السجن يفقد وظيفتُه الردعية. السجين لم يعد معزولاً عن المجتمع؛ بل هو حاضر، متفاعل، ويصنع “البرستيج” وهو خلف القضبان، مما يقلل من دافع التوبة أو مراجعة الذات.ويقودنا إلى صناعة (هويات فرعية عنيفة) وتوطيد الجريمة.فإنشاء مجموعات محلية لكل ولاية يسهل عملية التعارف وبناء شبكات علاقات بين المنحرفين والمساجين السابقين وعائلاتهم. الشخص الذي يخرج من السجن يجد (أرضية رقمية جاهزة) ترحب به وتعيد دمجه في نفس وسط الهامش، بدلاً من دمجه في المجتمع الرسمي؛ مما يرفع من معدلات العود وتكرار الجريمة. وكل هذه العوامل تؤدي إلى إهتزاز الثقة في جهاز العدالة والقضاء وذلك بالتركيز المكثف في المجموعات على أغاني المظلومية (ما طبقتش ميزان العدالة) فيغرس في أذهان شرائح واسعة من الشباب فكرة أن القانون غير عادل بالضرورة، وأن الأحكام القضائية كيدية أو انتقامية. هذا الانعكاس يغذي خطاب الكراهية ضد مؤسسات الدولة ويعمق الفجوة بين الشارع والسلطة الرسمية.

الحل السوسيولوجي والفني

نتيجة هذا الكم اليومي الهائل من المعاني بهذه المجموعات فإن الحل يكمن في “تفكيك الكود الرمزي” للظاهرة وإعادة بناء بدائل تملأ الفراغ و تفكيك بنية التطبيع تلك مع الجريمة إذ يجب أن نمنح الشاب في أحياء الهامش بديلاً يصنع فيه رجولته وقيمته الاجتماعية خارج أسوار السجن والتيك توك” التي تمنحه قيمة اجتماعية بديلة خطيرة.وكذا الدعم اللوجستي للعائلات فالدافع الأساسي الذي يجر العائلات لهذه المجموعات المشبوهة هو الحاجة للمعلومة والمساعدة (القفة، النقل، الاستشارة الإدارية) فمأسسة هذا الدورعبر جمعيات مدنية معتمدة ورسمية (مكاتب دعم عائلات المساجين) بالتنسيق مع وزارة العدل والمجتمع المدني. عندما تجد الأم والعائلة فضاءً مؤسساتياً محترماً يرشدها ويواسيها ويساعدها لوجستياً في زيارة ابنها، ستنتفي حاجتها للجوء إلى “العرّاب الرقمي” ومجموعات الشارع الافتراضية، مما يسحب البساط من تحت هذه المنصات.

أما ثانيا فيجب إعادة هندسة (رأس المال الاجتماعي )للشباب وصناعة البرستيج البديل.

فالشاب في أحياء الهامش يبحث عن الاعتراف والسيادة الرمزية. إذا لم يجدها في الرياضة أو الثقافة، سيصنعها عبر “الوشام والزنزانة”. والحل هو إطلاق برامج وطنية ومحلية على مستوى البلديات والأحياء الشعبية وتحتضن طاقات الشباب في مجالات تمنحهم “الهيبة والتقدير الاجتماعي” بطريقة إيجابية وتدريب الشباب على ريادة الأعمال المصغرة، الرياضات القتالية، الفنون الرقمية، وصناعة المحتوى الهادف. إذ يجب أن يصبح “النجاح، الإنتاج، والسفر” هو الكود الجديد للرجولة والصلابة، بدلاً من “الصمود في السيلون” أما ثالثا. فمكافحة “الوصمة الاجتماعية” لعائلة السجين فالمجتمع الرسمي يطرد العائلة وينبذها، فتجبر على الارتماء في أحضان مجتمع الجريمة البديل وذلك ببعث برامج إعلامية وتوعوية سوسيولوجية تعيد صياغة نظرة المجتمع لعائلة السجين؛ والتأكيد على أن “العقوبة شخصية”، وأن عائلة المحبوس هي ضحية بحاجة إلى مرافقة نفسية وإدماج لا إلى نبذ، لقطع الطريق أمام تشكل “الهويات الفرعية العنيفة”.

أما الحل الفني والجمالي (مقاومة سحر الموسيقى المظلمة )فالفن لا يُقاوم إلا بالفن. ولا يمكننا منع أغنية “طريق الزاوية” أو “يا سيدي الجوج”، لكن يمكننا إفقادها “الاحتكار العاطفي” لقصة السجن، وتحويل الخطاب الفني من “رومانسية التمرد” إلى “واقعية الوعي” وذلك بالانتقال من “رومانسية الجريمة” إلى “الواقعية التراجيدية” لأن الأغاني الحالية تُظهر السجين كبطل صامد أو مظلوم مستكين.فإنتاج أعمال فنية (أغاني راي بديلة، مونودراما مسرحية، أفلام قصيرة ديجيتال، مقاطع سينمائية قصيرة لـ Dark Studio ملتزم) تركز على “الوجه البشع وغير المحكي للسجن” وإظهار الندم الحقيقي، البكاء المعزول، ضياع العمر، حسرة الأبناء خلف الأب المسجون، ومرارة الندم بعد فوات الأوان. عندما يرى الشاب المراهق في “الريلز” السينمائي الوجع الحقيقي والضياع الإنساني للسجين -وليس صورة السبع الصامد- سيسقط القناع الرومانسي عن السجن.ناهيك عن استرداد التراث الروحي وتطهيره

فتحوير أغنية “طريق الزاوية” من الفضاء الصوفي الاستغفاري إلى فضاء الحبس يعكس ذكاء الهامش في السطو على الرموز فيجب إعادة إحياء الطبوع التراثية (البدوي، النايلي، الشاوي، الاستغفارات الروحية والأندلسية) بلمسات عصرية شبابية عالية الجودة، تعيد ربط مفاهيم كـ “الزاوية”، “المقام”، “التوبة”، و”الفرج” بمعانيها الأصلية الخلاص النفسي، العمل، الاستقامة، والعودة إلى الحضن الدافئ للمجتمع، بدلاً من إسقاطها على الزنزانة وكذا فتح ورشات للكتابة الإبداعية والمسرح داخل المؤسسات العقابية (أنسنة الحبس) وتصدير إنتاجات المساجين التائبين للخارج كـ “شهادات حية” ناطقة. إن تمكين سجين سابق من اعتلاء خشبة المسرح ليحكي قصة ضياعه وصدمته، أو كتابة قصة قصيرة واقعية ساخرة تفكك وهم “الرجولة المزيفة خلف القضبان”، يمثل أقوى ترياق فني لتوعية الشباب في الأحياء الشعبية.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع