على باب التيه

mahmoud emad

محمود عماد

تتمنع القراءة

 تقول لي: الكلمات لن تقتحم أراضي رأسك،

إلا لو كانت غير مشتتة بالتفكير في حوريات البحر.

 

تغيب الكتابة

ربما لأنها لا تحب أن ينازعها على قلبي أحد،

حتى لو كانت نفسي،

تخاصمني وتهجرني،

وتعدني أنني لن أرى وجهها

حتى أعود إلى صوابي الأول.

 

تهرب معهم اللغة،

تتسرب من بين يدي،

وتصبح حلمًا بعيدًا لا يمكنني الحلم به،

أنا الذي عشت سنيني بين الأحلام،

وفي حضن الكوابيس.

 

في غياب اللغة،

أنا لست سوى رجل،

رجل عادي لا يفقه شيئًا،

لا يمكنه حتى التعبير عما بداخله،

لا يمكنه قول كلمة حب لفتاة عابرة،

أو صياغة رد فعل ثائر على أوضاع الإنسانية

التي تهوي بنا إلى هوة انهيار الحضارة،

حتى قلبه لن يعرف كيف يمكنه وصف

ذلك الذي يفترسه،

وحين تسقط الدمعة المتحجرة على خده،

لن يعرف بماذا تشعر عينه.

 

ربما أنا لست سوى رجل،

رجل عادي من عامة الشعب،

رجل يأخذ معه كيس القمامة

وهو يهم بالخروج من قمقم بيته

ليجابه وحوش العالم،

ولكن هذا لن يغير مشروعية طلب الأم

بأن يتخلص من نفايات حياة أسبوع كامل،

أو ربما هو طلب زوجة لم تأتِ،

ولن تكون إلا في بعض الغفلات

التي يرى فيها مشاهد من قصص أسطورية

لا تتحقق في عالمه الضيق.

 

قالوا عنه الناقد

الذي يبرع في سبر أغوار الأعمال الأدبية،

واختار لنفسه صفة الصحفي الباحث عن الحقيقة،

لكنه لا يمكنه حتى البحث عن نفسه،

وصفه آخرون بالروائي،

لم يعلم كيف وهو لا يملك كتبًا تشفع له،

وأجمع عارفون على كونه الشاعر القادم،

أرعبته الكلمة،

في كل وصف لم يخف،

ينظر للصفة من بعيد ويتحراها،

في أوقات تعجبه،

وفي أوقات أخرى يلقيها على قارعة الطريق،

متذكرًا ما قاله الجاحظ عن الأفكار،

لكن الشعر ظل دائمًا هو رهابه الأدبي الأكبر.

 

أن تكون شاعرًا

معناه أن تدخل في صراع مع إله اللغة

في نزالات غير متكافئة حول من يظفر بقلب المفردة،

وستنتهي بتسرب الكلمات من بين القلوب

هاربة نحو الحدود اللامتناهية لفضاء اللغة.

 

في يوم قال له خبير: ما أنت إلا أديب.

فزع من الكلمة، وشعر أنها تكتب نهايته،

خاف أن تشعر النفس بشعور الطاووس

عندما ينفش ريشه في مشهد رومانتيكي

من أجل سرقة قلب الأنثى.

 

هناك جامعيّ تنساه في الطريق،

أو ربما سقط منه سهوًا

عندما كان يعبر أحد طرق الذاكرة،

يتذكر ذلك الشاب بكل آماله التي تحتل السماء،

يعرف جيدًا كيف كان يعطي الحياة الأمان،

ولكن الحياة غدرت به

وطعنته بخنجرها في ظهر تركه مكشوفًا.

 

بين كل هذه المسميات،

تتشقق الهوية وتتصدع الحقيقة،

وفي وسط كل هذه المصائر

يبقى فتى قديم ضيعه من بين يديه،

فقده في معركة تسمى «الحياة».

 

فتى بسيط

لم يرد غير أن يستيقظ من نومه

ليجد جسده في خفة الحمام،

وقلبه منتشيًا بالدورة الدموية

التي تجري في كل الجسد.

 

لم يطمع في سعادة مبالغة،

ولا انتصارات مظفرة،

كل ما أراده أن يرتشف من كأس الحب،

ويعرف كيف يعيش البشر،

لكن أمنياته طوتها عاصفة ترابية

قادمة من تغيرات مناخية،

أودت بكل الأحلام

إلى صحراء قاحلة

لا يمكن للزرع أن ينبت فيها.

 

ربما لأنه طمع.

في ماذا؟

في الخلود.

 

سمع ذات مرة

أن الخالدين يمكنهم التغلب على ملك الموت،

أذهلته الفكرة،

وقال في نفسه: لماذا لا أكون أحدهم؟

 

ظن أن الكلمة

قادرة على حفظ اسمه في اللوح المحفوظ،

لا يهمه أن يتعفن جسده ويأكله الدود،

ما أراده أن تظل روحه تحوم في فضاء الحياة.

 

لم يعلم أن الفناء هو الحقيقة

في عالم الكذب الذي حيا فيه،

وحده الفراغ ما يتبقى لينهي الوجود بأكمله،

لكنه لم يعِ هذه الحقيقة إلا عندما سرقت منه نفسه،

أو يمكن أن يكون ضيعها بفعله،

ربما اختلطت باللغة حتى صار التفريق بينهما،

وكأنه تفريق بين الأم وجنينها.

 

مسكين هو،

يشبه جلجامش،

لا في عظمته بالطبع،

ولكن في وردية أحلامه.

 

لا خلود للبشر،

ولو ذهبوا لأقاصي الأرض باحثين عن سر الآلهة،

كل شيء فانٍ،

وأولهم اللغة التي راوغته وخدعته مثل حية ملتوية، والأحلام التي خدعته مثل نصاب دولي بارع.

 

على باب التيه يقف،

بلا حبيب أو صديق،

بلا حلم أو أمل،

بلا نفسه وبلا لغته،

خانته الكلمات مع عشيق جديد.

 

حتى الرجل البسيط

الذي يريد أن يكونه

بعد الاعتراف بالهزيمة صار بعيد المنال،

كأنه حلم يقظة بعيد.

 

لا مسكن يسكن إليه،

ولا عائلة تربت على روحه،

ولا شيء سوى العدم.

 

هو ليس قديسًا،

ولا ساحرًا ضليعًا،

أو كاتبًا حكّاءً،

ولا قاصًّا يشيد المصائر،

أو روائيًا يهندس العالم،

ولا شاعرًا يلعب بالمفردة،

أو أديبًا يجمع بين كل هذا في قبضة من حديد.

 

ليس هو الصحفي الهمام،

ولا الجامعي الساذج،

ولا الفتى البريء،

أو الرجل البسيط،

ولا حتى الشيطان الرجيم.

 

هو ليس سوى روح مشوهة،

هائمة في ملكوت أبعد ما يكون عن الأسطورية،

وأتعس ما يكون عن العادية.

 

الآن…

هو يعرف أن النهاية بلا لون أو مذاق،

والبداية خداعة بألف وجه،

ومع ذلك لم يكتسب الحكمة المرادة،

لكنه صار يعلم أن اللاشيء هو قدره الأزلي.

 

ولكنه ما زال يرى النجوم في الليل.

محمود عماد

37 مقال
كاتب وروائي مصري

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع