ما بين الثنائية المانوية والشرّ تبرز الحرِّية

عالمنا، عالم دوستويفسكي.

د. نعيمة عبد الجواد

الطبيعة الإنسانية المعقَّدة مهدًا للتأملات وأطروحات الفلاسفة منذ قديم الأزل، لكن الحرب العالمية الثانية، لما تم اقترافه فيها من شنائع، أصبحت حافزًا لإثارة اهتمام الفلاسفة الأخلاقيون والسَّاسة ورجال القانون لمحاولة فهم طبيعة الشرّ الكامن في النفس البشرية الذي يدفعه لاقتراف مذابح وجرائم إبادة جماعية وهجمات إرهابية وقتل جماعي وتعذيب، واجتياح العالم بنوبات قتل من قبل قتلة متسلسلين مختلين عقليًا. وجميع تلك الشنائع لا يمكن وصفها بأنها مجرد خطيئة أو أفعال سيئة أو حتى شنائع فقط؛ فالعديد من القتلة المتسلسلين ممن ارتكبوا أفظع الجرائم الإنسانية شناعة كانوا مجرد بشر عاديين يمارسون حياة طبيعية، بل كان الكثير منهم شخصيات محبوبة اجتماعيًا ومشهودًا لها بالرقة والنزاهة. ولعل أكبر مثال على ذلك القاتل المتسلسل الأمريكي “تيد باندي” Ted Bundy (1946-1989) المشهود له ليس فقط بالجاذبية والألمعية، بل اللطف ولينة العريكة. ولا يشتثنى من ذلك العديد من الكيانات السياسية أو حتى الاستثمارية، على حدٍّ سواء.

ولهذا برزت أهمية البحث في طبيعة الشرّ، وأهم ركن في ذاك البحث كان كيفية محاسبة مقترف الشرور؛ لأن أفعاله لا تضرّ شخص واحد فقط أو مجموعة عينها؛ فآثار أفعاله قد تمتد لمجتمعات أو حتى أجيال متعاقبة. أضف إلى هذا، فإن البشر يولدون أسوياء، كما هو مفترض، ولذلك فمنذ القدم حضّ أفلوطين Plotinus الأخلاقيون والفلاسفة على البحث عن طبيعة الشر قبل تحليل النفس البشرية، أو كما أكَّد في التاسوعات Enneads بقوله: “أولئك الباحثين عن المدخل الذي يتسرَّب منه الشرّ إلى الكائنات، أو بالأحرى إلى نظام معيَّن من الكائنات، ستكون أفضل بداية لهم فهم ما هو الشرّ على وجه التحديد، أولًا وقبل أي شيء”.

وإحدى النظريات التي تشرح طبيعة الشرّ وتوفِّر حلًّا لإيجاد مفهوم مقبول له “الثنائية المانوية” Manichean Dualism التي تقضي بأن الكون ثمرة معركة مستمرة بين مبدأين أوليين يتساوى كل منهما مع الآخر ويعد كلاهما أبديًا، وهما “الخالق وأمير الظلام”، أو كما ورد في الديانة الطاووية “الين” Yin و”اليانج” Yang، والذي تم تصويرهما باللونين الأسود والأبيض، ويحاول كل جزء منهما أن يطغى على الآخر. ووفقًا لذلك، حصرت المبادئ الدينية والأخلاقية جمعاء الشرّ في “المادة” والخير في “الروحانيات”؛ فعلى سبيل المثال، لو كان الجسد شريرًا والروح طيبة، فيجب أن تتحرر الروح من خلال اتباع تعاليم أخلاقية صارمة لكي تسيطر على الجسد.

وبالرغم من أن هذا المبدأ تتناقله الأجيال المتعاقبة، إلَّا أن النفس البشرية في أفضل حالاتها لا يمكن أن تخلو من قمم وقيعان من الخير والشر، وذلك ما يمييزها عن باقي المخلوقات البشرية، بل ويفتح لها مجالات من التميُّز والإبداع.

وأما الفيلسوف الألماني “إمانويل كانط” Immanuel Kant (1724-1804) فلقد عرَّف الشرّ في كتابه “الدين في حدود العقل وحده” Religion Within the Limits of Reason Alone  من خلال نظرية علمانية بحتة، لا تشير إلى كيانات خارقة أو تتطرَّق إلى كيانات إلهية، وكان أهم ما يميِّزها أنه لم يتم تطويرها كاستجابة لتعريف إشكالية الشرَّ. فلقد سعى “كانط” إلى فهم حقائق عن الطبيعة البشرية التي سمتها التضارب، وأولى تلك الحقائق  التوكيد على أن الإنسان حرّ بشكل جذري؛ وثانيها أن الإنسان بطبيعته ميَّال إلى فعل الخير؛ وثالثهما أن الإنسان بطبيعته ميَّال إلى فعل الشرّ.

وبالرغم تأثير مفاهيم “كانط” على الفلاسفة اللاحقين الذين جعلوا من تحليل الشر محور اهتمام لهم، إلَّا أنه لم يركِّز على أسوأ الأفعال والشخصيات المهترئة أخلاقيًا، بل أنه ساوى بين الشر واقتراف الشرور وعدم امتلاك الفرد الشرير لإرادة جيِّدة تردعه عن فعل الشرّ؛ فمن خلال منظور “كانط”، إذا افتقر الفرد لإرادة أخلاقية جيِّدة تتولَّد لديه إرادة شريرة. ويحدد “كانط” أن الأفراد الضعيفة لا تمتلك إلَّا إرادة ضعيفة، وأنهم في الأساس يحاولون اقتراف أفعال صحيحة من الناحية الأخلاقية، لكنهم أضعف من متابعة خططهم، ولذلك يصير اقتراف الأخطاء والشنائع أسهل، وهذا ما يشعرهم بالتميُّز.

وعلى النقيض، فإن المُنظرِّين المعاصرين منذ ثمانينات القرن الماضي يعتقدون أن الشخصيات الشريرة أو الشخص الشرير هو أصلًا شخصية أو شخص ميَّال لاقتراف الشرور؛ لأن الشرّ هو مفهوم “اشتقاقي”، أي أن وجوده أو اقترافه يرتبط بوجود شخصية أو شخص شرير؛ فهي المفهوم الجذري للشرّ. بمعنى آخر، يعتقد المنظِّرون المعاصرون أن الشرور تنبع من شخصيات شريرة ولا يمكن أن تكون تكتنز بداخلها الخير. ويعرِّفون الشخص الشرير بأنه من يقترف الشرور أو ميَّال لارتكابها. لكن فريقًا آخر من المنظِّرين يذهب لاعتقاد أن اقتراف الشرور يستلزم وجود مكوِّنات وعناصر أساسية. ويتضح أن مفهوم المنظِّرين المعاصرين للشرّ يفتقر للتسامح المتوافر في الفلسفات القديمة.

وبالنظر للأعمال الأدبية، نجد أنها عادةً أكثر تسامحًا وميلًا للثنائية المانوية التي تتماشى والتعريف الديني للخير والشر. والمفارقة، أن الأعمال القديمة أكثر ميلًا للتعامل مع الخير والشرّ بمفهوم نمطي يتشابه إلى حد كبير ومفاهيم المنظرين المعاصرين.

ومن أهم الأدباء ذوي النزعة الفلسفية التأمُّلية الذين تناولوا موضوع الشرّ في أعمالهم، كان الأديب الروسي “فيودور دستوفسكي” Fyodor Dostoevsky (1821-1881)، ومن أشهر أعماله التي تتناول هذا الموضوع رواية “الجريمة والعقاب” Crime and Punishment ورواية “الأخوة كرامازوف” The Brothers Karamazov ، وتصنَّف كلا الروايتان بأنهما من الأعمال العظيمة التي لا يزال يتناولها الباحثون بالدراسة والتأمُّل ويقبل على قراءتها جمهور القرَّاء في كل العصور.

وتناقش رواية “الجريمة والعقاب” قصة طالب فقير يقرر قتل سمسارة رهونات عجوز تكتنز الأموال وتحتال على أصحاب الرهن إلى أن تنتزع ممتلكاتهم دون رحمة. وبالرغم من شخصية الطالب التي تميل إلى فعل الخير لكنه يُقنع نفسه أن اقتراف فعل شرير كهذا هو رحمة له ولآخرين؛ فلسوف يصير بعد قتلها ثريًا، وكذلك سوف يخلِّص أصحاب الرهن من سطوتها عليهم. وأخيرًا، سوف يكفِّر عن جريمة القتل باقتراف أفعال الخير. لكن في نهاية الأمر يقتله الشعور بالذنب والاشمئزاز من نفسه لاقترافه جريمة قتل.

وعلى النقيض، فإن رواية “الأخوة كرامازوف” تبدأ بجريمة قتل مع سبق الإصرار والترصُّد تقترفها شخصية مشهودًا لها بالطيبة والخنوع. وفي نفس الوقت، فإن الحبيبة المخلصة بدافع الغيرة تزجّ بحبيبها داخل السجن، في حين أن العاهرة تصرّ على فعل الخير وتدافع عن الأخ البرئ المتهم بجريمة القتل.

وفي خضم كل هذا، يبرز مفهوم الحرِّية سواء الأخلاقية أو المادية؛ فاقتراف الشرور أو الإصرار على فعل الخير هو السبيل لتحرير الشخصية من القيود الأخلاقية والاجتماعية، حتى ينبلج معدن الإرادة؛ فالقوي فقط تمكِّنه الإرادة من كبح جماح الشرّ بداخله. وبهذا، يتحوَّل اقتراف فعل الشرّ أو البعد عنه بمثابة تجربة هامة لاختبار مدى صلابة الشخصية وقوَّة الإرادة. ومن خلال ذلك، يجد المرء السبيل لحرِّية دائمة، سواء للاستمرار في اقتراف الشرّ أو تفضيل طريق الخير.

 

 

أستاذ الأدب والترجمة بقسم اللغة الإنجليزية – كلية العلوم والآداب ـ جامعة القصيم

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع