مائة عام على المعركة.. حين كسر طه حسين طوق المقدس

taha hussain

عبد السلام فاروق

في مطلع إبريل من عام 1926، لم يصدر في مصر كتاب بالمعنى التقليدي. صدر حدث. صدر سؤال. صدرت معركة لم تهدأ بعد، ولا أظنها ستهدأ ما دام العقل العربي يرفض أن ينام على وسادة من اليقين الجاهز.

كان الكتاب هو “في الشعر الجاهلي”. وكان صاحبه هو طه حسين الذي فقد بصره في الدنيا، فوهبه الله بصيرة لا تعرف الخوف. رجل اختار أن يرى ما لا يراه المبصرون.

وما رآه طه حسين، أو بالأحرى ما كشفه بجرأة لم يسبق لها مثيل في ثقافتنا العربية الحديثة، هو أن التراث الذي نقدسه ليس معصومًا. أن النصوص التي ظللنا لقرون نرددها كأنها وحي منزل، تحمل في طياتها روح البشر، وتخضع لقوانين الزمن، وتصيبها يد الوضع والانتحال.

هذه الفكرة البسيطة في جوهرها، الثورية في أبعادها، كانت كفيلة بأن تقلب الأوساط الثقافية والدينية والسياسية رأسًا على عقب.

لم يكن طه حسين أول من شك في شيء من التراث، لكنه كان أول من رفع الشك إلى مرتبة المنهج. أول من قال بصوت عالي لا تقبلوا النص لمجرد أنه قديم. اسألوه: من قالكم هذا؟ ولماذا قاله؟ وفي أي زمان؟ وتحت أي ظرف؟

هذه الأسئلة كانت، في نظر سدنة الدين وحراس المنظومة الأزهرية آنذاك، ليست مجرد أسئلة أكاديمية، بل طعنًا في المقدس، وهدمًا للثوابت، وخروجًا على الجماعة. ولم يكن أمامهم إلا أن يخرجوا من صمتهم المريع إلى صراخ مدوي.

المحاكمة.. الفكر جريمة

وصلت المسألة إلى المحاكمة. اتهم طه حسين بازدراء الدين، والطعن في نسب الرسول الكريم. هذا الرجل الذي قضى عمره يبحث في أدب العرب، ويخدم لغتهم، ويكتب عنهم بعشق الباحث لا بغض المهاجم، صار أمام القضاء لأنه قال إن الشعر الجاهلي ليس كله جاهليًا.

هنا وقفة لا بد منها ما الذي كان يريده خصوم طه حسين حقًا؟

كانوا يريدون إقامة محاكمة ليس لطه حسين وحده، بل للعقل المستنير في ثقافتنا. كانوا يريدون إرسال رسالة إلى كل مفكر، إلى كل باحث، إلى كل من قد تسول له نفسه أن ينظر إلى التراث بعين الناقد لا عين المؤمن: “احذر. هذا هو المصير.”

لكنهم نسوا أن العقل، حين يتجرأ على التفكير، لا تعيده إلى القفص لا المحاكم ولا الفتاوى ولا التكفير. لقد خرج الفكر من قمقمه يوم أن فتح طه حسين ذلك الكتاب، ولم يعد بإمكان أحد أن يعيده إلى داخله.

الكتاب الذي فتح الآفاق

من المفارقات التي لا تغيب عن عارف، أن الهجوم العنيف الذي تعرض له الكتاب، والضجة التي أثيرت حوله، كانت سببًا في شهرته وانتشاره أكثر مما لو ترك في هدوء المكاتب. لقد حولته المعركة إلى قضية عامة. كل من يريد أن يكون من أهل الثقافة في تلك الفترة، كان عليه أن يقرأ الكتاب أو أن يكون له موقف منه. وهكذا دخلت قضايا المنهج والنقد العلمي إلى البيوت، وإلى المجالس، وإلى الأذهان.

والأهم من ذلك كله، أن طه حسين أرسى دعائم منهج علمي في البحث الأدبي لم يكن معروفًا في جامعاتنا قبل ذلك. منهج يقوم على الشك المنهجي، وجمع الأدلة، والتحليل التاريخي، والاستنتاج العقلاني.

لم يعد النص عند طه حسين شيئًا مقدسًا لا يمس، بل أصبح أداة للبحث، وموضوعًا للتحليل. لم يعد الباحث مجرد ناقل للتراث، بل أصبح ناقدًا له، ومميزًا بين صحيحه وسقيمه، بين ما هو حقيقي وما هو مدسوس.

هذا التحول لم يكن أقل من ثورة في مفهوم البحث العلمي نفسه.

العقل بين سلطتين

إن ما حدث في تلك الفترة لم يكن صراعًا حول الشعر الجاهلي فحسب،  كان صراعًا بين سلطتين سلطة العقل وسلطة التلقين. سلطة البحث وسلطة التسليم. سلطة الحرية وسلطة القطيع.

لطالما اعتدنا في ثقافتنا العربية أن ننظر إلى الماضي بنظرة تقديسية. كأن الماضي هو ذلك الأب الذي لا يخطئ، ذلك الإله الذي لا يسأل. وجاء طه حسين ليذكرنا بأن الماضي ليس معصومًا، وأن تقدير الماضي لا يعني الخضوع له، وأن النقد هو الطريق الوحيد لبناء علاقة صحية مع تراثنا.

وهنا تكمن أهمية ما فعله طه حسين، ليس بالنسبة إلى جيله فقط، بل بالنسبة إلى كل الأجيال التي تلته. لقد فتح الباب أمام تيار كامل من الباحثين الذين جاءوا من بعده، وواصلوا المسيرة، وطبقوا المنهج على نصوص أخرى، ووصلوا إلى نتائج جديدة.

منهم من أخذ المنهج وطوره، ومنهم من جاوزه إلى آفاق أرحب. لكن الجميع مدينون لهذا الرجل الذي شق الطريق في وجه الظلام.

 هل انتهت المعركة؟

واليوم، ونحن نمر بذكرى مرور مائة عام على صدور هذا الكتاب، يحق لنا أن نسأل هل انتهت المعركة؟

للوهلة الأولى، يبدو أن طه حسين قد انتصر. فالمنهج العلمي الذي نادى به أصبح هو المعتمد في جامعاتنا. وأصبح من المسلمات في البحث الأكاديمي أن النصوص القديمة تخضع للنقد والتحليل. وأصبحت قضية الدخيل في الشعر الجاهلي قضية مطروحة في الكتب والرسائل الجامعية دون أن تثير الضجة نفسها.

لكن الحقيقة أن المعركة لم تنته. لقد تغير شكلها، لكن جوهرها باقٍ.

العقلية التي حاربت طه حسين قبل مائة عام، لا تزال موجودة اليوم. لا تزال تظهر بين الحين والآخر، في فتاوى تكفير المفكرين، وفي حملات تشويه الأدباء، وفي محاولات فرض الوصاية على الإبداع والفكر.

تغيرت الأسماء وتغيرت الأدوات، لكن الجوهر واحد الخوف من العقل، والخوف من الحرية، والخوف من أن يتحرر الإنسان من أغلال التلقين ليفكر بنفسه.

ما بعد طه حسين

إذا كان طه حسين قد حررنا من تقديس النص الأدبي، فإن علينا اليوم أن نتحرر من تقديس طه حسين نفسه. فمن أكبر الخدمات التي يمكن أن نقدمها لعميد الأدب العربي، أن نقرأه بعين الناقد لا بعين المريد. أن نأخذ منه منهجه لا نتائجه. أن نستكمل ما بدأه، لا أن نقف عنده.

فنحن اليوم أحوج ما نكون إلى روح طه حسين النقدية أكثر من أي وقت مضى. ثقافتنا العربية تمر بمرحلة من أخطر مراحلها. نحن بين هدمين يريدون طمس التراث كله، وتقديسين يريدون تجميده كما هو. وبين هذا وذاك، يضيع العقل المستنير الذي يمثل البديل الوحيد.

ما نحتاج إليه اليوم هو موقف يجمع بين التقدير والتقديس. تقدير التراث لأنه يمثل هويتنا وتاريخنا، وتحرير النقد من تقديسه لأن تقديس أي شيء بشري هو بداية نهايته.

نحتاج إلى قراءة جديدة لتراثنا، تستفيد من مناهج العصر، وتستلهم روح الانفتاح التي ميزت حضارتنا العربية في أوج ازدهارها. قراءة لا تخشى السؤال، ولا تهاب النقد، ولا تجعل من الماضي سجنًا بل منصة انطلاق.

 نداء إلى العقل

إن مرور مائة عام على كتاب “في الشعر الجاهلي” ليس مجرد مناسبة للتذكير بحدث مضى. إنه دعوة إلى إعادة التفكير في علاقتنا بالتراث، وفي علاقتنا بالعقل، وفي علاقتنا بالحرية.

لقد دفع طه حسين ثمن جرأته. دفعها محاكمة، ودفعها اتهامات، ودفعها حملة شرسة من التكفير والتخوين. لكنه رفض أن يشتري سلامه على حساب عقله. رفض أن يبيع حريته مقابل أن يتركوه في سلام.

هذا هو الدرس الحقيقي الذي تركه لنا طه حسين. ليس الدرس حول الشعر الجاهلي، بل الدرس حول قيمة العقل وحرية الفكر. درس أن التفكير الحر ليس رفاهية، بل هو جوهر الإنسانية. درس أن الخوف من الفكر هو أخطر أنواع الخوف، لأنه خوف يقتل المستقبل في مهدها.

مائة عام مضت. ومائة عام قادمة. ستبقى معركة طه حسين قائمة ما دام هناك من يريدون للعقل أن ينام، أو من يريدون للحرية أن تموت.

لكن العقل لا ينام إلى الأبد. والحرية لا تموت. هذا هو وعد التاريخ، وهذا هو إيمان من يكتبون ويقرؤون ويبحثون عن الحقيقة بعيون مفتوحة على الشمس.

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع