أسامة كمال أبو زيد
ليس سهلًا أن نكتب عن شاعرٍ عاش داخل أغنيته، ولا عن تجربةٍ لم تعرف الفصل بين الحياة والشعر، ولا بين الوطن ونداء الروح. فبعض الشعراء لا يكتبون القصيدة، بل يسكنونها، وحين نفقدهم لا نرث دواوينهم وحدها، بل نرث زمنًا كاملًا كان يمشي على قدمين ويغنّي.
كامل عيد واحد من هؤلاء الذين لم يكن الشعر عندهم فعل كتابة، بل فعل انتماء. لم يتعامل مع القصيدة بوصفها نصًا، بل بوصفها سلوكًا إنسانيًا، وطريقة حياة، وشكلًا من أشكال المقاومة اليومية ضد القهر والنسيان.
تجربته لا يمكن قراءتها خارج جغرافيا بورسعيد، ولا خارج زمن القناة والحرب والتهجير والعودة. هو شاعر تشكّل وعيه بين رائحة البحر ولمعة الماء وصوت السمسمية، فصارت القصيدة عنده امتدادًا طبيعيًا لحركة الجسد والروح، وصار الغناء فعل دفاع عن الوجود، لا مجرد احتفال به.
في هذا المقال، لا نلاحق سيرة شاعر بقدر ما نُنصت إلى صوت مدينة، ونستعيد ذاكرة وطن كتب نفسه بالأغنية كما كتبه بالدم. وحين حلّقت نوارس البحر، مبتلّة بلمعة الماء وصفائه، حول روحه، كان كامل عيد يخطو أولى خطواته الحقيقية نحو القصيدة. بعد تجارب شعرية غير مكتملة، جازف الشاب وقدم قصيدته إلى مسابقة قصر ثقافة بورسعيد عام 1961، وانتظر إعلان النتائج مثل عشرات غيره. طال الانتظار، فغفل عن الأمر، إلى أن قادته المصادفة إلى أحد معارض الكتب على شاطئ المدينة، حيث سأل عن النتيجة، ليُفاجأ بأن حفل توزيع الجوائز أُقيم بالفعل في المسرح الصيفي الشهير آنذاك دون علمه أو حضوره، وأنه حصد المركز الأول وجائزة مالية قدرها ثلاثة جنيهات كاملة، بلغة أرقام الستينيات.
كانت الجائزة مفتاحًا سريًا فتح باب المدينة الثقافي أمام عامل بسيط في إحدى ورش النجارة بحي العرب العريق. لم تكن مجرد اعتراف رسمي بموهبة ناشئة، بل لحظة انكشاف داخلي أدرك فيها كامل عيد أن القصيدة ليست ترفًا عابرًا، بل قدرًا يمكن أن يُعاش. في تلك اللحظة بدأ انتقاله الصامت من الهامش إلى القلب، من العمل اليدوي القاسي إلى العمل الروحي الشاق، من الخشب إلى اللغة، ومن المسامير إلى المعنى.
وكان قصر ثقافة بورسعيد، في موقعه المؤقت أعلى محل «بنزايون» الشهير، أقرب إلى غرفة أسرار تُدار فيها طقوس التكوين الأولى لجيل كامل من المبدعين، حيث لا يفصل بين الشاعر والبحر سوى نافذة، ولا بين القصيدة والوطن سوى نبضة. هناك وجد كامل عيد نفسه وسط أدباء ومثقفي المدينة، على مسافة أمتار قليلة من قناة السويس، قناة السحر والخيال.
في هذا الفضاء، تعرّف «عم كامل» على شاعرين راسخين في الوجدان البورسعيدي: حامد البلاسي، شيخ الشعراء والعطارين، الذي جمع بين نبوغه في الشعر الفصيح والعامي وتفوقه في مهنة العطارة، وظل رائدًا للحركة الأدبية بالمدينة؛ وحلمي الساعي، أحد أهم مجددي شعر العامية المصرية، ومن أوائل من عبروا من قوالب الزجل الضيقة إلى رحابة قصيدة العامية، مجايلاً لفؤاد حداد وصلاح جاهين، قبل أن تضيق به مدينته الصغيرة وتحجب موهبته عن أضواء القاهرة.
تحول العامل البسيط إلى أنجب تلاميذ الشاعر الرائد، لا في الشعر وحده، بل في صحبة الحياة ذاتها. وحين التحق كامل عيد بالعمل في هيئة قناة السويس، لم تنقطع الصلة؛ ظل اللقاء قائمًا مساء كل أحد وأربعاء في الندوات الأدبية المنتظمة. وكلما لمع بيت شعري داخله، هرع به إلى شيخه في محل البضائع الشرقية المطل على لمعة مياه القناة، منتظرًا رأيًا لا يُستبدل.
على يدي الساعي، تعرّف كامل عيد على منابع شعر العامية المصرية، من ابن عروس وبيرم التونسي وبديع خيري ويونس القاضي، وصولًا إلى فؤاد حداد وصلاح جاهين، ثم الأبنودي وسيد حجاب وفؤاد قاعود وأحمد فؤاد نجم، متابعًا كل جديد يخرج من دفء المطابع.
وفي إحدى رحلاتهما المعتادة من قصر الثقافة إلى بيت الساعي المجاور لسينما مصر، بزغت قصيدة «طازة وعال يا أم الخلول». صادفا بائع خلول في الطريق، اقترح الساعي شراء قرطاسين، وحين عاد كامل عيد إلى بيته ظل يردد المطلع لزوجته، ولم يغمض له جفن حتى خرجت القصيدة من أصدافها، من أسرار البحر إلى رحاب الورق:
طازة وعال يا أم الخلول
حلوة وعال يا أم الخلول
من غير سنارة يا نعمة
أنا صايدك من الرملة الناعمة
على رخصك لكن طعمة
آه آه… آه يا حلاوتك
يا حلاوتك جنب الفل طازة
تحولت القصيدة إلى دليل سرّي للوصول إلى روح المدينة، خصوصًا حين قدمتها الفرقة القومية للفنون الشعبية مصحوبة برقصة «أم الخلول»، التي كانت بطاقة التعريف الأولى لمشيرة إسماعيل وعايدة رياض. والمفارقة أن الفرقة، حين أعدت عرضها عام 1972، أسندت كتابة النص المصاحب إلى الداش عبد السلام، دون أن تعلم أن نصًا شعريًا ساحرًا يحمل الاسم نفسه كتبه كامل عيد. ولم تهدأ روحه حتى اقترن اسمه بالقصيدة اقترانًا أبديًا، لتكون «أم الخلول» آخر وأكمل ما قيل وغُنّي عنها في تاريخ السمسمية.
بعد نكسة يونيو 1967، صار الشعر ملاذًا، وصارت السمسمية طريقًا للمقاومة. لم يكن كامل عيد قبل النكسة من كتيبة السمسمية التي انتقلت منذ 1956 من بهجة الشوارع إلى لهيب المعارك، على أيدي شعراء مثل محمد أبو يوسف، والداش الدمرداش، ومحمد المصيلحي، وكان أبو يوسف أغزرهم إنتاجًا وحامل أسرار أوتارها، ويكفيه دور «في بورسعيد الوطنية» أيقونة حرب 1956.
في وعي كامل عيد، لم تكن السمسمية آلة موسيقية، بل كائنًا حيًا، ذاكرة متنقلة، ووسيطًا روحيًا بين الإنسان وأرضه. على أوتارها تتعرّى الروح من الزوائد وتعود إلى حالتها الأولى: صافية، مباشرة، غير متصنعة. وكان يدرك أن الكلمة التي لا تحتمل وزن السمسمية لا تصلح لها، وأن الإيقاع الذي لا يشبه حركة البحر لا يليق بها، فجاءت قصائده مكتوبة بوعي الجسد وبنَفَس الجماعة، لا الفرد المنعزل. في عالم السمسمية لا توجد نجومية، ولا صوت يعلو على صوت الجماعة، ولهذا وجد فيها خلاصه الجمالي والإنساني معًا.
بعد النكسة، حمل كامل عيد شرف لقب «مستبقًى»، وبقي في مدينته شاهدًا على حرب الاستنزاف والتهجير والعودة. أن تكون مستبقًى في تلك السنوات لم يكن قرارًا إداريًا، بل مصيرًا وجوديًا: أن تحرس مدينة فارغة، وأن تغنّي كي لا تموت. لم يبقَ لأنه لم يستطع الرحيل، بل لأنه أدرك أن الوطن كان في حاجة إلى من يشهد، لا إلى من ينجو. ومن هنا تحولت الأغنية إلى وثيقة، والفرقة إلى أرشيف حي، والسمسمية إلى بندقية بلا رصاص، لكنها لا تخطئ الهدف.
في تلك السنوات وُلدت فرق السمسمية المنظمة: ولاد الأرض في السويس، الصامدين في الإسماعيلية، شباب البحر في القاهرة، وشباب النصر في بورسعيد، التي كان كامل عيد مديرًا وشاعرًا وملحنًا وقلبًا نابضًا لها. لم تكن الفرقة كيانًا فنيًا فحسب، بل شكلًا من أشكال التنظيم الشعبي المقاوم، تؤدي دور الإعلام والتحريض والدعم النفسي في آن واحد. وكانت الأغنية تُكتب لتُغنّى فورًا، وتُغنّى لتصل مباشرة إلى الجنود والمواطنين بلا وسائط ولا شعارات زائفة.
وفي حصاد تجربة امتدت لتسعين عامًا (1932 – 2022)، لم نجد عنوانًا يليق بكامل عيد سوى الوطن. وطن عاشه وغنّاه ودافع عنه، وبقي مخلصًا له حتى الرمق الأخير، كما قال:
يا ريح يا رحلة عمر
بوصيك ودا مش أمر
ما تعريش الجراح
ولا تنبش في اللي راح
خليك نسمة بشراعي
لحد المغيب
لم يكن كامل عيد شاعر مرحلة وانتهى، بل شاعر ذاكرة ممتدة، حمل الوطن معه في كل تحولاته، ولم يتخلَّ عنه حين التبس الطريق أو انكسرت البوصلة. ظل وفيًا لفكرته الأولى: أن الشعر لا يُقال من خارج التجربة، وأن الأغنية التي لا تخرج من القلب لا تعيش طويلًا. وحين تقدّم به العمر، لم يتحول إلى شاهد صامت، بل إلى ذاكرة حيّة تنظر إلى الزمن الجديد بقلق لا بخيانة، وتسأل الوطن لا لتتهمه، بل لتطمئن عليه.
















