قراءة في تجربة الشاعرة الفرنسية الأوكسيتانية أوريليا لساك

اللغة والجسد والطبيعة والأسطورة

أوريليا لساك

حميد عقبي

تمثّل الشاعرة الفرنسية الأوكسيتانية أوريليا لساك تجربةً معاصرة تستحق التوقف عندها، لأنها اختارت أن تكتب داخل فضاء لغوي مزدوج، بالفرنسية والأوكسيتانية، من دون أن تجعل هذا الازدواج صراعًا بين لغتين أو ثقافتين. تنتمي إلى جيل أعاد النظر في مكانة الأوكسيتانية،ليس بكونها بقايا لغة إقليمية قديمة، ولكن كلغةً حية قادرة على أن تحمل الشعر الحديث، والجسد، وكذلك الذاكرة، والحلم.

نشأت تجربتها في جنوب فرنسا، في فضاء يحمل تاريخًا أدبيًا عريقًا يمتد إلى شعر التروبادور، لكنها لم تتعامل مع هذا الإرث كشيء من الماضي ينبغي تعليبه وحراسته. لقد فعلت ما هو أهم وأخذت منه إحساس المكان والموسيقى واللغة، ثم ذهبت لتخلق قصيدتها الخاصة. لهذا تظهر في شعرها الطبيعة والبحر والطفولة، وكل هذه العناصر جعلتها تتداخل مع الجسد والرغبة والفقد والذاكرة. فالعالم الخارجي عندها لا يبقى منظرًا وديكورًا للزينه، لكن المتأمل سيلمس الكثير من العوالم  تدخل الجسد ويتحوّل النص إلى تجربة حسية وروحية.

تكتب لساك الأوكسيتانية والفرنسية، وتتنقل بينهما بحرية. وهذا الاختيار مهم لفهم تجربتها؛ فهي لا تستخدم الأوكسيتانية لإعلان تفوق إقليميأو نزعة استقلالية، ولا تجعل الدفاع عنها خصومةً مع الفرنسية، وإنما تمنح لغتها الموروثة حقها الطبيعي في الوجود والإبداع.

في قصائدها نجد كذلك حضورًا للأسطورة والحكايات القديمة، لكنها تعيدهما إلى الحياة من خلال المرأة المعاصرة وأسئلتها ومخاوفها ورغباتها والتحديات التي تواجهها. ونوه أكثر من ناقد أن الشاعرة قد استطاعت أن تجعل الذاكرة المحلية منفتحة على قارئ بعيد لا يعرف الأوكسيتان ولا تاريخهم.

لهذا يمكن قراءة أوريليا لساك كشاعرةٍ أوكسيتانية وإنسانية معًا؛ شاعرة لم تتخلي عن خصوصية أرضها كي تصل إلى العالم، والأكثر دهشة أنها تجعل هذه الخصوصية نفسها طريقًا إلى الآخر، وحوّلت اللغة المهددة بالتراجع إلى مساحة حية للخيال والمحبة والتأمل.

قبل نحو عام، قدّمتُ تجربة الشاعرة الأوكسيتانية أوريليا لساك في مداخلة تأملية مصوّرة، ووصلتها المادة، وأخبرتني لاحقًا أنها استعانت بصديقة تفهم العربية، وأنها وجدت في القراءة اقترابًا من جوانب مهمة في تجربتها. لم يتوقف اهتمامي بها عند تلك المداخلة؛ فقد بقيت أتابع قصائدها وحضورها في المهرجانات والقراءات والأنشطة الثقافية، ولهذا تبدو العودة إليها اليوم محاولةً لتطوير الفهم السابق، لا لتكراره.

الطبيعة تنتج المعنى

أول ما يلفتني في شعر لساك أن الطبيعة فهي ليست زينة للمشهد. يشعر القارئ لنصوصها أن الطيور، والعشب، والنهر، والحجارة، والغابة، والثلج، والبحر، كلها تتحرك داخل القصيدة بوصفها عناصر مشاركة في إنتاج المعنى. وهذا ما لاحظه أيضًا التعريف النقدي المنشور في الشعر الدولي، إذ يرى أن الحدود في شعرها تذوب بين عوالم الإنسان والحيوان والنبات.

 الجسدية مفتاح لتذوق القصيدة

في «غناء الطيور في فبراير» مثلًا، لا يكون غناء الطيور إعلانًا عن فصل فحسب، لكنه يستدعي «ذاكرة الجسد»، ثم يقود إلى الندى والتراب والكفين والنهر. الذاكرة هنا لا تعمل في الرأس وحده؛ إنها مخزونة في الجلد واللسان والقدم والتراب.

تتحدث عن غناء العصافير وتجعله تجربة حسية ساحرة، تقول:

وغناؤها يوقظ ذاكرة الجسد:

ذكرياتٌ من ندى

أتذوّقها بطرف لساني

بين طيّات الأعشاب العالية.

ثم تستمر في نصها (غناء الطيور في فبراير)، تتحدث عن التراب العالق في بطن الكفين والذي أصبح جزء من الكينونة، ثم تصور الصباح والريف:

 

في الساعة الأولى من النهار،

حافيةً، أو بالأحذية باكرًا،

لأكتشف الريف

تحت سماءٍ مثقلةٍ بغيومٍ مبهرة.

 

في عمق الحقل:

النهر وسرطاناته الرمادية،

النهرُ، دائمُ البرودة،

لا يتغيّر.

ولفهم جيد لهذه الشاعرة علينا ألا ننسى أن الجسدية مفتاح مهم لقصيدتها. ففي نماذج عديدة لا تفكر الذات من خارج جسدها، وإنما تعرف العالم باللمس والمشي والبرد والحرارة والرائحة. حتى الذاكرة تصبح شيئًا يمكن وغناء الطيور وكل أصوات الطبيعة يمكن تذوقها، كما أن الحب أيضًا يترك أثره في الجسد، وحتى الحروب القديمة تظل حاضرة في العشب الذي نبت حيث سقط الموتى.

لنقرأ هذا المشهد البديع من نص بعنوان (أقدّم لكِ اسمًا؟):

وسأهديكِ شفرات عشبٍ

تتعلّق بأسفل قدميّ،

من تلك التي تنبت هناك

حيث رُميت الأجساد،

واقفةً كالحراس

عند النقطة التي انتهى فيها هروبهم.

إنا تجعلنا نعيش الصورة لآن نصوصها تتميز بمشهدية ساحرة وليست لوصف الشيء فقط، الأكثر أهمية أنها تستخدم كل صورة لنقل أثر الأشياء والهواء والطبيعة والزمن على الجسد والنفس.

كتابة آلية الأسطورة

أما الأسطورة، فإن لساك لا تأبه بالإستعراض المعرفي بالتراث اليوناني. وقد أوضحت بنفسها أن الأساطير شكّلت جزءًا من عالم طفولتها، وأنها معنية بإعادة كتابة آلية الأسطورة أكثر من إعادة روايتها. لهذا يمكن فهم السؤال المتكرر في «أقدّم لكِ اسمًا؟» بكونه أبعد من حكاية أوليس وامرأة مجهولة. الاسم يمنح أوليس اعترافًا بوجودها، لكنها تلمح إلى أن الشاعر عليه أن يتعمق أكثر ولا يكتفي بالحكاية التي يكتبها المنتصر أو الرجل ففي ثنايا الأساطير والحكايات هناك من تم دفنهم في الظل أو تم  تشويه صورتهم.

ومن المهم أن نفهم أن نص أوريليا لساك، يحضر فيه أوليس، الاسم الفرنسي لأوديسيوس بطل «الأوديسة»، بكونه مدخلًا لإعادة النظر في الحكاية البطولية القديمة. وهنا لا تعيد الشاعرة سرد الأسطورة، هي تركز وتجتهد في  أن تنقل مركزها من الرجل المحارب والمسافر إلى المرأة التي عبرتها الحرب والحب والفقد. لذلك يصبح سؤالها: «هل أهبكِ اسمًا؟» بحثًا عن النساء والأصوات التي مرّت بالحكايات الكبرى وظلت بلا أسماء. وتمتلئ القصيدة بأشياء متعددة كالسكين، والأجساد، والعشب النابت في مواضع الموت، والرجال الذين توهّموا امتلاك المرأة، أوريليا لساك في هذا النص القصير حاولت أن تفكك صورة البطولة التقليدية. وهكذا تستخدم الأسطورة ليس لغرض السرد أو لتكرارها، إنها تفتحها من جهة المهمشين، ومنح الغائب اسمًا ووجهًا وذاكرة.

هناك كذلك ثيمة القرى الضائعة. فهي أيضًا ليست حنينًا ريفيًا بسيطًا. فالأصدقاء الذين يمضون منذ ألف عام ويتواصل حضورهم في الغابة يحوّلون المكان إلى طبقات من الأزمنة. الماضي لا يموت، لكنه لا يعود كما كان؛ يبقى ظلًا يتنفس داخل حاضرهم.

الأوكسيتانية

 وهنا يمكن أن نلمس أهمية  علاقتها بالأرض كونه جزء من علاقتها بالأوكسيتانية نفسها، فهي تشعر أن  لغتها مهددة بالفقد، رغم قدرتها على إنتاج حياة جديدة.

وهذا يقودنا إلى فهم خصوصية تجربتها اللغوية. لساك لا تريد أن تكون قصيدتها الأوكسيتانية منشورًا سياسيًا. وقد قالت بوضوح إن شعرها ليس شعارات في مضمونه، وإن اختيار الأوكسيتانية يحمل وإن كان بالطبع معنى سياسيًا، لكن اختيارها الأساسي جمالي بالدرجة الأولى. والأكثر إثارة أنها لا تكتب النص ثم تترجمه إلى الفرنسية؛ بل قد تطور القصيدة في اللغتين معًا، ينشط الحوار بينهما وقد تختلف الصورة بينهما لكنها تظل جزءًا من القصيدة نفسها. وتقول، في مثال بالغ الدلالة، إن الحجارة قد «تنام» بالفرنسية و«تسهر» بالأوكسيتانية، بينما تعبّر الصورتان عن الحياة الداخلية للحجر. أي أنها  تضعنا في مواجهة هذه الثنائية اللغوية، وتخلق أداة شعرية، وليس مشكلةً نحوية أو لغوية ينبغي حلها أو اختراع تبرير لها.

كذلك لا تنفصل قصيدتها عن الصوت والأداء. فهي تكتب نصًا يريد أن يُقرأ ويُسمع ويُغنّى أحيانًا، ولذلك  ارتبطت تجربتها بالموسيقى والمسرح والفنون البصرية،  وهذا يفسر لنا أسباب حضور التكرار، والنداء، والجملة القصيرة، والحركة المشهدية في نصوصها.

ولعل أكثر ما يميز لساك أنها تتعامل مع القصيدة ككائن يجب أن نبحث عنه وتفضّل معنى العثور على القصيدة، أي أن يدخل الشاعر منطقة لا يعرفها مسبقًا ويعود منها حاملًا إشارات جديدة ونصًا خلاقًا. لهذا تبدو قصائدها كأنها تسير بين المرئي والخفي:

على الرصيف، كانت هناك امرأة برتقالية

معطفها المشمّعُ مرفوعٌ حتى العنق

تفكّر أن المحيط هذا المساء

ليس في مزاجٍ…

تشُدُّ في راحة يدها

حصاةً

كانت قد دسّتها في جيبها

ذات مساءٍ مراهِق٠

من هنا أرى أن قيمة تجربة أوريليا لساك لا تكمن فقط في كونها شاعرة تكتب بالأوكسيتانية والفرنسية، الأكثر أهمية أن نتأمل قدرتها على جعل اللغة والجسد والطبيعة والأسطورة والذاكرة أجزاءً من نسيج شعري واحد. قصيدتها لا ترفع شعارًا لإنقاذ لغة، هي تفعل شيئًا ربما يكون أكثر فاعلية، كونها  تكتب بهذه اللغة شعرًا حيًا يُقرأ ويُغنى ويصبح مرئيًا على المسرح، إذن فهي تضع لغتها أمام قارئ العالم كلغةً قادرة على الحلم والحب والقلق والتخيل، وعلى ابتكار صور جديدة للإنسان والأرض.

خاتمة

لعل ما تضيفه تجربة أوريليا لساك إلى الشعر الفرنسي والعالمي المعاصر هو أنها ترفض الفصل بين الفنون والحواس والأزمنة. فالقصيدة لديها لا يجب أن تنتهي عند الصفحة، ولا تصبحكاملة  بوجود المعنى وحده؛ إنها قابلة لأن تصبح صوتًا وحركةً وصورةً ولقاءً حيًا مع الجمهور. وهذا يفسر استمرار حضورها في القراءات والمهرجانات والمشروعات التي تجمع الشعر بالموسيقى والمسرح.

كما أن تجربتها تطرح سؤالًا مهمًا حول مستقبل اللغات التي تعيش بجوار لغات مركزية كبرى: هل تبقى اللغة حيّة بمجرد الدفاع عنها سياسيًا؟

لساك تقدم جوابًا عمليًا مختلفًا؛ اللغة تبقى عندما تستطيع أن تنتج حاضرها، ومحافظتنا على اللغة لا يكون بالإكتفاء بتذكر ماضيها وحفظ مخوطاتها القديمة. لهذا فإن اللغة الأوكسيتانية عندها صوت يتكلم عن امرأة اليوم، وعن الحرب والرغبة والرحيل والخوف والجسد والبحر.

وربما هنا تكمن أهمية متابعتها عبر الزمن؛ فالشاعر الحقيقي لا يقدم تجربته دفعةً واحدة، والقارئ أيضًا قد لا يكتشفها من قراءة واحدة. كل نص جديد يمكن أن يعدّل فهم نص سابق، وكل عودة إلى القصيدة قد تكشف طبقةً لم ننتبه إليها.

أوريليا لساك ليست شاعرة تبحث عن مكان للغة قديمة داخل هذا العالم الحديث، لكنها بكل بساطة هي شاعرة تختبر بهذه اللغة نفسها وإمكانات الشعر في عالم يتغير. وهذا فارق جوهري؛ فهي لا تطلب منا الشفقة على الأوكسيتانية ولا التعامل معها كتراث مهدد، وإنما تدعونا ببساطة إلى قراءتها.

وعندما تستطيع أي لغةٌ في الكون أن تمنحنا قصيدةً جديدة، وصورةً لم نرها من قبل، وإحساسًا لم نعرف كيف نسميه، فإنها تثبت بنفسها أنها ما تزال حيّة وخلاقة.

أوريليا لساك شاعرة فرنسية أوكسيتانية، ولدت سنة 1983، وتكتب بالفرنسية والأوكسيتانية، كما درست المسرح الأوكسيتاني في القرن السابع عشر وأنجزت فيه أطروحة دكتوراه. تجمع تجربتها بين الكتابة والصوت والأداء، وتشارك في قراءات ومهرجانات دولية تمزج فيها الشعر بالموسيقى والغناء والصورة والحركة. من أعمالها: «الموسم الخامس» (2006)، «لكي تغني السمندلات» (2013)، و «البحث عن وجه»  (2017)، إلى جانب عدد من كتب الفنان. وقد تُرجمت قصائدها وكتبها إلى لغات عديدة٠

 

Aurélia Lassaque, née en 1983, est une poétesse française de langues occitane et française. Parmi ses œuvres principales figurent Cinquena Sason (2006), Pour que chantent les salamandres (2013) et En quête d’un visage (2017).

مداخلة نقدية مرئية:تجربة الشاعرة الفرنسية/ الأوكسيتانية أوريليا لساك

 

 

حميد عقبي

15 مقال
كاتب وناقد، فنان تشكيلي ومخرج سينمائي ومسرحي يمني مقيم في باريس. يعمل منذ سنوات على مشروع متعدد الحقول يدمج بين…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع