عبد الهادي المهادي
1 ـ الحمار يُغيّر اسمه !
استيقظ الحمار ذات صباح خريفي وقد امتلأ حزنا وكآبة؛ لم ينم هذه الليلة سوى لحظات قصيرة متقطّعة، طوال الليل وهاجس أسود يكبس على فؤاده؛ كان يفكّر بحرقة قاهرة في اسمه الذي جلب له، ولجميع عائلته، كلّ أنواع الاحتقار والذّلّ والعار.
لأوّل مرّة في حياته تصل إليه أشعة الشمس الأولى وهو ما يزال في فراشه، كان يفكّر في الطريقة التي يمكنه أن يغيّر بها هذا الواقع المُهين الذي طال أمده، وقدّرَ أنه هو وحده من يستطيع أن يواجه هذا التّحدي، كان أحدهم قد حدّثه عن وقائع رواية هنديّة اسمها “النّمر الأبيض” وأعجبه ما فعله الشاب، الّذي دشّن سبيلا جديدا لنسله القادم. ولكنّه ـ كما حدّث نفسه ـ لم يكن يمتلك شجاعة ذلك البطل، ولا قلبه الحديدي، حتى يُغامر تلك المغامرة الخطيرة.
استقرّ رأيه أخيرا، وبعد تقليب النظر من كلّ وجوهه، أن يذهب إلى ملك الغابة ويطلب منه، بكثير من التّذلّل، أن يَختار له اسما آخر، ويُشيع ذلك بين رعاياه، وبذلك يضمن أن لا يتجرّأ أحدٌ من سكان الأحراش أن يناديَه مرّة أخرى بـ”الحمار”.
تعاطف الأسدُ مع “مظلوميته”، حتى بانَ الأسى على محيّاه، وسقطت دمعةٌ يتيمة من إحدى عينيه مُبلّلةً رموشه، ثم قال له: أسمّيك “سمكة”؛ هل يروق لك ذلك؟
حرّك الحمار رأسه فرحا سعيدا، ثم غادر، بعد أن قبّل اليد الكريمة، ثمّ انطلق شامخا برأسه يدندنُ بأغنية جديدة سمع لحنها البارحة.
وفي أوّل منعطف لقيه الذّئب، كانت قد مرّت مدّة طويلة منذ آخر مرّة رآه فيها.
نظر إليه مليّا، وفطن أنّ أمرا ما تغيّر في الحمار، فقال له متهكّما: أراك اليومَ سعيدا جدا أيها الحما”.
انتفض الحمار وصرخ في وجهه بغضب: لم أعُدْ حمارا، لقد غيّر الملك اسمي. صمتَ قليلا، وعدّل من نبرة صوته حتى تبدو مشبعة بالزّهو قبل أن ينطقها شبه مُلحّنة: غدوتُ أُكنّى “سمكة”.
جميل جدا ـ قال له الذّئب ـ قبل أن يسأله بكثير من المكر: هل تعرف السّباحة؟
لا، ردّ سريعا دون أن يفكّر في الفخّ الذي نُصب له.
التفتَ الذّئبُ مولّيا ظهره للحمار، وخطا متثاقلا قبل أن يُطلق عليه سهمه القاتل: مازلتَ حمارا إذن!
**
(2) ثمن الجهل
بعد أن علّق لافتة في مدخل الغابة، ذهب الأسد إلى نهاية الطريق واستلقى ينتظر دون قلق.
بعد قليل وصل الحمار وهو يمشي بطيئا إلى حيث تجمهرت باقي الحيوانات وهم يطّلعون على “إعلان” ملك الغابة الذي يقول: “كل من يتجرأ على دخول غابتي سيجد نفسه أمام خيارين: الافتراس أو الاغتصاب… لا حل ثالث”.
طأطأ الحمار “قبّته” ودخل الأحراش. كان أميا، ولم يكن يستطيع قراءة المكتوب.
مر اليوم بطوله دون أن يظهر الحمار، تأسفت الحيوانات لمصيره المفجع. وما كادت تبدأ في المغادرة قبيل المغرب حتى شاهدوه قادما مرفوع الرأس. وبلهفة أسرعوا إليه وسألوه جميعا: ما الذي فعله بك الأسد؟
أجابهم، بعد أن عدّل من وقفته: لقد أكـلَـني !












