قصائد من ديوان “يبدأُ الحزنُ رحيمًا”

fatema khedr

فاطِما خضر

عَــدَم

أبــدو لَـطـيـفـةً

وهـذا أمـرٌ مُـكـلِـفٌ جــدًّا

اسـتـلزمَ تــفـكيكَ حـيـاتي لمِـئة

علامـةِ تَـعـجُّـبٍ

 

ثـمّ..

إضـافـةَ

علامـةِ اسـتـفـهـام

 

أبـدو نَـحـيـلةً

وهـذا أمـرٌ طبيعيٌّ جــدًا

إذْ يَـرحــلُ جــزءٌ مـنّي

كُـلَّ يـوم

 

مَـرّةً..

نَسيتُ طــريـقَ بَــيتي

فَـذابَـت قَـدماي

 

حَـدَثَ أن

خِـنتُ حَـبيـبي بالرّحيلِ

فَـخَـسـرتُ قَـلبي

 

شُـلَّ عَـقلي يـومَ ضَـاعَ وطـنـي

والبارحة فَـقـدتُ نَــفسي

فَأضعتُ عـيــونـي

 

أنـا الآنَ لا أرى

أيــنَ أنا؟

مَـن أنا؟

 

«سيصـبحُ كـلُّ شـــيءٍ أفـضـلَ»

يقولُ الآخـرونَ لنتجـاوزَ

مـا حـدَثَ

 

وحـدكَ تعـلمُ

كَم ومَاذا تـطـلّـبَ الأمرُ:

 

عَـجْنَ روحك بالألمِ

ثُـمّ طَهـوَها عـلى نَـارِ الوقــت

لتجدَ فعلًا أنَّ لا شـيءَ -هُنا-

أصـبحَ أفضل!

 

مُحـاطةً بالرّفاقِ

أجلـسُ في المَـقهى

أطلبُ كوكتيلَ العدَم

وأتنـاولُ طبقَ الخَواء

 

ضَحكاتٌ مزعومةٌ

عيونٌ مُطفَأةٌ، أفـواهٌ ملجومةٌ

جميعُهم ضـمائرُ غـائــبٍ

هو، هي، هم، هُـنَّ

 

أحـتاجُ ضمـيـرَ مُخاطبةٍ

أُحدّثـه، فـيَسمعُـني

 

هُنا

يُحـيطُ التّيهُ بكلِّ شيءٍ

يُغـلّف العيـونَ

يَـلبسُ الجلودَ

يَغتالُ الأُلفةَ

ويُحـنّطُ

الشّعور

 

أحتاجُ

مـزيـدًا من العُـزلةِ

لأحيا

 

لا يقتل الـعُـزلةَ، سوى الـعُـزلةَ

ولا يُبكي الـموتَ

سـوى الحياة
*****

تــناقـضـات

الكـتابــةُ

أنْ تَشقّـي قـمـيصَـكِ

وتُنكلي بجـرحٍ أُضمِـرَ تحتَهُ

فتتـرُكي نُدبةً

الكـتابـةُ هي

جـريمتي الوحيدة!

 

حـتّى المدنُ تتغـيّـرُ

طـبائعُها!

كانت مدينةً وُسِمَت بالحـبـورِ

وفي الأمسِ كُنّا كعادتِنا نَمشي يدي بيدكَ

لـكن كانت شـوارعُ اللاذقية تصفعُنا

هكذا أصبحت قاسيةً

بفعلِ شتائمنا!

 

صعـدتُ الحافلة

لَم يكنْ هناكَ مُتَسـعٌ للجـلـوس

بعـدَ انـتـظارٍ حـصلتُ على

مِقعـدٍ ذي ظَـهـرٍ مكسورٍ

فأسندتُ ظَهـري

على خَيبتي

هـكذا إذًا..

يحدثُ أنْ تسندَنا خيبةٌ!

 

في صَـدى الظّلامِ أكتـبُ أمنياتي

الأولى: أنْ أغـفرَ لوطني

الثّانية: أنْ أغـفرَ لك

الثّالثة: سأُكملُها

عندما تأتي

الكهـرباء

 

الماءُ الذي نـشـربُهُ

هـو دمـوعُ الفقراءِ والمنكوبين

لذا لستُ قلـقةً أبدًا بـشأن

نَفادِ الماءِ في وطـني

 

كيفَ لكـلِّ هـذه السّـماء

أنْ تُغطي هذه الأرضَ؟

فالسّماءُ واسعةٌ جدًّا

لـكنَّ الأرضَ

ضَـيقةٌ

جـدًّا

 

ربَّما..

عليها أنْ تـكـونَ

أكـثـرَ طمـوحًا وجَديّةً

فتُغـطي أرضـَا أخــرى

أكثرَ رحابةً لأبنائِها!

 

هـكـذا أبدو..

أُنثى هـادئةً

بابتـسامة هادئة

بصـوت ذي طبقة هادئة

حـركاتُ يدي إنْ تحدّثتُ هادئةً

أتناولُ طعامي ببطءٍ وهـدوءٍ

مشيتي ثابـتة وهـادئـةٌ

حتّى أنّي أنامُ بِهـدوءٍ

لكنّي في داخـلي

أصـرخ…
***

يــومٌ آخــرُ جـيـدٌ للاكـتـئاب

في قَـصـائـدي..

لا جـديـدَ عن بلاد نَحر الوقـت

وزرعِ هالاتِ البنفسجِ تحـتَ عـينيك

وتحويلك إلى إسـفـنجة لامتصاص

الخَـراب والحَرب

والعَـتم

 

فـي قَـصائدي..

لا جديدَ عن بلادٍ أغربُ ما فيها:

أبٌ لا يـنتحر أبـناؤه لَـيـلًا

يتفرّعُ من عرق جبينه الموتُ

لكـن يؤجّلُه إلى حـين!

وأمٌّ تُربـّي الأمـلَ

بالدّعاء الحَزين

 

بـلادٌ

لا معجزاتٍ فيها

سوى أنّك تستيقظُ صباحًا لتقول:

يا اللّه إنّه حَقًّـا يومٌ آخـرُ

جَـيـدٌ للاكتـئاب

 

هُنا:

أقـدمُ بلـدٍ مأهـولٍ

بالحداثـة

 

أحـنُّ بـلدٍ متشرّبٍ

بالقَسوة

 

أبـهى بلدٍ موشومٍ

بالـنّدوب

 

هُـنا ســوريــا

الأشـبَه بِـغَـمازةٍ

تشوهٌ خُلُقيٌّ هـي

لَكـنّه حَـقًّـا

جـمـيل

 

فاطما خضر

8 مقال
شاعرة ومترجمة سورية

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع