عَبْرةٌ عند تقاطع الطرق أو.. “مدينة في فمي”

زهرة يسري

عاطف عبد العزيز

في فيلم مكسيكي قديم، كان يدور حول حياة الفنانة التشكيلية الشهيرة فريدا كالو، تمنح الفتاة الصغيرة كالو قبلة طويلة لزميل دراستها، الذي كان قد وفد مع والديه إلى المكسيك، قادمًا من نيويورك، يهمس لها الولد: “لقبلتك مذاق غريب!”، تهز البنت كتفيها قائلة:، لا غرابة في الأمر، فمكسيكو سيتي تنام تحت لساني.

فهل ترفع زهرة يسري القاهرة أمامنا الآن إلى فمها؟ هل ترفع المدينة التي أرادت على ما يبدو أن تلوكها، كي تمنحنا مذاق قبلتها الطويلة، مثلما فعلت كالو في الفيلم، أم -وهذا هو الأرجح- شاءت زهرة، أن تصنع من القاهرة لغة جديدة، كأنما بالشعر، تحاول بعث تلك الوشيجة التي أتعبت الفلاسفةَ طويلًا، الوشيجةَ الضائعة، بين الجغرافيا والكلام.

نحن إذن أمام قاهرة زهرة يسري الخصوصية، المدينة التي ولدت لنا الشاعرة ذات يوم، وولدتها الشاعرة الآن، لتبين لنا كصندوق نفايات إنسانية، نفتش فيه، فنتعثر في أجزائنا، أجزائنا التي جرفتها الأيام مخلوطة، بالدود والعفن ورماد الأصوات القديمة، في نص بعنوان (الجمعة – طرة) تقول لنا:

«الزجاجات مكومة وراء باب المطبخ، انتظارًا لرميها في صندوق النفايات صديقة البيئة، إمعانًا في تلك الصداقة، تربين الدود في قشور الخضار والفاكهة، وتسمينه “كومبوست الوفا”، يكبر كحيوان أليف، لن تمسدي رأسه الخالي من عيون ترين فيها شرود من يحفظ أسرار الكون، تتجمع الخلايا الميتة في الأركان:، غبار، وقصاصات شعر، وأظافرك.، ذهب بعضها مع التيار.، استقر في منزل آخر، خلايا ميتة، مختلطة برماد أصوات ارتدت وجوهًا في خيالك»

الحقيقة إن هذا ليس كل شيء، فديوان (مدينة في فمي)، يجيء أقرب إلى جردة حساب للحياة والزمن، إذ تتزاحم فيه تراكيب إنسانية من لحم ودم، مرقت بحياة الشاعرة، كي يترك كل منها ندبة في الروح، أو خدشًا لا يزول، طابور طويل يقف فيه، نماذج وأنماط وشخوص بعينها، فيه من نعرفهم ومن لا نعرفهم:، نجلاء فتحي في فيلم غدًا تشرق الشمس، الخالة فردوس العالقة في الطابق الرابع، مريم وذراعاها، مريض الباركنسون وعلبة الزبادي ذات الحجم العائلي، عازف الأكورديون في فضاء من نغمات الحياة الوردية، دوريس، لص جامع الفتح، جيهان التي ترتقي طوابقها الخمسة، الطفل المتوحد الذي يقول: يطير الطائر، المؤذن ونداءاته، المدرس والنوارس والبحر، عاملة النظافة ليلى، قيس وتصريف الفعل (ذهب)، الأم في سمائها، الأخ الملفع بسحابة، ياسر علام ثم ياسر علام، أمينة رزق تعدو خلف سيارة، أبو العلاء المعري ولزومياته، الجار الذي مات على عتبة الباب ولم يتجاوز الأربعين، عبد الوارث عسر والقصبجي، ابتسام وأمها، مبروكة باختصار، ثم الطفل المغربي المتسول في مهاتفة مع أمه بغابة بولونيا.

خايلني للحظة، حين طالعت عنوان الديوان أول مرة، أن ثمة انزياحًا صوتيًا (phonetic) في الأمر، انزياحًا حدا بزهرة كي تستبدل بالدال فاءً، فإذا بـ (مدينة في دمي) تستحيل بين يديها (مدينة في فمي)، على الأرجح، انحازت زهرة بلا وعيها الحاد، إلى استنقاذ تجربتها من ذلك الفضاء الرومانتيكي الرث، الذي تصنعه مفردة (دم)، الفضاء الذي استهلكه الشعراء وأهلكوه، ناذرة إياها لفضاء آخر، فضاءٍ حسيٍّ حار وخالص، فضاء يتعبد في المذاق واللون والرائحة، فضاءٍ يصنعه الفم، بوصفه موئلًا للشهوة والغواية، بوصفه بيتًا للقبلة والبوح، ولعق شهد المحبة، بطرف اللسان، أو بوصفه رحمًا تنبثق منه الحياة، على نحو ما تخبرنا الشاعرة بنفسها، في نص بعنوان (الإثنين – الحنجرة)، حين تصف لنا الحنجرة/ الفم قائلة:

تشبه الرحم..

والكلمات أجنة مجهضة

يلفت انتباهَنا، حضورُ أسماء أيام الأسبوع، كبادئة، لازمة لعناوين النصوص، بدا الأمر لي جميلًا دون سبب واضح، (ومتى كان يحتاج الجمال إلى أسباب؟!)، قلت في نفسي، لعله، أمر يخص الذات الشاعرة التي كثيرًا ما تحتاج إلى ذرائع للاحتشاد، من أجل استحلاب الذاكرة المنهكة، غير أن الأسئلة لدي أمثالنا من الممسوسين، لا تترك للطمأنينة فرصة، فقد تداعت إلى الذهن أعمال أدبية شهيرة، سعت إلى توظيف أيام الأسبوع كبنية دائرية وفلسفية، فثمة تجارب حديثة لعدة شعراء عرب وأجانب، اتخذت من اليوم عنوانًا صريحًا للقصيدة.، هنا، لا يعود النص مجردَ تأريخ ليوم تقويمي، بل يتحول كل يوم إلى حالة وجودية ورؤية فلسفية، بما يذكرنا بفكرة تفكيك الزمن الخطّي، لحساب الزمن النفسي، ففي الفلسفة كلام كثير، عن الفارق بين الزمن الموضوعي، (الساعة والتقويم)، والزمن الحي أي النفسي (كيف نعيش اللحظة)، فالشاعر، عبر استخدام اسم اليوم، يقوم باستعارة التقويم المادي لكي يكسِرَه، فيصبح الأربعاء -مثلًا- ليس الأربع وعشرين ساعة التي نعرفها، بل يصير حالة ذهنية قد تمتد أو تختزل تجربة عمر كامل.

من جانب آخر، فإن تسمية القصائد بأيام الأسبوع، تؤدي إلى إفراز هيكل دوري ديمومي، ربما يذكرنا بمفهوم نيتشه، حول العود الأبدي، بمعنى، أن الأحداث والمشاعر والانكسارات، سوف تتراكم، وتتأكد، في كل دورة أسبوعية جديدة، والتفسير الأخير -بظني- يبقى الأكثر اقترابًا من التجربة التي بين أيدينا.

يخيل إلي أيضًا -بشيء من المبالغة- أن هذا الديوان يبدو كأنه جردة حساب -كما أوضحت آنفًا- تسعى الشاعرة من خلالها إلى إجراء ما يشبه الفرز والتجنيب، الأمر الذي يجعل من اقتران أيام الأسبوع بعناوين النصوص، محض أوتاد تثبت الوقائع الواردة داخل تلك النصوص في أمكنتها، لتمنعها من التداخل، وأيضًا لتمنع الحيوات المحشورة بها من الطفو والاندياح.

ولا أعرف، لماذا خطر لي، أن زهرة يسري في ديوانها الجديد، لم تعد مشغولة بفكرة إيصال المعنى، بقدر ما يشغلها قضُّ مضاجعنا وإثارة أسئلتنا، ثمة فجوات دلالية تتخلل النصوص، لتصنع غلالة من الغموض الخلاق، على نحو يذكرنا بالألماني فولفجانج إيزر ونظريته في التلقي، النظرية التي ترى أن الشعر ليس صياغة لمعنى ثابت مكتمل يقدّمه الشاعر لقارئه، بل هو بناءٌ قائمٌ على الفجوات والمساحات الفارغة التي تثير خيال القارئ، وتدعوه لأن يكون شريكًا في إنتاج المعنى واستكماله، أي أن النص الشعري يظل مجرد إمكانية أو خطة عمل، لا تكتمل إلا عندما يقرؤها المتلقي، ليس بوصفه مستهلكًا سلبيًا، بل كشريك أصيل، ما يعني، أن النص الواحد يلد عددًا لا نهائيًا من النصوص، التي يجري إنتاجها عبر القراءات المتعددة بتعدد المتلقين، أي أن الفجوات الدلالية هنا، تصبح أقرب إلى القالب الذي يصب فيه المثّال تمثاله، كي يخرج التمثال -في الأخير- تجسيدًا لتصوراتنا -نحن القراء- عن العالم. 

على سبيل المثال، هناك نص بعنوان (الأحد – La Torse) يقول:

«قطعت الغابة مرتين.

العداؤون حول بحيرة البط يقطعون الصباح عشرات المرات…

الجري في الغابة صباحًا…

الجري في الغابة ليلًا…

الجري مجاز الأحد الأخضر…

الجري إلى نهاية لا تعرفين متى بدأت..

الجري على سجادة الخريف المشتعلة…

الجري أثناء النوم على سرير أرجواني ثم النوم في طرد خفيف الوزن على سلم الطائرة الكهربائي…

الجري خلف حائط الكنيسة، حيث يتلو القس صلاة الصباح على ثلاثة متقاعدين..

الجري يمد يدا عليك اللحاق بها»

هذا النص يقوم في تقديري على فعل واحد متكرر هو «الجري»، لكنه لا يمنحنا غايةً واضحة لهذا الجري، ولا شخصيةً مكتملة تقوم به، ولا مسارًا يمكن تتبعه منطقيًا. ومن هنا تصبح نظرية التلقي مناسبة لقراءته، لأن النص يضع القارئ أمام سلسلة من الصور، ثم يترك بين كل صورة وأخرى فراغات عليه أن يملأها من مخزونه الثقافي والوجداني، فالنص يبدأ بعبارة شديدة الكثافة:

«قطعت الغابة مرتين»

إنها جملة تبدو للوهلة الأولى مكتملة، لكنها سرعان ما تتحول إلى فجوة دلالية: من الذي قطع الغابة؟ ولماذا مرتين؟ وهل المقصود عبور الغابة فعليًا، أم تجاوز تجربة ما؟ ولماذا «مرتين» تحديدًا؟

العدد هنا لا يؤدي وظيفة حسابية بقدر ما يخلق انتظارًا لدى القارئ، إن قول «مرتين» يفترض ضمنًا وجود مرة أولى ومرة ثانية، وربما وجود اختلاف بينهما، لكن النص لا يخبرنا بشيء عن هذا الاختلاف. وهكذا تتحول كلمة صغيرة إلى آلية لإنتاج الأسئلة، ثم تأتي عبارة:

«العداؤون حول بحيرة البط يقطعون الصباح عشرات المرات…»

هنا يحدث أول انزياح مهم. فالفعل (يقطعون) ينتقل من الغابة إلى الصباح. لم يعد الجري قطعًا للمكان فقط، بل أصبح قطعًا للزمن نفسه. والعبارة (يقطعون الصباح عشرات المرات) تنقلنا من الحركة في الفضاء إلى الحركة في الزمن، وهذه واحدة من أهم الفجوات في النص: هل العداؤون يجرون لكي يصلوا، أم لكي يكرروا الزمن؟، على أن القصيدة لا تجيب، بل إن تكرار «الجري» بعد ذلك يحوّل الفعل إلى ما يشبه اللازمة الإيقاعية:

الجري في الغابة صباحًا…

الجري في الغابة ليلا…

الجري مجاز الأحد الأخضر…

اللافت أن النص لا يقول: «أجري»، وإنما يقول «الجري». أي أن الفعل يتحول إلى اسم، ومن ثم يتحول من حدث فردي إلى حالة وجودية، نحن لا نتابع شخصًا يجري بقدر ما نتابع «الجري» نفسه وهو يتخذ أشكالًا مختلفة.

إحدى السمات الجمالية الأوضح في نصوص الديوان، قدرة الشاعرة على انتزاع التفاصيل اليومية العابرة من سياقها المألوف، ثم إعادة تركيبها بحيث تتحول إلى أساطير صغيرة، أي إلى مشاهد تبدو شخصية وعابرة، لكنها تكتسب قابلية لأن تحمل معنى إنسانيًا أوسع من حجمها الواقعي، إذ لا تتعامل زهرة مع التفاصيل بوصفها مجرد عناصر وصفية أو خلفية للمشهد، وإنما تمنحها قدرة على تجاوز وظيفتها الواقعية، فبالنظر إلى نص الجري، نلحظ أن العدائين حول بحيرة البط، والغابة، والصباح، وسجادة الخريف، والسرير الأرجواني، وسلّم الطائرة الكهربائي، والقس والمتقاعدين الثلاثة، تفاصيل يمكن أن تمر في الحياة اليومية دون أن تستوقفنا، لكن النص ينتزعها من عابرّيتها ويضعها في شبكة جديدة من العلاقات، فتتحول كل واحدة منها إلى ما يشبه أسطورة صغيرة مستقلة.

عطفًا على ما سبق، أود أن أقص حكاية شخصية لم أحكها لأحد من قبل، فمنذ ثلاثة عقود تقريبًا، ربما كان ذلك في العام 1997، قابلت فتاة جميلة في أتيلييه القاهرة، قدمها إليّ صديق فتصافحنا، وإذا بها تمنحني نظرة حانية لم أقابلها من قبل، نظرة أمٍّ في العشرين من عمرها جبرت كسرًا داخلي، إذ كنت أعاني وقتها مما يسمونه أزمة منتصف العمر، من لحظتها صارت بيننا صداقة عميقة على البعد، صداقة بلا مواعيد، لقاءاتنا كانت متباعدة ومحكومة بالمصادفات.

بعد عام من تلك الواقعة أو أقل، قابلت الفتاة صدفة في شارع الأنتكخانة بوسط البلد، كانت بصحبة شاب وسيم فهمت أنه حبيب أو خطيب، لقاؤها الدافئ أبهجني، لاسيما حين أخذت الفتاة كفي بين كفيها، مانحةً إياي نظرتها الحانية مرة أخرى، غير أن صاحبها راق له في تلك اللحظة أن يضع كتفه بيننا، لغة الجسد بدت واضحة، فسلمت سريعًا ومضيت.

بعد بضع خطوات، كنت قد وصلت إلى شارع شامبليون عند تقاطعه مع الأنتكخانة، ألقيت نظرة إلى الوراء، فلم أجد للعاشقين أثرًا، على أن عبرة ثقيلة كانت قد انهمرت فجأة من عيني اليمنى، خمنت أنها من جراء الغبار العالق بالجو، على أقرب كرسي جلست، وأخرجت منديلًا لأنظف العين الدامعة، لم يكن ثم غبار، بل شظايا نظرة حانية هشمتها كتف رجل، من يومها مرت بي آلاف النظرات الحانية والقاسية أيضًا، العاشقة والخامدة، فيما بقي البلل الذي أحدثته عبرة شامبليون نديًا على وجنتي.

الشاهد هنا، أن ذلك اللقاء البعيد كان في حقيقته نصًا حياتيًا كاملًا، نصًا عشوائيًا صنعته المصادفة البحتة دون ترتيب، نصًا منذورًا للنسيان، بل المؤكد أن العاشقين كانا قد نسياه بعد برهة من افتراقنا، بينما ترك في روحي -بوصفي متلقيًا يعاني هشاشة الوجدان- ندبةً لا تزول، بل تكوّنت من ذلك النص -فيما بعد- أسطورة شخصية يمكن أن نتخير لها عنوانًا من قبيل: (عَبْرةٌ عند تقاطع الطرق)، ومثلما تتعدد السرديات للحادثة الواحدة بتعدد الساردين، وموقع كل منهم داخل الحدث، كذلك تتعدد أشكال استقبال النص الشعري بتعدد قارئيه.

بقي أن أخبركم بأن فتاة النظرة الحانية، لم تكن سوى تلك الشاعرة صانعة الأساطير، التي سوف تجيئنا بعد ثلاثة عقود، وفي فمها مدينة.

 

سبتمبر 2026    

شاعر مصري، يلقب بـ(مهندس قصيدة النثر)، ترجمت قصائده إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية، والفارسية والكردية، من أعماله: ذاكرة الظل 1993. حيطان…

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع