سمير مرقص
(1)
“مصر ولادة”؛ أول خاطرة حضرتنى بعد أن فرغت من كتاب الدكتور سيد إسماعيل ضيف الله: «صورة الشعب بين الشاعر والرئيس». وهى رسالته للدكتوراه التي تقدم بها حول قراءته لخطاب الشاعر الكبير فؤاد حداد ورؤساء مصر: ناصر، والسادات، ومبارك.. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا رددت تعبير مصر ولادة؟.. لهذا السؤال قصة، أظنها بالغة الدلالة. بداية أنا لم أكن أعرف سيد ضيف الله بحسب ما يوقع على مقالاته بإحدى الصحف العربية، حيث كنت اقرأ له ما يكتبه فيها من حين لآخر، منذ أكثر من سنتين تقريبا. سعدت بالكاتب الذي لا أعرفه. وأنا في هذه اللحظة يتملكنى شعور «كشافى الكرة» الذين يفرحون باكتشاف المواهب الكروية ويفرحون بانضمام موهبة جديدة لكوكبة المواهب السابقة. وتصورت أنه أحد الكتاب المخضرمين لما يقدمه من أفكار جادة ومبدعة برصانة وتركيز يضاهى كبار الكتاب الذين عرفناهم على مدى عقود وعهود. إلا أننى كنت أشعر أن هذا الكاتب على الرغم من رصانته إلا أنه يقدمها «بنفس معصرن». وكعادتى عندما أتعرف على كتابة متميزة من هذه النوعية أحاول أن أعبر لها عن تقديرى واحترامى. فحاولت أن أبحث عن «سيد ضيف الله». فلم أتمكن من الوصول إليه. مرت الأيام ووجدته يحادثنى ليدعونى لإلقاء محاضرة على طلبته بالجامعة الأمريكية. وافقت، وفى الموعد المحدد التقينا ووجدته شابا في الثلاثينيات من عمره. عرفنى على نفسه وأهدانى كتابه الذي عكفت على قراءته في أسبوع…
(2)
كان من المهم أن أسرد هذه القصة لعدة أسباب منها أولا: كيف أن هناك أجيالا مبدعة حاضرة بيننا لا نعرف عنها شيئا. ثانيا: أنه ليس لدينا خريطة معرفية متجددة تتابع وتوثق وتعرف بمبدعينا الجدد وإبداعاتهم. ثالثا: أن الاعتراف ـ يبدو لى ـ بالأجيال الجديدة تشوبه إعاقات غير قليلة. بدليل أن الانطباع الأول الذي تسلل إلىّ بحكم الثقافة السائدة والصور النمطية المهيمنة التي نحاول الخروج عليها، قد أوحى لى ـ لوهلة ـ عندما اطلعت على ما يكتبه سيد ضيف الله في مقالاته الصحفية هو أنه كاتب كبير السن.. ولكنه لم يكن. فهو من جيل يقدر من سبقه ويدرك إنجازات من أنجز منهم. ويفكر ويبدع «بروحية متحررة من قيود ومحاذير وأبوية كهنة/ حراس معبدالفكر المصرى».
(3)
لذا، رسالته مبتكرة. فهى ليست رسالة نمطية في الأدب أو غارقة في التقنيات الأدبية. وإنما هي رسالة ـ ونحن نحاول أن نبسطها للقارئ الكريم دون الإخلال بمضمونها ـ تحاول الاقتراب من رؤية الشاعر الكبير فؤاد حداد «للناس/الشعب/الجماهير/المواطنين»، وتطور هذه النظرة عبر ثلاثة عصور سياسية. وفى المقابل عرض لكيف ينظر ثلاثة رؤساء جمهوريات متعاقبون في مصر للشعب والجماهير. الرؤساء هم: ناصر، والسادات، ومبارك…النص ممتع وسلس ومركب في آن واحد، وجرىء أيضا…لماذا؟
(4)
أولا: يعكس مدى تأثير الواقع السياسى على إبداع الأديب. ثانيا: كما يرصد مدى اشتباك هذا الأديب مع الواقع بتفاعلاته. ثالثا: إلى أي حد يؤثر الإبداع الثقافى على السياسيين ومن ثم خطابهم السياسى، وقدر التوافق والاختلاف بينهما، ومتى ولماذا يقتربان من التوافق أو يبتعدان اختلافا. رابعا: يقدم لنا من محصلة الإبداع الثقافى والفعل السياسى إطلالة على التاريخ من خلال النص الإبداعى والنص السياسى. بالإضافة إلى ما سبق فإن الرسالة، حصرا، عن أحد كبراء شعر العامية في مصر ألا وهو: «فؤاد حداد». ما يعد كسرا لتقليد بليد وعنيد لا يعترف بشعر العامية.. الخلاصة، و«تحديدا»، بحسب الدكتورة فريال غزول في مقدمتها للكتاب: «وأما ريادة البحث فتحديدا تكمن في توظيف نهج نقدى أصبح يعرف بالنقد الثقافى.. لأنه يعتمد على علوم معرفية متعددة تتداخل فيما بينها لتضىء النص، فالنقد الثقافى أقرب ما يكون إلى مساحة تتسع لتشمل توجهات نقدية وفكرية تتقاطع فيما بينها. إنه ميدان تتحاور فيه منطلقات نظرية معقدة لتشريح نصى مركب».. ما يعنى أن من يتصدى لمعالجة موضوع وفق نهج من هذا النوع لابد أن يتسم بالموسوعية التي تتجاوز النقد التقنى الضيق. كذلك الإلمام بجديد الحقول المعرفية التي انقطعت عنها المؤسسة الأكاديمية على مدى أربع موجات معرفية على الأقل في تقديرنا.
(5)
في هذا السياق، استحضر المؤلف إبداعات فؤاد حداد في عهود: ناصر، والسادات، ومبارك. وفى المقابل الخطابات الرئاسية المتعاقبة. وقام بتحليل النصوص ومنها فهم ملابسات وتعقيدات كل مرحلة تاريخية من حيث: موقف المثقف من السلطة، وموقف الحاكم/ السلطة من الواقع وفى القلب منه الجماهير/ المواطنون. وما الذي يعكسه كل من الخطابين حول: الحالة الثقافية، وعلاقة الحاكم بالمحكومين وكيف يراهم: مواطنين أم رعايا؟… كذلك وضع مشروع الحداثة/ التحديث المصرى في المحصلة.. قام سيد ضيف الله بجهد كبير في كتابه الصادر بدار كتب خان ـ 2014.
(6)
كان لويس عوض، مثقفنا الموسوعى الكبير، يصف صلاح عبدالصبور بأنه أمير شعراء الفصحى، وصلاح جاهين بأنه أمير شعراء العامية. فلقد كانا، بالإضافة إلى أمل دنقل وفؤاد حداد،…، وغيرهم، يعبرون عن المجتمع الجديد الذى حلم به المصريون. ولكن شعرهم التجديدى لم يكن ـ بحسب لويس عوض ـ ينطلق مالم تكن هناك «ثورة تتمخض» عنهم… لذا ارتبطوا، كجيل، بثورة يوليو 1952. بل أكثر من ذلك يمكن أن نقول توحدوا بها وبرئيسها الكاريزمى، وانخرطوا فى معاركها الكبرى، بدرجات متفاوتة. فاحتفوا بإنجازاتها وتألموا لإخفاقاتها. وقاوموا ما نطلق عليه: «يوليو المضادة» بتجلييها الساداتى والمباركى… لذا فمن الأهمية بمكان تتبع إبداعهم الشعرى التجديدى عبر أزمنة متعاقبة وخطابات الرؤساء. فى هذا المقام نعود لكتاب الأخ الدكتور سيد ضيف الله: «صورة الشعب بين الشاعر والرئيس» ـ إصدار كتب خانة 2015. وهى الدراسة التى بدأنا نعرض لها فى مقالنا السابق والتى يطبق فيها المؤلف منهج النقد الثقافى على خطاب فؤاد حداد الشعرى والخطابات السياسية المتعاقبة لرؤساء مصر: ناصر، والسادات، ومبارك»…
(7)
وقبل استعراض الكتاب.. يهمنا أن نشير إلى مكانة فؤاد حداد الشعرية وما أضافه للعامية المصرية. حول ما سبق يقول غالى شكرى فى كتابه العمدة والرائد: «شعرنا الحديث…إلى أين؟»ـ 1968، ما يلى: «لم يستعد شعر العامية المصرية أنفاسه التى تمزقت أوصالها سواء فى إذاعة المدينة أو على ربابة القرية والحى الشعبى إلا مع أشعار فؤاد حداد وصلاح جاهين. تمكن فؤاد حداد من أن يخلص شعر العامية المصرية من كليشيهات النشيد القومى والأغنية المذاعة. كما خلصه من ابتذال الهواة للتراث الشعبى فى أساطيره وحكاياته وحواديته وخرافاته. فلم تعنه قط الشكليات الوزنية المتزمتة التى تتعصب لها أبحر الخليل، ولم يعنه قط الموضوع كهيكل عظمى محدد سلفا. وإنما استطاع فؤاد حداد أن ينتهى بشعر المصرية إلى ما يمكن تسميته بالمضمون الفنى الذى يعالج التجربة المصرية فى محورها الشعبى على أبعد مدى لأنغامها المحلية»… هذا هو فؤاد حداد صاحب دواوين: «من نور الخيال وصنع الأجيال فى تاريخ القاهرة، وكلمة مصر، والمسحراتى، ولازم تعيش المقاومة، وأيام العجب والموت، وديوان التسالى بالمزاج والقهر، ومواويل من أول الدنيا، وسبيل الفؤاد، والحضرة الذكية،…،إلخ…فى هذا السياق نقدم جانبا من كتاب سيد ضيف الله صورة الشعب فى شعر فؤاد حداد وفى المقابل كيف رأى رؤساء مصر: ناصر، والسادات، ومبارك الشعب؟…
(8)
بداية يشير ضيف الله إلى أن: «قراءة فؤاد حداد بهدف التعرف على قراءته لنفسه وللعالم وللشعر نفسه، هى قراءة للثقافة، لأن قراءة فؤاد حداد لكل ذلك هى الثقافة بعينها، أعنى الثقافة فى ديناميتها وليس فى ثباتها»…فالإبداع الشعرى الفردى هو نتاج لحظة تاريخية ثورية أو غير ذلك. ومن ثم تكون بدرجة أو أخرى معبرة عنها بدرجة أو أخرى. واللحظتان الكبيرتان عند فؤاد حداد بالنسبة لناصر يحددهما ضيف الله كما يلى: أولا: قيام ثورة يوليو 1952. وثانيا: نكسة 1967، وحولهما نعرض نماذج لرؤية الشاعر ولرؤية الزعيم ناصر… ونستكمل عرضنا للرئيسين التاليين فى مقالنا القادم…
(9)
تقديس الشعب كانت رؤية حداد قبل 1952، كما تجلت فى قصيدته «أحرار وراء القضبان» قبل ثورة يوليو. وعليه لابد من إعادة تعريف من هو الحر ومن هو العبد. فبالرغم من السجن، فالمحبوسون لديه يعدون أحرارا. ومن صنع السجن هم العبيد.: «فى سجن مبنى من حجر، فى سجن مبنى من قلوب السجانين، قضبان بتمنع عنك النور والشجر، زى العبيد مترصصين»… كان إيمانه بالشعب كبير. ويؤمن بمن يحبس الشعب يكون فى منزلة عابد الوثن. وهنا يعلن انحيازه: «ليه ما قبلتش أعبد الأوثان، ليه ما اكتفتش بأضعف الإيمان»… ويجيب: «مارضيتش أعيش من غير عيون وودان، ما رضيتش أعيش من غير فؤاد ولسان»… فى سبيل تحرر الشعب كان حداد يعول على المخلص أو البطل الإيجابى الذى يأتى ليخلصهم من الحرمان والظلم. وبالرغم من أن هذا التعويل يعد لا حداثى ولا يستقيم مع دولة حديثة ويبدو وكأنه يستعيره من الشاعر القديم. إلا أن سيد ضيف الله سرعان ما يستعيد لنا أشعار فؤاد حداد فى المسحراتى لكى يثبت لنا أن شاعر النصف الثانى من القرن العشرين يستمد قوته ومعرفته من ذات قوة ومعرفة الحاكم. ومن ثم يتشارك مع الحاكم فى السهر على الوطن: «يا سبر إيدك فى قلب الليل هلال رمضان، نزل على وقال لى أسهر على الأوطان»… ماذا عن خطاى الحاكم…
(10)
فى المقابل كان الشعب لدى ناصر من خلال خطبه كما يلى: أولا: «المحرومون». ثانيا: «القابلون للاستغلال». مميزا بين المتعلمين من جهة وبين العمال والفلاحين من جهة أخرى. انطلاقا من أن المتعلمين يمثلون عائقا أمام إشباع الحاكم لبطون الجوعى، لأنهم مدللون. كان هذا هو الشعب الذى صنعه ناصر فى خطابه. وعبر قصائد ديوان «بقوة العمال» وغيرها، يقول المؤلف كيف توحد حداد بناصر لا عن تبعية بقدر توافق صوت الشاعر مع حلم الزعيم… ولكن…
(11)
“نجح فؤاد حداد فى إكساب شعر العامية المصرية قيمته الفنية الخاصة التى سبق للصناعة أن استلبتها منه، كما سبق للذائدين عن حرمات الشعر الرسمى أن حرموه من حق الاعتراف له بها. ومن ناحية أخرى قام فؤاد حداد بدور لا يقل أهمية وخطورة عن تأصيل العناصر الجمالية فى شعر العامية المصرية، هو إكساب مضمونه الفنى أبعادا إنسانية جديدة زاخرة بالوعى الاجتماعى»، هكذا كان رأى غالى شكرى فى شعر فؤاد حداد، وأظنه عبر فى هذه العبارات القصيرة عن الثورة التى قام بها، مع رفيق الكفاح صلاح جاهين، إلى العامية المصرية. فى هذا السياق، انحاز فؤاد حداد للناس وللفقراء. وكيف لا ينحاز وقد عاش حياته مناضلا من أجل إقامة العدل لهم. لذا نجد شعره وقد جاء معبرا عن نضاله، محررا العامية المصرية من كل ابتذال وقولبة ومحدودية. ومن ثم توحد مع المشروع الثورى لناصر. فكان شعره من جهة، وخطابات ناصر من جهة أخرى، فى توافق بغير تبعية. هذا ما توصل إليه، ومن خلال النصوص المتعاقبة: الشعرية، والسياسية لكل من الشاعر والرئيس (حداد وناصر)، الدكتور سيد ضيف الله فى كتابه الشيق والمتعدد، مستويات البحث والحقول المعرفية: «صورة الشعب بين الشاعر والرئيس ـ كتب خانة 2015»، وعرضناه فى مقالنا السابق…ولكن ماذا عن صورة الشعب فى الخطاب السياسى للرئيسين السادات ومبارك؟ وكيف كانت استجابة الشاعر لهذين الخطابين؟
(12)
نشير بداية إلى أن فؤاد حداد قد كتب ديوانين شعريين خلال فترة حكم السادات (1970 ـ 1981) هما: «كلمة مصر، 1973 ـ 1975»، و«على أعتاب الحضرة الذكية، 1976». ويوضح الباحث، فى تقسيم هام للغاية، كيف تنقل الخطاب السياسي الساداتى فى ثلاث مراحل هى: أولا: مرحلة الخطاب السياسي الذى يعد امتدادا لخطاب ناصر. ثانيا: الخطاب السياسى الذى كان يستلهم نصر أكتوبر. ثالثا: خطاب ما بعد أكتوبر. ففى المرحلة الأولى: كان السادات يؤكد على أنه يأتى إلى الشعب «على طريق ناصر» كذلك على شرعية الحراك الجماهيرى الهادر فى 9 و10 يونيو الرافض للهزيمة باعتباره «أبوالتاريخ ومحرك التاريخ وصانع التاريخ» ومصدر الإلهام. وفى المرحلة الثانية: بدأ يرى الشعب باعتباره «جماهير 14 و15 مايو» الذين صنعوا «ثورة كاملة…لم تكن ثورة مضادة، ولكنها ثورة من أجل تصحيح مسار الثورة الأم». أما المرحلة الثالثة: فلقد شهدت تحولا جذريا من حيث تكريس السادات مسؤولا عن الشعب وأمينا عليه فهو الرئيس المؤمن الذى لا يسألُه إلا الله. والرئيس الأب بالمعنى الأبوى. وفى نفس الوقت ارتد بالخطاب السياسى إلى التمييز «وإقامة التناقض» بين الجماهير، الذين صاروا «أهل الريف…الذين يعرفون العيب» بالمعنى القيمى وليس الفلاحين بالمعنى الإنتاجى، وبين الأفندية (الخصوم السياسيين) «الذين بلا قيم»…ماذا كان رد فعل فؤاد حداد؟
(13)
افتقد حداد ناصر ليس فقط على مستوى الفراق الإنسانى. وإنما لشعوره بأن هناك تحولا ما قد صار فى الأفق السياسى. فيقول حداد: «فين طلتك فى الدقايق تسبق المواعيد» (ديوان المسحراتى). حيث ناصر هو من يأمر «لى بحقوقى وهدوم الولاد فى العيد/ والمجانية ومرايل بيضا والأناشيد»…ومع مرور الوقت أيقن الشاعر أن الواقع السياسى قد بدأ يسير فى مسار مغاير. فبالرغم من فرحته بنصر أكتوبر بقوله: «أجمل ما فى الدنيا/ أكتوبر اللى انتقم ليونيه»…كما قال: «إلى 10 رمضان 6 أكتوبر/ شوق أيام وأجيال كثيرة/ الحقيقة الخالدة/ كالشمس التى لا تغيب أبدا/ فعرفنا أن مصر الحق/ وأن التاريخ والأسطورة واحد/ والجيش والشعب واحد» (ديوان كلمة مصر)…إلا أن «الصدمة من جراء التحولات العنيفة» التى لم تكن فى صالح الشعب قد دفعت حداد فى ديوان: «يضرب على الوجيعة ويلاقى ع الطبطاب: قصيدة على قلبها لطولون»، يقول مقاوما على لسان الشعب الحاكم متمثلا فى الخديو إسماعيل الآتى: «حيلك/ فوق لنفسك يا إسماعيل باشا/ شوف اللى بيكلموك/ ياما تاووا قبل منك ملوك/ شبيحة زيك شمحطية وهباشة/ حتروح من الشعب فين/ إلا ترحل بكره لاسطنبول/ وإحنا نتملك هنا على طول/ على قلبها لطولون إحنا»…
(14)
ومن أجمل ما يرصده سيد ضيف الله فى عمله الممتع، هو حيرة الشاعر تجاه ردود فعل الشعب التى تراوحت ما بين الانكسار والانتفاض. وهو ما انعكس على شعره الذى مال إلى السخرية فنجده فى «عيل على المعاش»، يقول: «ماشى يا ماشى/ لأمش ماشى/ الشعب المكسور الهادر/ الشعب الكسار الهادر/ مش قابل منى التضحية/ رفع لواء الثورة/ فثار على طيبتى/ وعلى عدل مزاجى»…وهكذا يمضى فى رصد التحولات التى طرأت على السلطة حيث وجدها تتناقض كلية مع ما سبقها. كذلك التحولات التى طالت الشعب والتى وجدها تجمع بين التناقضات. ولم يجد أمام شاعرنا إلا أن يستمر فى السخرية مقاوما، وقائلا: ويؤكد فى «عيل على المعاش»: «من يعرف الحقيقة/ع الفرشة لم يبات/ أنا القلب السليم/ الموجوع الأليم/…الأوله يا قهر/ والثانية السر جهر/ والثالثة لما أجهش/ قامت كل الجروح/ ترقص بشكل أدهش/ التعبان الناياتى»…
(15)
يبدو، ومن خلال النصوص التى أوردها سيد ضيف الله، أن شاعرنا قد أعيته هذه التحولات فأبدع شعرا فى «ميت بوتيك» ملخصا اللحظة التاريخية بقوله: «فيه راجل مش أبى/ ولا كان يشبه أبى/ فعل الفعل القبى»…وبهذه الكلمات عاش حداد السنوات القليلة التى بقيت من عمره زمن مبارك…فما طبيعة الخطاب السياسى الجديد؟ وماذا أبدع حداد؟…
(16)
نواصل القراءة فى كتاب الدكتور سيد ضيف الله: «صورة الشعب بين الشاعر والرئيس ـ الكتب خان 2015»، التى تدرس خطاب فؤاد حداد الشعرى والخطابات السياسية لرؤساء مصر: ناصر، والسادات، ومبارك. حيث تتبع الباحث إبداعات حداد الشعرية ورؤيته للمواطنين/ الجماهير/ الشعب، وفى المقابل مضمون الخطابات السياسية لرؤساء مصر الثلاثة ورؤيتهم للوطن والمواطنين.. فى الحلقات الماضية: عرضنا أولا: رؤية الباحث ومنهجه وأهمية الموضوع وتعدد مستويات البحث التى أضفت متعة وجدية عليه. وأهمية وبراعة اختيار فؤاد حداد (الحلقة الأولى) وثانيا: دراسة التطور السياسى لمصر عبر تحولات النظام السياسى عبر ثلاثة رؤساء من خلال الخطابات السياسية لهؤلاء الرؤساء، وتحليل التدفق الشعرى المبدع لفؤاد حداد والمرتبط ارتباطا وثيقا بالتحولات السياسية المتنوعة والمتعاقبة. والتى كانت تعبر عن استجابة المبدع لما يدور فى الوطن وللمواطنين ولخطابات الرؤساء المتعاقبين. وفى هذا المقام درسنا إبداعات فؤاد حداد فى مرحلتى ناصر والسادات (الحلقتان الثانية والثالثة). ونعرض اليوم لفترة مبارك.. فماذا عنها؟
(17)
بداية، يلفت الدكتور سيد ضيف الله النظر إلى أن فؤاد حداد قد كتب ثلثى أعماله فى الخمس سنوات الأخيرة من عمره (1980 ـ 1985). من دواوين هذه الفترة نذكر: «أيام العجب والموت، مواويل من أول الدنيا، والعيار الفالت، وريان يا فجل، وطيوف الجنة والكوثر على الطريق الرمضانى، ويوميات العمر الثانى، و…، إلخ».. والمفارقة التى يرصدها بذكاء شديد، سيد ضيف الله، أن شعر حداد خلال هذه الفترة والذى يمثل غالبية إبداع الشاعر قد تميز بالعمق والاستنفار الشديد تجاه ما طال مصر من تراجع فى كثير من المجالات، فيقول: «إذ يمكن القول إن حداد قد اختزن من الأسباب فى السياق الساداتى ما يجعله يفجر بداخله طاقاته الشعرية الصارخة بجروحه القومية والوطنية التى أصابت تصوراته الاستعارية للأمة وللشعب المصرى العربى وللشعوب العربية عامة، لكن الإحساس باقتراب الموت.. ومأساوية الأحداث التى ألمت بجسد الأمة العربية.. وبالشخصية المصرية، قد رسخ لديه الشعور بأنه فى حالة سباق مع الموت، ومن ثم فهى كتابة شاعر يحتضر فى صمت، لكنه يكتب ليبقى تصوره الاستعارى عن الشعب والأمة حيا يقاوم كل ما أحاط به من أسباب للموت والانهيار».. ونؤكد هنا أن ما أصاب فؤاد حداد قد أصاب العديد من شعراء هذا الزمن الذين كانوا بشعرهم يعلنون رفضهم لما آلت إليه الأحوال ويقاومون السياسات التى سادت. فقالوا كلمتهم ورحلوا.. ما دفع لويس عوض يقول تعليقا على رحيل صلاح عبدالصبور وأمل دنقل وفؤاد حداد وصلاح جاهين ما يلى: «كل ذلك المجد انتهى فى السنوات الخمس الأخيرة. وكلهم ماتوا فى أواسط العمر.. ومجتمع يجمع شعراؤه الفحول على الموت الباكر مجتمع ينبغى أن يحاسب نفسه»..
(18)
وظنى أن ما جرى لهؤلاء الشعراء لا ينفصل عن إحساسهم المرهف الذى أدرك أن تحولا كبيرا مضادا قد جرى فى مصر تجلى فى ثلاثة أمور كما يلى: أولا: نظرة الرئاسة للشعب. ثانيا: التبشير بالاستقرار الذى باسمه جرى ما جرى فى مصر.. ونقرأ خطابات مبارك فى مناسبات مهمة: عيد العمال وذكرى ثورة يوليو، فنجده من جانب، يتحدث عن الشعب الذى باتت: «بطنه واسعة، وانفعاليا، وعالة، والكثير الإنجاب،…،إلخ». ومن جانب آخر، تأكيده على الاستقرار الذى بموجبه على الشعب القبول بالإجراءات الاقتصادية الصارمة. وإلا فإن هذا يعنى أنه سيكون ـ أى الشعب ـ عائقا أمام خطط التنمية. ثالثا: التبعية الواضحة من خلال تبرير القبول بالقروض والمعونات والتماس التعاطف الدولى.. فى هذا السياق ماذا أبدع فؤاد حداد؟
(19)
الحياة دى تشبه الموت دا؛ كان هذا عنوان إحدى قصائد ديوان: «أيام العجب والموت»، حيث يقول فيها: «انسحبت فى حلم صباحى/ والقمر زى اللى كان صاحى/القمر زى اللى كان نعسان/ارتعش من صمتى وصياحى/ كل شىء فيه شىء من الإنسان/.. كل شىء فيه شىء من الأوثان/.. كل شىء فيه شىء من الظالم/ كل شىء فيه شىء من المظلوم».. هكذا يواصل المقاومة والتمرد على خطابات الرؤساء بعد ناصر الذى انحاز للشعب وانحاز معه حداد.. فالاستقرار وفرض التصور السلطوى باعتباره عنوان الحقيقة يقابل بتجسيد وتعميق التناقضات، لأن التناقض هو جوهر الحياة.. فما تقدم وأقلقه فى خطاب السادات استمر فى خطاب من خلفه.. ما أدى به إلى أن يقول: «ولما تبادلنا أدوارنا أصبحت الأراجوز لستَ أم لستَ الأراجوز/يا ابن الفصيحة لا تجنن أخاك/لا كل شىء حين يغمض يرنو ولا كل شىء يبقى/ العمارات احتلت مكان السِيَم/بيت الخبرة يعلن فى المكبرات المعدنية: نحن نحول المصريين من غرباء إلى سياح…
(20)
وبعد، نصل إلى نهاية إبحارنا فى عمل متميز لباحث شاب هو الدكتور سيد ضيف الله الذى يفتح لنا بكتابه (رسالته للدكتوراه) أبوابا لدراسة غير نمطية تدمج بين الأدب والسياسة والتاريخ والثقافة. كما تثير الكثير من الفضول البحثى لفهم حقيقى غير زائف لما جرى فى مصر من تحولات مجتمعية، وللعلاقة بين المثقفين/ المبدعين والسلطة، وللنجاحات والإخفاقات السياسية من جهة والإبداعات المصرية من جهة مقابلة.










