ضجيج داخلي

mahmoud fahmy

محمود فهمي

منذ شهور لم يعد يفتح الستائر، يقول لنفسه إن الضوء يزعجه، لكنه يعرف أن الضوء لم يعد يعني له شيئًا، النهار هناك، خلف الزجاج المغبر، لكنه يفضل أن يبقى خارج الزمن، حيث كل شيء ساكن إلا أفكاره، أفكاره التي تحاصره كوحوش مفترسة.
تعيش الغرفة على إيقاع أنفاسه، صدى خطواته، وحتى فترات صمته الطويلة، الكرسي في المنتصف يحتفظ بانحناءة جسده، والسرير لم يعد للراحة بل صار مرآةً للأرق، متعبة، صامتة، تعرف أكثر مما يقول.
في الأيام الأولى كانت الوحدة تخنقه، كان الصمت ثقيلاً، ثقل جسد ميت، يزحف في أذنيه ويملأ رأسه كضبابٍ كثيف، كان يشغّل المذياع، يقلب فى هاتفه ثم يلقيه إلى جواره مثل جثة يريد الخلاص منها، لاشيء من تلك الأشياء قادر على  إيقاف تفكيره، لكنه أدرك بعد وقت أن الضوضاء لا تقتل الصمت، بل تضع قناعًا عليه مؤقتًا — مثل من يغطي وجه مريضٍ لئلا يرى موته، مثل مهرج يضع المساحيق فوق وجهه ليداري ما به من ألم، ثم، شيئًا فشيئًا، بدأ يسمع العالم بطريقة مختلفة، لم يعد الصمت صمتًا.
في الليل، بينما يجلس بلا حركة، يسمع صوت سيارةٍ تمرّ  مسرعة، صوتها يمتدّ مثل خيطٍ من حياةٍ لم تعد تخصّه، لكنه يجد فيه طمأنينة غامضة، كأن العالم ما زال يعمل في مكانٍ ما، وأن وجوده، رغم انعزاله، ما زال جزءًا من النظام الكبير للأشياء.

حين يهدأ كل شيء، يأتي صوت القطار البعيد، يحفظ إيقاعه، صوت متكرّر ثابت، كنبضٍ خارجي يذكّره بأن الزمن لم يتوقف بعد
أحيانًا، حين يسمعه، يغلق عينيه ويتخيل نفسه على أحد مقاعده، يعبر المدن دون وجهة، لكنّ الصورة تتلاشى بسرعة، كما تتلاشى الأصوات حين تذوب في الفراغ.

ثم تأتي الليالي الأعمق، تبدأ الحشرات بالعزف خلف الجدران، حتى الريح حين تمرّ قرب النافذة، تهمس له بكلماتٍ مبهمة، كلماتٍ لا يسمعها أحد غيره، كل تلك الأصوات، التي كان يعتبرها ضجيجًا، صارت الآن رفقاءه الحقيقيين، هو لا يردّ عليهم، لكنه يصغي، يصغي بصدقٍ لم يصغِ به لأحد من قبل.

في دفترٍ صغير قرب السرير كتب ذات مساء:

“هذه الليلة، سمعت قطارًا بعيدًا وحشرةً تهمس قرب النافذة، لم أقلق، لم أشعر بشيء، فقط كنت موجودًا، كما لو أن وجودي مجرّد صوت آخر في الليل”.

أحيانًا يظن أن الأصوات تتحدث إليه بطريقةٍ غير لغوية، أنها تذكّره بشيءٍ كان يعرفه ثم نسيه: إيقاع الحياة، تنفّس العالم، تلك النبضات الخافتة التي لا يسمعها إلا من ابتعد بما فيه الكفاية

وحين يمرّ الفجر لا يراه، لكنه يشعر به من تغيّر نَفَس الغرفة، يبتسم بخفوت، يهمس لنفسه:

“الليل يرحل، لكنه لا يأخذني معه.. ما زلت هنا”.

يظل جالسًا حتى تتلاشى الأصوات، حتى يبقى فقط صوت ضجيج داخله، ذلك الضجيج الذي لم يعد يزعجه بل صار صوته الخاص، ثم يغفو قليلاً، لا في نومٍ حقيقي، بل في هدنةٍ بين وعيين، وحين يصحو، لا يفتح الستائر، ولا يفكر في الخروج، يكفيه أنه عرف أن الوحدة ليست فراغًا، بل عالمٌ كامل ، له أصواته، وطقوسه، ورفاقه الذين لا يرحلون، ابتسم مرة أخرى، وقال في نفسه:

“ربما لم أعد وحدي.. لقد أصبحتُ أحد أصوات الليل”

 

محمود فهمي

30 مقال
صدر له: لوحدك ـ 2003 مش فاضل حاجة ـ 2011 كإنه غمضة عين ـ 2013

مقالات ذات صلة

أقسام الموقع