سامح قاسم
ما الوطن؟ وما الانتماء؟ ولماذا يقضي الإنسان جزءاً كبيراً من حياته وهو يحاول أن يعثر على مكان يشبهه؟ هذه الأسئلة التي تفتتح بها فاطما خضر نصها ليست أسئلة عابرة، فهي قديمة بقدم التجربة الإنسانية نفسها. فمنذ أن وجد الإنسان على هذه الأرض وهو يبحث عن شيء يمنحه شعوراً بالطمأنينة، وعن معنى يستطيع أن يضع فيه نفسه والعالم من حوله.
نقضي أعمارنا ونحن نظن أن الانتماء أمر واضح وبسيط، ثم نكتشف أنه من أكثر التجارب الإنسانية تعقيداً. نظن أننا ننتمي إلى الأماكن التي ولدنا فيها، وإلى الأسماء التي نحملها، وإلى الحكايات التي ورثناها عن الآخرين. لكننا نكتشف مع الوقت أن الإنسان لا يتوقف عن البحث، وأن الروح تظل تسأل عن موضعها الحقيقي في العالم حتى بعد أن تحصل على كل الإجابات التي أجهدها السعي إليها.
في نص فاطما يتحول الوطن من حدود جغرافية إلى تجربة شعورية. ويتحول الانتماء من مفهوم ثابت إلى رحلة طويلة من الاكتشاف. لذا تبدأ الشاعرة من مساءلة الوطن، لا من تعريفه. و تنطلق من رغبة في الفهم، لا من يقين. فتبدو الأسئلة أكثر أهمية من الإجابات نفسها.
حين تعلن انتماءها إلى البحر، فإنها لا تتحدث عن مكان بعينه بقدر ما تتحدث عن صورة للعالم. البحر أحد أكثر الرموز الإنسانية اتساعاً. فيه الحركة والاستمرار والتحول. وفيه أيضاً ذلك الشعور العميق بالحرية الذي ظل يرافق الإنسان عبر تاريخه الطويل. لذلك يبدو اختيار البحر اختياراً لعالم مفتوح على الاحتمالات، لا لعالم تحكمه الحدود والأسوار.
ثم ينتقل النص إلى الشعر. لتواصل الشاعرة رسم خريطة مختلفة للانتماء. فالشعر أحد أكثر الأمكنة قدرة على احتضان الإنسان. في الشعر يجد المرء مساحة للتعبير عما يعجز عن قوله في الحياة اليومية. ويجد فرصة لرؤية العالم بطريقة أكثر رحابة وتعقيداً. ولعل أجمل ما يمنحه الشعر للإنسان أنه يحرره من ضيق التعريفات النهائية، ويجعله أكثر قدرة على العيش داخل الأسئلة.
ومن الشعر إلى الكتب والشخصيات التي شكّلت الوعي الإنساني عبر الزمن. فحين تقوم فاطما باستدعاء زوربا، فهي لا تستدعي شخصية روائية فحسب، إنها تستدعي تصوراً للحياة يقوم على الامتلاء الإنساني والاحتفاء بالعالم. وتبدو العبارة التي توردها عن القلب امتداداً لفكرة مركزية في النص كله: أن الإنسان أكبر من التصنيفات التي تحيط به، وأن قيمته الحقيقية تكمن في قدرته على المحبة والرحمة والتعاطف.
ما يلفت الانتباه في هذا النص أن الانتماءات التي يعلنها لا تقوم على الإقصاء. فهي لا تستبدل انتماءً بآخر، ولا تهدم معنى لتبني معنى مضاداً له. إنها تحاول فقط أن تعيد ترتيب الأولويات. فالإنسان لا يعيش بالهويات الموروثة وحدها، لكنه يعيش أيضاً بما يختاره لنفسه، وبما يشعر أنه أقرب إلى روحه وأكثر قدرة على التعبير عن تجربته الخاصة.
وحين تصل فاطما إلى جبال الساحل، ثم تتمنى أن تكون نبع ماء فيها، فإن الصورة تكتسب بعداً إنسانياً إضافياً. فالأمر لا يتعلق بالمكان فقط، لكنه يمتد إلى الرغبة في أن يكون وجود الإنسان مصدراً للعطاء والاستمرار والحياة. وهي رغبة صاحبت البشر منذ بداياتهم الأولى، وظلت واحدة من أعمق صور البحث عن المعنى.
أما النهاية فتبدو الأكثر اكتمالاً في هذه الرحلة كلها. فبعد المرور بالبحر والشعر والكتب والجبال يعود النص إلى الاسم. يعود إلى الذات بوصفها النقطة التي تبدأ منها جميع الانتماءات وتنتهي عندها. فالإنسان قد يبحث طويلاً خارج نفسه، لكنه يعود دائماً إلى ذلك السؤال الأول: من أنا؟ فتجيب الشاعرة: أنا فاطِما. أنتمي لاسمي. وأفضِّل أن أكون الألف الممدودة في آخره، الواسعة كالمدى، والحرَّة كالضوء.
نص فاطما عن الحرية، وعن حق الإنسان في أن يختار ما يشبهه، وأن يعثر على صوته الخاص وسط الصخب الكبير الذي يملأ العالم. وهو أيضاً نص عن تلك الرغبة التي ترافق البشر جميعاً؛ الرغبة في أن يجد كل واحد منا مكانه الحقيقي، لا في الجغرافيا وحدها، بل في الحياة نفسها.










