محيي الدين اللاذقاني
“يمشون في السماء”.. هذا كتاب فريد من نوعه، سيطربك إن كنت تحب الشعر، وسيثريك بالمعلومات إن كنت تحب التاريخ، وسيدخلك في دهاليز الفقه، وعلم الكلام عند المعتزلة، والمتصوفة إن كنت من أهل الفكر والفلسفة، والأهم من هذا كله أنه ينحاز للشعراء والمفكرين والفقهاء الذين عارضوا سلطات أزمنتهم، جماعة من قالوا لا، في وجه من قالوا نعم، وحاولوا تصحيح البوصلة الإنسانية لا طمعا في جاه، أو مال بل إخلاصا لمصداقية الكلمة، ودفاعا عن حرية القول والعمل .
في هذا الكتاب الذي يحمل اسم الشاعر الكبير أحمد الشهاوي، ورأى النور قبل أسبوع واحد فقط عن الدار المصرية اللبنانية، سيصادفك الحلاج المصلوب، والسهروردي المقتول، وابن المقفع، ولسان الدين ابن الخطيب المحروقان أحدهما في فاس، والآخر في بغداد، ومع هذه الكوكبة التي أخلصت للكلمة الحرة على حساب مصالحها ستجد أيضا الجعد ابن درهم الذي باع إرث الخلفاء الأمويين في عهد عمر بن عبد العزيز، فلما مات الخليفة العادل ذبحه خليفته في عيد الأضحى على بوابات دمشق .
ولا يخلو هذ الكتاب الممتع/ المؤلم من شعراء لا علاقة لهم بالمتصوفة الذين يحبهم الشهاوي أكثر من غيرهم، لكن كان لهؤلاء الشعراء تجارب وجودية، ومعارك في سبيل الكلمة والدفاع عن الرأي، ومنهم بشار بن برد الذي جلدوه في البصرة حتى الموت في زمن الخليفة المنصور، وطرفة بن العبد الذي ساقه طمعه إلى حتفه، فسار الى حاكم البحرين برسالة ملك الحيرة وفيها أمر بقتله مع خاله المتلمس الذي فتح رسالته، فكتبت له النجاة ووقع طرفة في شر جهله، وطمعه
طرفة كان نهاية تمشي على قدمين
أي قلب هذا الذي يرفض النجاة
لئلا يخسر وهمه؟
هذا مقطع صاغه المؤلف شعرا، وهو يستحضر نهاية واحد من أهم شعراء العصر الجاهلي كانت معلقته “لخولة أطلال ببرقة ثهمد …” معلقة على جدران الكعبة، وقد كتب الشاعر أحمد الشهاوي لكل شخصية من هذه الشخصيات المثيرة للجدل قصيدة تستلهم أعمالهم، وحرص أن يوضح غرضه في مقدمة الكتاب، فهو لا يرثيهم بل يحتفي بهم كرواد للضمير، ومدافعين أشاوس عن الحقيقة والحرية، فيقول في تلك المقدمة عن كتابه وعنهم وعن الذين قتلوهم ليخنقوا أفكارهم :
” عن الذين ظنوا أن النار قادرة على إنهاء الفكرة، لكنها لم تفعل سوى أن جعلتها أكثر توهجا، وبهذا يخرج الكتاب عن كونه رثاء لهم ليصير استدعاء لهم كأني أفتح لهم بابا في اللغة كي يدخلوا منه من جديد لا كأشباح بل كأصوات لا تزال قادرة على مساءة العالم” .
ألم أقل لكم إنه كتاب فريد من نوعه، وفكرة خلاقة تستدعي معظم ما في التراث العربي الإسلامي من تمرد على السلطة، ودفاع مجيد عن الحريات، والحقيقة، والإنسان الذي وضعته الحداثة الأوروبية كمركز للكون، وسبقها هؤلاء إلى هذه المعاني قبل أن يشع نور الفكر في أوروبا بعدة قرون.









