محمد ممدوح
فى روايتها «عابرون تحت شمس واحدة»، الصادرة عن دار روافد 2026م، تمزج إيمان سعيد بين هواجس وانكسارات البطل “أسامة”، راوى الكاتبة، وبين العالم بحروبه وصراعاته، كمعادل أكثر اتساعاً لأزمات البطل الوجودية.
نحن أمام إنسان اتخذ قراراً بعدم الزواج، رافضاً دعوة أمه لترى أحفاداً من صلبه يتقافزون حولها “ألم يكفها هذا العالم الذى يمزِّقنا دون إرادة منا”، ص10؛ حتى لايُورَّث الأبناء معاناة آباءهم فى بيئة قوامها الرقابة والقهر، وقد حطَّمته مخاوف الطفولة وتسلُّط الأب، والرِّهاب المَرَضىّ مِن فكرة الفناء “أؤمن بأن كل شئ هو فى الأصل لاشئ، وأن الإنسان ما هو إلاّ محض ذرات ستبلى ذات يوم ليستحيل فراغاً”، ص13.
يجئ هروب أسامة/ الكاتب من بيتهم القديم بحثاً عن فكرة جديدة تساعده على الاستمرار فى هذا العالم وفهمه، كمحاولة يائسة للقبض عليه من خلال الكلمة، لتنمحى الحدود بين الكاتب والشخصية تماماً؛ فالكاتب يكتب عن بطل يبحث عن فكرة رواية، والبطل يحاول الهَرَب من النَّص، بينما يتساءل عن جدوى الكتابة.
لكن، هل وَجَد الكاتب ما كان يبحث عنه فى تغريبته القصيرة عن بيته؟.
فالشقة التى استأجرها فى البيت، الذى رشَّحه له صديق العمل ” باسل”، تضم ثلاث سيِّدات: “ليلى”، الأم، تعمل سجَّانة بالسجن المجاور للبيت تقريباً، وابنتاها:” هالة”، نحَّاتة، تحب القراءة، “مها”، طالبة الفلسفة. ثمَّة جريمة قتل غامضة لوالدهما، ” عامر بهنس”، المهندس الزراعى والفنان التشكيلى، بين هذه الأقطاب المتنافرة فى خلفياتها النفسية تدور تساؤلات البطل/الكاتب وهواجسه إزاء العالم؛ حيث يُشكِّل الحُلم كمرآة مشوَّهة للواقع، ومشهدية الحروب والدماء على الشاشة، إلحاحاً متكرِّراً لرؤية البطل.
فالسيِّدات الثلاث تجسيد مادى لمخاوف الكاتب، فالسجَّانة تمثِّل ثيمة الاحتجاز لديه، بخاصة أنه سُجِن فى ثورة يناير، كتجربة واقعية أكملتْ السجون الرمزية الأخرى فى الرواية بطبقاتها المختلفة، وعلاقته المتناقضة بهالة ومها.
فهالة مَثَّلتْ نموذجاً للاستقرار والطمأنينة، اللذين كانا يبحث عنهما طوال الوقت، وسط عالم ينهار ويتلاشى، لكن اكتشافه للعلاقة المثلية بين هالة وصديقتها نادين، أحدَثَ زلزالاً نفسياً لم يتوقعه، جعَلَه يعيد التفكير فى سبب رفضه للزواج والإنجاب، أكان بسبب عدمية العالم، أم غطاءً لالتباس هويته الجنسية، التى دَفَعَته فى النهاية إلى إقامة علاقة جنسية مع الأم/ السجَّانة، رمز السلطة، كمحاولة يائسة للتشبُّث بالرغبة، لنكتشف أنَّ الشقة/البيت، التى ذَهَبَ إليها ملاذاً آمناً، أصبحتْ تمثيلاً لإرث المعاناة والألم، بما تحمله من هواجس وصراعات دموية.















