فاطمة حلاوة

عمر حامد

تتناقل النِسوة على شاطئ الترعة، وعلى المصاطب وقلب الغيط، أنَّ البت فاطمة بنت أبو حلاوة، باهرة الجمال، وعزيزة المنال، ومش أقل من ابن العُمدة لها. تُبخرها أمَّها صباح كلّ يوم، وتقرأ عليها المعوذتين، وآية الكُرسي، وتُتمتم: “محفوظة يا فاطمة يا بنت أمانة من كلّ عين وهامة، ومن نسوان حارتنا وقريتنا، ومن سنيّة بنت فتحية”.. بل وحجّبت الفتاة عند الشيخ، وحرّزتها بحرزٍ شديد كما قالت، فعدِيّة ياسين لا تكفي وحدها، فالبنت قد تدوّرت، واشتدَّ قدّها المَرِن، وتكعّب الرُّمان، واكتمل البدر. لكن أيّ شيءٍ في الحياة لا بُدَّ أن يعتريه نُقصان.

كانوا يوماً عند الساقية، قُرب غيط خالها، وقد زرع أيامها بطاطس، وزادت شيئًا طيبًا، فراحوا يجمعون قدرًا لهم، ومعهم سنية بنت فتحيّة، فهي حميمة فاطمة منذُ الصغر.

شدَّ الخال الجاموسة الماثلة، وربط الأُخرى مكانها.

سألت الأم:

-أُمّال جاموسة مين دي يا عبدالنبي؟!

فقال:

-ابن العُمدة.. كانت بتروي أرض أمّه هنا.

-وهل ستتركها هكذا؟

أشار لها على سكة الغيطان:

-إنّه هناك، يمتطي حصانه، حالًا يأخذها أحدهم ويسحبها له.

وسرعان ما تلفتت الأم لابنتها، ومسكت طرف الحبل، تنغز ابنتها آمرةً:

-اذهبي يا بت، وأعطي ابن العُمدة الجاموسة!

-لِمَ؟

زغدتها الأم في كتفها، وتركت الحبل، تُفهمها:

-ساعتك يا مخفيّة! لو شافك ابن العُمدة، سيأتي حبوًا ليتزوجك!

غمر الحياء فاطمة، حتّى احمرَّ وجهها، وباتت تتصبب عرقًا، وبلّمت لأمها..مُترددة، تود لو تفعل، لكن تمكّن الخجل منها، جثم عليها حتّى اثقلها. قرصت الأمّ أذنها، وشدّتها، قائلةً:

-في ماذا تُفكرين! لا وقت!

تسحب ابنتها، وتتلفت لتعطيها الحبل، حتّى تجرّ البهيمة لعريس العُمر، إذ بهم لا يجدونها! أي وكأنّ الغول ابتلعها، وتلفتت فاطمة، تتساءل: أين سنيّة، والأم تبحث عن البهيمة التي سَرَحت، حتى ضربت الأم بعينيها على السكة، إذ بسنية سَحَبتها وسبقَت..

كانت مع كلّ زغروطة من دار سنيّة المجاورة، تصبُّ الأم غضبها على الفتاة، فالثانية لِونة، وملقوفة، تُحسن المسخرة بحدّ تعبير الأم، رغم أنّها أقل جمالًا من فاطمة. أخبرها الدجّالون، أنّ على رحم الفتاة ألف ربط، والفكُّ مرهونٌ بالذبح والصبر، لاذت الأمّ بدجاليها، وتضرّم قلبُ الفتاة في صمت.

مرّت الأيام وما زال الألم، أيّ وكأنّها سُرقت، وضاع عُمرها هباءً. وباتت تتساءل لِمَ لم يتزوجها ابن العُمدة هي، رغم أنها أجمل؟! لطالما حيرها هذا السؤال طويلًا. فراحت لأول مرة ترنو للمرآة وتتأمل جمالها الغريب، وحُسنها الدعيّ. لطالما سمعت عنه، لكن ها هي، تتملّى منه. حتّى تذكرت أنّه لم يرها أصلًا! لمعت عيناها لحظة، وباتت تُضفّر شعرها الأسود، الذي تضربه صُفرة هادئة، كأنَّ الشمس داعبت خُصلاتها، وهي ترمح بحُسنها الخلّاب أميالًا.

تقول النسوة كما سمعنا من على المصاطب:

-أنّ يومها أطبق على الدوار دويٌّ لا يهدأ، والقرية باتت تضرب الكفوف، وتتهامس عجبًا وتضحك من بدائع الأقدار. دخل العُمدة يومًا داره، على ابنه وسنيّة، وجمعٍ من الأهل والأولاد. وهو يسحب خلفه زوجته الجديدة كما قال، وشارباه يتراقصان فرحًا! خلعت العروس بُرقُعها، وابتسمت تترفّع بدلالها، فقالت الأم وهي خلفهما تزغرط:

-الستّ فاطمة.. منورة دارها،

وكايده عزولها من يومها واللهْ!

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع