محمود فهمي
على طرف الرصيف، جلس صبيّ صغير، لا يتجاوز الثانية عشرة، وأمامه رُصّت كُرّاسات رسم قديمة، بهتت ألوان أغلفتها وانثنت حوافها، كان ينادي بصوتٍ متهدّج
“كُرّاسات مستعملة.. للبيع”
مررتُ بجانبه في زحام الظهيرة، المارة لا يلتفتون إليه، عبرته مثل الآخرين ثم توقفت، شيء ما في صوته جعلني أعود بضع خطوات إلى الوراء
تساءلت في نفسي: من سيشتري كُرّاسات مستعملة؟
ما الذي يدفع طفلًا أن يعرض أوراقًا قديمة
اقتربت منه، ابتسم بخجل، ومدّ يده بكُرّاسة، تناولتها منه وأخذت أقلب صفحاتها، ففاجأتني رسومات غريبة… لكنها جميلة، كانت ألوان الرسومات زاهية عكس أغلفة الكراسات، أغلقتها ولوحت بها
ـ بكم هذه الكُرّاسة؟
قال بصوت خجول
ـ بعشرة جنيهات
نظرت إليه طويلًا، ثم سألته
ـ لماذا تبيع كُرّاسات مستعملة؟ لِم لا تبيع شيئًا جديدًا؟
تردد للحظة، ثم قال بصوتٍ خافت
ـ هذه الكُرّاسات كانت لأخي. كان يرسم فيها أحلامه… لكنه رحل، قبل أن يتحقق منها شيء، أنا أبيعها حتى أشتري كُرّاسات جديدة، وأرسم فيها أحلامي أنا، كنت أسمع صوت بكائه المكتوم خلف الكلمات
تجمّدت الكلمات في فمي، لم أعرف ماذا أقول له، أعدت إليه الكُرّاسة بلطف، وأخرجت من جيبي ما تيسّر من المال، وضعته في كفّه الصغيرة المرتجفة
قلت له قبل أن أرحل
ـ اشترِ لنفسك كُرّاسة جديدة… ودع أحلامكما تكبر معًا
















